رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله:


"أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم" وصية نبوية كريمة تحمل الخير كله للأبناء والآباء معا، فالإبن المؤدب المحترم يجلب لنفسه رضا الناس ودعواتهم واحترامهم، كما يجلب لأهله السمعة الطيبة، والدعوات الصادقة.. أما الإبن المنفلت المنحرف الذى لم يحسن أهله تربيته يجلب لنفسه ولأهله اللعنات وسخط كل خلق الناس.

لذلك لا عذر لأسرة لم تحسن تربية أولادها، وعليها أن تتحمل وحدها نتائج تهاونها أو تدليعها لأولادها وتركهم يعبثون ويجلبون لأنفسهم ولأهلهم تداعيات سوء تربيتهم.

وهنا نؤكد أنه لا علاقة لسلوك طفل أو شاب منفلت بمكانة أبويه الوظيفية، فكم شاهدنا أبناء رؤساء وكبار مسئولين وهم أنموذج فى الأدب والأخلاق، كما أن الثراء لا يصنع منحرفين ومجرمين، فكم شاهدنا وعرفنا أبناء أثرياء وهم قدوة فى التواضع والانضابط الأخلاقى والرقى السلوكى.. مسالة انحراف الأطفال وانفلات بعض الشباب ترتبط بالتربية المنزلية والمدرسية ومدى قدرة الآباء والأمهات على رقابة سلوك أبنائهم، والتدخل تربويا وبكل حسم عند مشاهدة بوادر انفلات وانحراف فى سلوك الأبناء.. وليس فى ذلك قسوة أو جحود كما يحلو لبعض أنصار التربية "المايعة" أن يطلقوا عليها.

يجب أن نعترف بأن وسائل الانحراف تحيط بأولادنا من كل جانب، وأن تربية الأبناء على القيم والفضائل تتطلب جهدا مضاعفا من الآباء والأمهات مهما كانت التزاماتهم وأعبائهم الحياتية، فلا شىء يعوض الأب أو الأم عند انحراف إبن أو إبنة وارتكابه سلوكا شائنا، أو انفلاته أخلاقيا وتسببه فى مشكلات اجتماعية أو أخلاقية للأسرة، وهناك كثير من الآباء والأمهات الذين يخجلون من سلوك أبنائهم الذين فقدوا السيطرة عليهم بسبب سوء تربيتهم وإهمالهم فى واجباتهم التربوية وانشغالهم بهموم الحياة، أو سيطرة مفاهيم تربوية خاطئة على عقولهم.

***
للأسف.. كثير من الصبية والشباب لا يعرفون شيئا عن قانون "العيب" الذى تربينا عليه والذى يرفض ويدين المجتمع بموجبه كثيرا من السلوكيات التى نشاهدها يوميا فى وسائل المواصلات والشوارع والنوادى والمولات وغيرها، وإحياء هذا القانون فى نفوس الأجيال الجديدة يتطلب جهدا كبيرا لا بديل عن القيام به إذا أردنا جيلا قويا منضبطا قادرا على العمل والبناء والانتاج وقادرا على حماية الوطن فى المستقبل.

وقانون "العيب" الذى تلاشى من حياة بعض أبنائنا يعنى رفض كل ما يحمل إساءة للآخرين، ويعنى احترام الصغير للكبير، ورحمة الكبير فى التعامل مع الصغير.. كما يعنى رفض كل ما هو حرام شرعا.. وكل هذه قيم تربوية وأخلاقية وتعاليم وآداب شرعية ينبغى أن تكون راسخة فى نفوس أبنائنا إذا أردناهم صالحين نشرف بهم وبعطائهم الدينى والوطنى والأخلاقى.

لذلك علينا أن نرسخ فى نفوس أولادنا قيمة "احترام الآخرين" وعدم السخرية منهم أو التنمر عليهم، فاحترام الآخرين علامة تحضر ورقي، وكلما تعامل الإنسان باحترام مع الآخرين كلما كان متحضرا واتصف بالرقي في معاملاته، وعلينا أن نعترف بأننا نعانى فى حياتنا العامة من انفلات أخلاقى ونفتقد هذه الفضيلة في سلوكيات البعض في المجتمع الآن، فقد حلت البلطجة محل الاحترام، وحل الصوت العالي محل الصوت المنخفض الذي يعبر عن رقي وتحضر صاحبه، ولذلك ليس غريبا أن ينتشر العنف اللفظى والسلوكى في بعض شوارعنا ونوادينا وأسواقنا ووسائل اعلامنا التى تدخل كل بيت ويشاهدها الكبار والصغار.

