إلى الأمام
ما جرى ويجري على الساحة اللبنانية لا يمكن ان نعزله او نفصله عن حقيقة مايجرى من احداث على سائر اركان الخريطة العربية وما يدبر من فتن ومكائد للقوى العربية وفي مقدمتها مصر ومن عمليات استهداف لتحجيمها او لابعادها عن القيام بدورها القدري الحقيقى في الدفاع عن الامن القومي العربي وابطال المخططات الاستعمارية الصريحة التى تسعى جاهدة للاستحواذ على خيرات الامة العربية وحرمان ابنائها منها ولتذهب المنطقة الى الجحيم.
الحقيقة وهي دائما مرة ان انهيار مرفأ بيروت قد فتح بوابات الصراع على اخرها او بمعنى ادق جددها بصورة واضحة ومباشرة.. صراعات تستخدم فيها كل الاسلحة وبلا مواربة وكل طرف يعلن عن نفسه امام الجميع ولم يعد يحتاج الى ستارة او اللجوء الى وكلاء وان كانوا حاضرين بكل قوة على الارض ولا مانع من ان يعلنوا ولاءهم وانتماءهم حتى وان تعارض مع الولاء والانتماء الوطني ..إنه صراع إرادات يستعمل كل طرف فيه شتى وسائل الصراع المتاحة من مادية ومعنوية وتتزاحم العناصر جنبا الى جنبا وتتناضح القوة والسياسة والعقائد والتكنولوجيا ..صدام للحضارات وحوارها احيانا قوة القانون وقانون القوة الخ..
المتأمل لخريطة الجغرافيا السياسية او الجيبوليتيكا سيجد ان بيروت كسرت قاعدة التماس الحضاري او صراع القوى على خط التماس الحضاري وانتقلت تلك القوى الى قلب الميدان بدلا من وجودها على التخوم ومناطق الحدود سواء في الشرق او في الغرب كل القوى المتصارعة حاضرة على المائدة اللبنانية وحولها واللاعب اللبناني ومعه الرفيق العربي مهيض الجناح وكثيرا ما يكون من المذبذبين لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء او قل هوحائر بين العدو والصديق واحايين كثيرة يجد نفسه اقرب الى العدو بل اصبحت هناك تيارات تمتدح العدو وتثني عليه وتجده اكثر رقة ورحمة وحنوا من الاخ والصديق وابن العم ورفيق الطريق وشريك الدين والعقيدة الواحدة..
ولعل هذا الملمح هو احد تجليات نكبة بيروت وحريق المرفأ الكارثي واحد الافرازات الناجمة عن هول صدمة الانفجار..
عكست ذلك بوضوح صورتان كانتا الابرز في المشهد فيما بعد الانفجار : الاولى زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وما اظهرته الصور من اندفاع قوي وحميم والتفاف حول ماكرون وتدافع بالاحضان والقبلات تناسوا فيه اي اجراءات احترازية ضد كورونا او تماشيا مع الاجراءات الامنية للرؤساء.
الثانية زيارة الامين العام للجامعة العربية السفير احمد ابو الغيط في اعقاب زيارة ماكرون..الزيارة جاءت باهتة منزوعة من كل شيء اثارت الكثير من الاسى بدلا من التعاطف والمساندة في المحنة العربية.. كان واضحا في صور ابو الغيط ان الكمامة الاحترازية من الفيروس واشياء اخرى كانت هي البطل وغلب الصمت على الجولة وكانها جنائزية ولم تخل من كلام بروتوكولي وبعض الاسى والتوجع لزوم ما يلزم في كارثة كبيرة لشعب مفجوع..
ما اثار الاسى هو ما بدا مع ماكرون وكأن الشعب اللبناني يستجير من الرمضاء بالنار..اذ بدت شريحة وكانها مرحبة بعودة الاحتلال وفرض الوصاية والانتداب من جديد..ولم يخل الامر من توجيه اهانات فظيعة للحكومة وابراز عدم الثقة فيها واتهام المسئولين بالخيانة واشياء افظع ومنح الثقة كل الثقة لممثل الاحتلال.
الملمح الاكثر ايلاما ايضا ان ماكرون سارع الى لبنان وهويحمل اجندة اوروبية فرنسا هي القيم والوصي عليها ايا ما كانت بنودها .. في حين ان ابا الغيط بدا وكانه تحرك بشكل منفرد شخصي بعيدا عن جامعة يرأسها في وقت محنة عربية كبيرة وليست لبنانية ..ليس معه اجندة او حتى خطة طبطبة على لبنان واهله ولو من باب المشاطرات..في الوقت الذي سبقت فرنسا بالدعوة الى مؤتمر للمانحين واستضافته باريس بالفعل.
ردود الافعال والتحركات على الساحة تؤكد ان هناك ثلاث نظرات تسيطر وتهيمن على التوجهات نحو بيروت :
الاولى نظرة عاطفية بحتة .. خطفها السحر والجمال واستغرقت في ليل بيروت ولياليه وسهراته وضيعاته..واستدعت اغاني فيروز والرحبانية وقصائد نزار..واخرين من عشاق بيروت..
الثانية نظرة سياسية شديدة البأس والبؤس تتلاعب بها وفيها قوى متعددة ومتضاربة في الخيالات والمآلآت لم ترحم ضعف لبنان وتتفنن في تقطيعه اربا ولا يهمها الثمن المدفوع من لحم ودم اللبنانيين المغلوب على امرهم..
الثالثة النظرة الواقعية وهي نظرة حزينة مرتبكة يائسة غير قادرة على التحرك يمينا او يسارا بعد ان انهكها طول الحصار والتعامل مع ابالسة الشر واساطين الاحتيال والتقسيم والتفتيت ومصادر التمويل التى لاتجف من اجل استعار القتال وبقاء نيران الفتن مشتعلة..
واللبنانيون الوطنيون حائرون ضائعون مضيعون بين تلك النظرات
فهم واقعون الان بين فكي الرحى او الكماشة الاطماع الاستعمارية القديمة التى عادت بقوة الى المنطقة مع بدايات الثورات الاخيرة والحرب على سوريا وليبيا والعراق .. وسعي القوى الكبرى الى استعادة ما خسرته من مناطق نفوذ قديمة خاصة في سوريا ولبنان وليبيا ولعل هذا ما يؤكد طول امد الحرب وعملية الانهاك والاستنزاف للقوى الوطنية سواء في سوريا والعراق ولبنان والمواجهات بين القوى الكبرى امريكا وروسيا والاتحاد الاوروبي لا ننسى قوى الاحتلال الاخرى التى كشرت عن انيابها واستغلت الاوضاع الجارية خاصة العدو الاسرائيلي وواوهام الخلافة التركية واحلام اردوغان لاستعادتها باي ثمن.
يجب الا يغيب عن الاذهان ان اي ترتيبات في لبنان والمنطقة الهدف الاساسي وراءها هو خلق واقع سياسي وجغرافي جديد هدفه الرئيسي هوالتمكين لاسرائيل واتاحة الفرصة كاملة لها لان تلعب في المنطقة كما تريد بعد اتمام عملية التفريغ الاستراتيجي للمنطقة من اي عوامل التنغيص على اسرائيل وان تكون لها اليد الطولى في المنطقة ..ولا يخفى ان عملية التفريغ الاستراتيجي وتنظيف المجال الحيوي حول اسرائيل بدأ منذ عقود بكل الطرق الممكنة والادوات الاستعمارية المختلفة من حرب على العراق وحرب على سوريا ولبنان حتى لم تعد هناك قوة تستطيع مواجهة القوة الاسرائيلية في المحيط الشرقي والشمالي. وايضا بما قامت به اسرائيل من تدمير للمشروعات النووية في العراق وسوريا وتصفية واغتيالات للعلماء في هذا المجال.. دون ردع او حساب محلي او دولي..
الملاحظة الجديرة بالانتباه والتسجيل هنا عودة مصطلح المحتل وقوى الاحتلال وتسمية الاشياء بمسمياتها وهي مهمة لتصحيح الوعي ومعرفة حقيقة ما يجري وما يراد للمنطقة وللعرب وللمسلمين الذين لم تفلح معهم اي نكبة او هزيمة في ان يفيقوا ويعودوا الى رشدهم المفقود وينتبهوا ان هذا اوان وحدتهم واستعادة قوتهم امام اعدائهم وانهم لن يفلحوا في الداخل او الخارج الا بان يكونوا قوة يحسب حسابها بدلا من عملية السقوط والاسقاط الافتراس لدولهم دولة وراء الاخرى وهم غائبون مغيبون.
القوى الغربية لم تنس حلمها الاستعماري القديم ولم تهمل رؤيته الاستراتيجية القديمة في السيطرة على الشرق وما خطه الساسة الكبار قديما فطوروا في ادواتهم واليات الهيمنة والاختراق والسيطرة..ولا تزال تعشش في العقلية الغربية ما خطه تشرشل ونابليون. هل يمكن ان ينسوا ماقاله رئيس الوزراء ونستون تشرشل في منتصف القرن التاسع عشر «ان جبل لبنان يشكل قلعة طبيعية كبيرة قائمة بين العالمين الشرقي والغربي وأن على بريطانيا أن تحتل سوريا ومصر إذا رغبت الحفاظ على سيطرتها في الشرق، واستمرار نفوذها وسيطرتها على الهند وأن نابليون لم يكن مخطئاً حين أملت عليه عبقريته العسكرية والاستراتيجية أن يحتل مصر وسوريا والشرق الأدنى بشكل عام ليجعل منها مرتكزاً ومنطلقاً لأعماله الحربية ضد الأمبراطورية البريطانية ومستعمراتها عبر البحار وخاصة الهند».
الباحث الألماني ارنست جاخ كتب عام 1916:«إن الحرب تأتي من الشرق وتندلع بسبب الشرق وتحسم في الشرق».
فهل ينجح العرب في استعادة رشدهم ووعيهم ومواجهة الحالمين بالاحتلال على انقاض مرفأ بيروت؟
لعل وعسى ..والله المستعان ..