وإني أتحسس محفظتي كلما وصلتني رسالة من مدرسة الأبناء تبدأ بكلمة Dear Parents
على الأقل كن شريفاً، واضحاً في خصومتك، فلا داعي لمداهنتي بديباجة ملساء أو مخاطبتي بعزيزي فلان
ادخل في الموضوع .. كم تريد؟
لكم انتشرت تلك المقولة على وسائل التواصل كونها تعبر عن واقع حياتنا وهو ما يذكرني بمقولة زوجي :"ستندهشين أن أغلب الخوازيق التي نتلقاها في الحياة، تكون مغلفة بشريطة حمراء".
Quite elegantly wrapped
فمعظمها يستهل ب :عزيزي فلان
لذا يحتاج المرء لروح من فولاذ ولنفس من شفاف ليستمر في مناطحة طواحين الشر البشرية.
فهناك قلوب يسكنها الحزن كالمقابر، لكن هناك نفوس أخرى حرة لا تجاور سوى الأعياد.
وهناك عقول تأنف سوى ارتداء دثر الخيبة، وأخرى لا ترضى سوى ببشت الحكمة رداء.
وثمة أفئدة اعتنقت تخليد الشقاء في الصدور .. فيما أرواح احترفت الشفاء.
وكم من ضمائر أضمرت نشر الخير في بقاع الأرض .. وللطير ينثرون السنابل بعنان السماء.
لكن المؤسف أن أغلب تلك النفوس مصنعة بشكل قلما يُفَعِّل فريضة إعمال العقل.
لقد اختاروا .. ألا يختاروا.
■ ■ ■
وإن كان أقسى ما يصاب به المرء هو فجيعته في عدم تحقيق أهدافه، إلا أن الأفدح هو وجود من يأتي ويروح دون أن يمتلك لياقة تحديد هدفاً لحياته من الأساس، فجل ما يصبو اليه أن يأكل من خشاش الأرض، ثم يتفاخر بإضمحلال طموحاته للإيعاز بأن فشله مناطه الزهد، رُغم أن هؤلاء الزهاد على استعداد لإشعال الشعواء لو صف جارهم سيارته مكانهم بالمرآب.
ولكن لأن الناس يدركون عواقب إهمالهم لفريضة الإختيار بعد تكهل خطاوي العمر، فيوافقون على فرضية الخازوق، ثم لاحقاً، حين يبلغون ذروة الأجل أو بعد فوات الحياة، يفهمون بالأثر النفسي ما لم يدركوه بحواسهم.
وأقسى ما يستطيع إنسان أن يعيه هو يقينه أنه مهما أنفق من عمره إلا أن قدراته لن تكافئ طموحاته فهو كمن يدخل سباق "رالي" بسيارة "سيات" مستخدمة.
هنالك يتهول ويتغول بؤس المرئ حين يفجع، ليس بالإخفاق في بلوغ مرامه فحسب، بل ساعة يوقن أنه أريد به تحقيق أجندة تخدم أهداف سواه.
■ ■ ■
فندر من الأهل من تأهل في التنقيب عن مواهب أبنائه وأقل منهم من رأى ضرورة قدح زناد فكرهم أو تنبيه حواسهم لإيقاظ وعيهم بحقيقة مجريات الأمور.
البعض يسعد بهبل الأبناء وقد يترجمونه على أنه نوع من البراءة.. فيما يريد آخرون أبناءهم منبطحين تحت الأقدام .. فتحجم الأم عن الثناء على جمال صغيرتها خشية أن تغتر أو "ترى حالها" فتعميها عمدًا عن محاسنها.
أو قد يطرونهم على منصات التواصل حين يعود ذلك عليهم بالتقدير. كما يمتنع الأب عن الإشادة بأبناءه إلا بشحيح الكلمات المحسوبة وبإقتضاب مصحوب بتكشيرة خشية أن "يتمرع" الإبن.
فهدف -البعض- أن يتخرج الصغير من الجامعة ويعمل ليجلب الفخار لذويه، فيرث عيادة والده، وتعساً لرغباته في دراسة الهندسة، الرسم أو التمثيل. وكلما طمس الإبن من شخصيته، كلما نعت بارًا.
■ ■ ■
أذكر أن شجارًا وقع بين أبنائي، فجاءتني الصغيرة شاكيةً كونها تلقت "سُبّة" من أخيها، حيث نعتها بالأميرة.
قلت: ماذا في هذا.. أونحاسبه على الإطراء؟
قالت: لا لا، بل قال، أنت أميرة مطلقة.
وبخته لسلوكه، واعتذر لها.
لاحقاً، أخبرتني ابنتي -بما معناه- أنها تأذت من لقب "أميرة" لا "مطلقة"، فالأول في شرعتها يعبر عن امرأة في الغالب مرفهة، تحضر عروض الأزياء وتشارك بشكل شكلي في الأعمال الخيرية وترضى بأوضاع حياتية مزرية مقابل لقب يضعها في قمة المجتمع رغم أنها فعليا في قاعه.
أما المطلقة فهي إنسانة حيز لها من الكرامة ما جعلها ترفض او على الاقل تقاوم أوضاع مهينة وضغوط إجتماعية قاسية لكونها بالأساس حرة.. ثم ختمت كلامها
: لقد اضطررت لخداعك بقولي أني جرحت من لقب مطلقة، رغم أني احترمه أكثر من أميرة، لأن دلالة الأول ستزعجك وستحضك لنصرتي .. فيما دلالة الثاني ستثبطك عن الدفاع عني، رُغم أنه قالها فكاكاً، كونه يعلم أن الكلمة ظاهرها السمو وباطنها التجريح.
أمي، إنه ما قال أي من اللقبين إلا ليضايقني، وكان حرياً به لو أراد ملاطفتي ألا يناديني باسمي لو كان اسمي يؤذيني، واعتقد أن ثمة حديث شريف بهذا المعنى، بل الآية صريحة في النهي عن التنابذ بالألقاب.
واضافت: لكم يؤذي المسيحيين أن نصفهم بالنصاري، فلم الإصرار على مخاطبتهم على هذا النحو؟
إنهم لم يطلبوا تغيير ما ورد بالقرآن، فقط عند التخاطب مباشرة معهم، يفضلون وصفًا معينًا، لربما يشعرهم بانتسابهم للمسيح، فلما نضطرهم للتبرير وما سبب الإصرار على نعتهم بما نعتقد نحن أنه خير لهم أو محاولة إقناعهم أن النصاري هم الحواريين الذين ناصروا المسيح. اونقول "لكم نسعد حين نراكم في المنام فهذا معناه نصرة " ما هذا السخف؟
لقد ذهلت من عمق وعي ابنتي رغم أنها طفلة لا ينبئ مظهرها على عقل، سيما أنها تقضي جل وقتها في الألعاب الالكترونية، ثم أن صوتها وحركاتها طفولية للغاية. لكني احسب أن درجة وعيها هي الأمثل بين أبنائي -حفظهم الله -فقد علمت أن "أميرة" ما هي إلا "تقية" أو شريطة حمراء غلفت بها سبة.
■ ■ ■
أعود لجهود بعض الآباء تجاه أبنائهم والتي لا تتعدى إحاطتهم بالرعاية "السوبر فائقة" والتي قلما تسفر إلا عن شخصيات منمطة، أما تاريخ الناجحين فيشهد أنهم حادوا عن السطر ورفضوا ميراثهم من عبادة الوالد أو عيادته، كما رفضوا أي خازوق ولو مغلف بشريطة حمراء، كونهم بالأساس غير قابلين للإنصياع لحياة النمط المثالي الملكي التي يستيقظون خلالها باكراً وينامون كالداجن قبيل العشاء.
وهناك وصف قرآني مفصل لتلك الدواجن البشرية
:"ولتجدنهم أحرص الناس على حياة " الآية 96 من سورة البقرة.
فلقد وردت كلمة "حياة" منكرة بدون تعريف ب "ال" سواء الحياة الكريمة، الناجحة أو سواها من النعوت.
ويهدف التنكير للفت الإنتباه لقبول البعض لأي نوع من "حياة" ولو رمادية الليلي، باهتة المصير، ولو دون مقدار مشبع من الحرية، الكرامة أو الشرف، ما يعني أنهم على استعداد
لقبول كل شيء
وأي شيء
أو أي نصف شيء
أو ربع شيء
أو حتى ال لا شيء.
فهم مؤهلون بالسليقة للخداع، متآمرون ضد أنفسهم بإمتياز .. حيث يتساوى لديهم الشموخ مع السفل.
■ ■ ■
وللكاتب "محمد عادل" شرح لهذا التواطئ ضد الذات، يوضح فيه كيف يبتلع الإنسان الطعم أو الخازوق المغلف بشريطة حمراء فيقول:
"بعض العلاقات ينطبق عليها مفهوم الرجل الأبيض والعبد الأسود، بعض الملّاك البيض كانوا بوفرون للعبيد امتيازات معينة، كغرفة جيدة للنوم وأكل طيب إلي حد ما، ومشكلة تلك الإمتيازات أنها منعت تحرر العبيد من المالك الأبيض لعقود طويلة لأنها اخرّت الثورة وجعلت بعض العبيد والإماء راضين بحالهم لخشيتهم من خسارة امتيازاتهم المحدودة.
نفس الشئ ينطبق علي العلاقات الانسانية في العصر الحالي وإن خلا من العبيد الزنوج، فثمة علاقات مؤذية تماماً، لكنها لا تخلو من امتيازات، سواء على هيئة كلمات حب وسط وابل من الإنتقاد، أو هدية لطيفة بعد قسوة غير مبررة، أو اعتذارات متتالية بعد إيذاء لا يتوقف، أو لمحة إهتمام وسط تجاهل مسيطر، ونظرة رضا بين نوبات لانهائية من الغضب.
مشكلة تلك الإمتيازات أنها خادعة، تؤخر ادراكنا بسمية العلاقة وبضرورة التخلص منها، تتلاعب ببصيرتنا وتستهزء بحدسنا، تجبرنا علي الإستمرار طلبا لأمل العلاقة الصحية المنشودة، أمل لن يتحقق، لأن المالك لن يرفق بالعبد إلا بالقدر الذي يمنعه من التمرد والرحيل".
■ ■ ■
انتهى كلام "محمد عادل" لكن تلك العلاقات مستمرة بل ومتفشية في محيطتنا، ليس مع من نحسبهم أصدقاء فحسب، بل من هم مدونون في خانة الأهل.
وللمرة الثانية يوضح القرآن في سورة نوح الآية 46:"قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ"
لم يقل "أنه ليس ابنك"، أو ليس من صلبك، فالتشكيك لم يكن في النسب ولكن ورد الطعن في الأهلية.
فثمة استنكار وتحريض من المولى لتنشيط الوعي الإنساني لعدم السماح لأي شخص بتسميمك، بل رفض أن يكون أهل لعلاقة بر، تعاطف أو قرب. فحري بك الا تمنحه اهلية امتلاك صك عقلك سواء باسم الدين، العائلة، الحب أو حتى الخيرية.
لكن، فقط النوابغ هم من اوتوا القدرة على الإنفكاك من علاقات سامة ومدمرة فُرضت بإسم المقدس لأنه وحده من يسيد عقله يدرك أن الحرية هي من المنجية من العبودية وهي ضمينة حياة كريمة. فإن لم يجد الإنسان الكرامة وسط محيطه، فهذا مؤشر أنهم ليسوا أهلا له و انه سيصبح هدفًا للاإستغلا وقد يوقع على توكيلات مغلفة بشريطة حمراء.. وإن لم يوقع سيتهم بعدم الثقة وقد يجرس.
وبالمقابل تفرض العبودية أوضاعًا تعسة وإن غلف الخاذوق بشريطة حمراء أو إن جاء ممن يدعون حيازة القداسة ليفرضوا عليك ما ينافي العقل والمنطق بل والأخلاق .. وبنهاية المطاف سيحتلوا جمجمتك بكل أقبية الخمر أنفسها وأرخصها، حتى يجعلوا من رأسك مستودع لقمامات فكرية ثم يزلقونك كما النبيذ فتنكسر مرتبكا ثملاً على قارعة اللا موت واللا حياة.
■ ■ ■
وللعلم فالنوابغ لم تهدهم الأقدار قسطاً مجاناً من الحرية مع أكسوجين الحياة، بل لقد ناضلوا للحصول عليها، ودفعوا ثميناً لها.
هذه الحرية أتاحت لهم فرصة البحث عن ذواتهم وعما يريدون هم لا الأقارب من الحياة، نتج عن ذلك أنه اتيح لهم اختيار طريق حياتهم، كما سمحت لهم الحرية بإقتراف الأخطاء وتصويبها ثم المزيد من الأخطاء التي يثقون أنها ستنجب صوابيات نتيجة زخم التجارب، ومن ثم سيعثرون على كنزهم عقب مواجهتهم لعثراتهم التي ستقع لهم في "اوتوستراد" حياتهم.
فهم لا يبتئسون من فداحة زلاتهم أو من تكراراها كما لا يعنيهم نقد، بل يعون أن العثرات هي تمرينات حواجز ومراجعة للدرس، إنها بمثابة "سلاح التلميذ" و "أضواء" للطالب، بخلاف من يركنون لعقول آسنات كونها أبائية ليسيروا في خضم القطيع .. يعتكزون على أن كل ما يصدر من لغط الشيوخ صواب.
فكل ديمومة الكون لن تنفع من لم يقرر أن ينتفع هو نفسه بحياته.
ومهما استطالت الدنا، فبالنهاية سيهجر العمر كل مواسمه، وسيعجزون عن الإفصاح عن معاناتهم، ساعتئد، هيهات لأوجاعهم المكتومة أن تسكن.
■ ■ ■
لقد نجحت الفنانة "ماجدة الصباحي" في تجسيد مصير ملايين من الفتيات اللائي انصعن لخيارات الأهل في الزواج فارتبطن ب "عمو عزيز" العجوز الثري أو حتى الشاب الفقير الغير كفء، فابتلعن خازوق مغلف بشريطة حمراء وفساتين بكل خيط مذهب فيها نصل غرزه الأهل في خاصرة السنين ومجوهرات من زبرجد ولؤلؤ ووعود من ياسمين، وفرح باهظ التكاليف أو حتى من دون بذخ أوحتى دون تمر وتين.. و ستمر طويلة بها الخدعة للأسف، حتى تدرك أنها دفعت الثمن آهات وأوجاع وأنين.
اذكر فتاة اخبرتني أن والدتها كانت كما نقول بالعامية "مسروعة" على تزويجها بينما كانت الابنة ترفض من يتقدم لعدم الكفاءة أو لعدم وجود قبول، وبمجرد ما لمست الأم قبول من ابنتها لشاب لم تكن تحمل تجاهه سوى بوادر تنبئ بأنها تحتاج وقت لدراسته.
اتصلت الأم خلسة بالشاب وشجعته على التقدم دون أن تخطر ابنتها او الأب الذي راح يسأل عن العريس مستغلاً قرابته بجهات أمنية، فطلبت الأم من القريب عدم التقصي عن العريس بدعوى: "احنا مش هنخرب في الناس".
أرادت تمرير الزيجة بأي ثمن ولو على حساب مصير ابنتها الذي ضاع مع انسان غير كفء.
فابتلعت الابنة الخازوق المغلف بشريطة الأم الرؤوم.
■ ■ ■
ندر من البشر من يدرك أنه مسؤول عن خياراته .. و أندر منهم من استطاع اخذ قرار المجازفة بهجر حياة الترف في الوقت الملائم.
من بين هؤلاء، نذكر القديرة "رجاء الجداوي" التي حيز لها عيشة رغدة في طفولتها، حيث كفلتها خالتها الفنانة "تحية كاريوكا" في أوج مجدها فالحقتها بالمدارس الفرنسية وخصصت لها مربية ايطالية وكانت ملابسها ترد من أوروبا.. لكن كلما كانت "رجاء" تزور والدتها في الأقاليم، كانت تلمس أوضاعها المادية التعسة، فذهبت لخالتها بكامل ارادتها وهي بعمر ال15 عام، فشكرتها لرعايتها لها، ثم اخطرتها ان أمها تحتاجها.
تركت المال والمدارس الأجنبية والملابس الأوروبية والبيت الفاخر والسائق والمربية، ومارست الحرية فعملت في شركة أوتوبيسات .. وبأحد الأيام، خرق حذائها، ولم يكن معها ما تشتري به آخر، فقامت بلف أقدامها بشاش طبي لمدة ثلاثة أشهر كي لا يسألها أحد عن السبب فتضطر لشرح ضائقتها لأحدهم، فيعطيها حسنة، فلم يكن هدفها تسول الرحمة، بل الكسب الكريم.
هذا الخيار الحر اتاح لها تقدير الهي عجيب، فرزقت زيجة من انسان كريم النفس صانها لعقود أربع و دخلت عالم الفن وعروض الأزياء ثم تقديم البرامج، حتى جائتها الشهرة زاحفة دون سند من خالتها الشهيرة وامطرت عليها السماء ثراء وابنة بارة وحياة أسرية آمنة وتقدير من محيطها.
اما العامة فعقولهم مشلولة إراديًا، ولسان حالهم يقول:" الكبار يعرفون مصلحتنا أكثر منا".
كما انهم يسكتون آهاتهم لأن الكبار علموهم أن تسكين فعل الألم صحة وعافية، فيما النطق به سقم.
يتزوجون بأمر الأباء، يختير لهم مصيرهم العملي، العلمي والإجتماعي بأمر الكبار.. يستقبلون الخازوق راضيين، فهو هدية من الغوالي.
وسيعرفون بعد أن تتكهل خطاوي العمر ان ما ضيعوه ثمين.
ولربما يغضبون كبحر ثائر كانت موانيه خاشعة للسراب حتى ضحك من فوقه النورس والغربان وحتى هزأت منه السواحل والقواقع والمحارو العباب.
و إن لم يكن للبحر ثورته.. فهل كان لوعيك فورته؟
ابحث عن نفسك كتائه يستهدى بالنجم في الفضاء ولا تتقصى عن حقك كطفل يفتش عن زبد في التراب.
لا تخشى من تعثر خطواتك ولكن انتبه ألا تتشابك أقدامك فتتشعب في سبل الوهم.
كن لنفسك ومع ربك وأنصف حالك .. تتحرر وتسكنك السعادة كما الأعياد.