**
إذا أردنا أن نقضى على الانفلات السلوكى للصغار فعلينا أن نبدأ بالكبار الذين يمارسون هذا الانفلات فى كل المجالات، ونحاصر انفلاتهم بكل الوسائل، وأعتقد أن الدولة جادة فى ذلك، ولديها من الأدوات القانونية ما تستطيع به مواجهة الانفلات السلوكى بكل أشكاله.. كما أن تغيير الأنماط السلوكية الخاطئة فى نفوس الصغار ليس أمرا مستحيلا، لكنه يحتاج إلى جهود كبيرة تبدأ من داخل البيت، حيث يجب أن يقوم الآباء والأمهات بواجباتهم التربوية وينبغي أن تكون سلوكياتهم أمام أبنائهم نموذجا للتحضر والرقي والانضباط الأخلاقى وأن يلقنوا أولادهم عمليا "قانون العيب" الذى يعنى رفض كل سلوك خارج عن إطار الأدب والأخلاق.. أيضا.. ينبغى تكثيف مساحة القيم التربوية التى تقدم لأدولادنا من خلال مناهج التعليم المختلفة خاصة بعد أن شاهدنا كثيرا من السلوكيات المنحرفة داخل المدارس نفسها، فلا قيمة لعلم أو فكر أو ثقافة يحملها إنسان غير منضبط أخلاقيا، وغير متحضر سلوكيا، ويتصرف بشكل غير لائق مع كل المحيطين به.. وهنا ينبغى أن يكون المعلم "قدوة طيبة" لتلاميذه فلا ينحدر معهم فى سلوك معيب، ولا يجاريهم فى انفلات، ولا يقر منهم سلوكا يتنافى مع الأدب والأخلاق، ولا يدخن أمامهم داخل قاعات الدراسة أو فى فناء المدرسة، وإلا أصبح قدوة سيئة أمام تلاميذه كما نرى فى بعض المدارس.

***

يقول العالم الأزهرى الراحل د.محمود حمدى زقزوق عضو هيئة كبار العلماء ووزير الأوقاف الأسبق رحمه الله: لا شك أن التربية الأخلاقية للطفل تعد أهم حقوقه، فإحسان التربية حق للولد على أبيه، والتربية هنا تعنى تربيته داخل المنزل على الفضائل والعادات الطيبة والتقاليد الراسخة التى تنطلق من قيم الدين وأخلاقياته، كما تعنى تعليمه فى مراحل التعليم المختلفة حتى يحصل على كل ما يستطيع من شهادات علمية تصقل شخصيته، وتوفر له فرص عمل كريمة، وتجعله عنصرا مفيدا لنفسه وأسرته ومجتمعه، كما تشمل التربية الحسنة للابن تثقيفه بالثقافة الدينية الصحيحة والحياتية المفيدة وضبط سلوكه العام بالضوابط والقيم الأخلاقية".

ويضيف: ومع أن التربية الأخلاقية للصغار مهمة كبرى يجب أن تشترك فيها الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والتوجيه والرعاية الاجتماعية فضلا عن المؤسسات الدينية وفي مقدمتها المسجد، إلا أن المسئولية الكبرى هنا تقع على الوالدين فإحسان تربية الطفل منذ نعومة أظفاره واجبهما بالدرجة الأولى، فالإسلام فرض على الوالدين إحسان تربية أبنائهما منذ الصغر وغرس القيم النبيلة في نفس الطفل بما يوفر له الحماية من كل أشكال الانحراف، ومسؤولية الآباء عن تثقيف الطفل وإمداده بالثقافة الدينية والدنيوية المفيدة بعد إحسان تربيته وتأديبه واضحة في الكثير من النصوص الدينية الصريحة، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ"، والوقاية لا تكون إلا بالتأديب الواجب والرعاية الضرورية، والتوجيه إلى الخير، والتحذير من الشر.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرسم لنا معالم هذه المسؤولية ويقول: "كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته".

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة