رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

إلى الأمام

والسؤال ماذا يحدث اذن .. لو بطلنا نفتي؟!

الجواب ببساطة سوف تنصلح كثير من الامور ويستقيم المعوج ويتعدل الحال المايل..والحقيقة ان الساحة اصبحت مليئة بالفتاوى والمفتين والامر لم يعد قاصرا على مجال الدين ومعرفة الحلال والحرام.. كل يفتى فيما يعنيه وما لا يعنيه وتحول الملايين الى مشايخ وخبراء استراتيجيين وفي علوم السياسة والري والفيضان والجيولوجيا والعلاقات الدولية والاسلحة النووية والانشطارية..

وقد زادت وسائل التواصل الاجتماعي الامر سوء اوالطين بلة حتى اصبحنا نعيش حالة من الفوضى الثقافية مع ان كثير من القضايا يعلم الجميع انها حساسة وتحتاج الى دقة وتركيز والكلمة بل الحرف مشكلة وليست كل الاراء صالحة للنشر او التداول في بعض المسائل الحيوية والتى لايجب ان يتعدى فيها الحديث الا لاصحاب الفهم الواعي والخبرة والاستنارة الحقيقة.

يبدو اننا لم نستوعب دروس فوضى الافتاء في المجال الديني حين تعددت المنابر وتزاحمت المذاهب وعلت اصوات الغوغاء وتوارى العلماء الثقات واصبح المعيار الليكات والمشاركون في السفسطة واثارة الجدل العقيم ولا يهم الفهم والوعي ونشر صحيح الدين.

لم يعد خافيا ان الجميع يدفع ثمنا باهظا من جراء فوضى الفتاوى وترك الساحة "سداح مداح" لكل من هب ودب..وبعد ان فشلنا فشلا ذريعا في كبح جماح اللعب بالفتاوى وبدلا من ان نحصر المجال في اطار العلماء الثقات فاذا بنا نواجه سيولا من مواقع الفتوى والمحطات التى تفتح المجال للفتوى ليل نهار ولا تجد حرجا في المتاجرة بشيئين عظيمين:الدين اولا ثم حاجة الناس الى معرفة امور دينهم ودنياهم ويتكسبون ويتربحون من اتصالات الجمهور. ولا تعجب اذا عرفت ان هذا بند مهم في موارد المحطة!

وهذه واحدة من الجنايات التى يرتكبها الاعلام ووسائله الحديثة على الافتاء.

لا نريد ان نعمم ان كل المفتين لا يصلحون ولكن المؤكد ان الكبار منهم يقعون في اخطاء فادحة على الهواء مباشرة وهذا يخلق المزيد والمزيد من البلبلة.

لن نتحدث عن الافتاء الموجه والافتاء المذهبي المتحجر الذي يرفض الانفتاح على كثير من الاضاءات في المذاهب الاخرى وخاصة في القضايا المعاصرة الشائكة التى لم تصادف اساطين وكبار المذهب قديما فهذا موضوع اخر له اهميته.

الخطورة ان السماوات المفتوحة سمحت بمشاهدة قنوات عديدة ذات توجهات مذهبية معروفة ومرفوضة في الكثير من الاحيان. وقد ذاعت وانتشرت فيديوهات ومقاطع من تلك البرامج وتم تداولها على النت بصورة كبيرة بعضها من باب الفكاهة والضحك وبعضها من باب المكايدات المذهبية والحرب بين المتعصبين والمتشددين على الطرفين وهوما خلق حالة من التشويش والاساءة في كثير من الاحيان للفكر الاسلامي بدون وعي ومثل هذه الامور يتم توظيفها من قبل اعداء الامة في الهجوم على الاسلام والمسلمين وهي مادة ثرية في الحرب لمواجهة الزحف الاسلامي في كل مكان والتى فشلت الكثير من المحاولات في وقفه اوالتاثير عليه لفرملة التوجه نحو الاسلام.الذي يكتسب قوة ومناعة مع تزايد حملات الهجوم عليه ومحاولات النيل منه.

محاولات ترشيد الفتوى ليست مستحيلة وان كانت صعبة.. العمل وفقا للقانون والتشريعات الحاسمة والرادعة كفيل بالمساهمة في عملية الضبط وان تقوم المؤسسة بدورها كاملا غير منقوص ولا يكون اللجوء اليها عملية اختيارية سواء من قبل الافراد اوغيرهم ..لان اعلاء شأنها هو الضمان لان تقول كلمتها الصادقة لاعلاء شرع الله ولتكون كلمة الله هي العليا.ايضا ان توفر لها الحماية ولا اقول الحصانة ممن يرجمونها ليل نهار بالحق والباطل وفي معظم الاحوال سفها وبغير علم حقدا وحسدا من عند انفسهم.

هذا الى جانب ان يتعلم الناس والمفتون قبلهم ادب الفتوى وادب المفتى والمستفتي وهذا ليس عيبا فهو من اصول العملية الافتائية. عندها وبعدها لن نجد اي من حالات الجرأة والتجرؤ على الفتيا او التجرؤ على المفتي الذي يخشى الله ورسوله.

سؤال الا يعد كثرة طلب الفتوى امرا جيدا ودليل صحة على ان الناس تحتاج ضبط امرهم الحياتية والروحية وفقا لميزان الشرع.؟

الجواب في المطلق نعم لان حاجة الناس لمعرفة احكام الدين متجددة بتجدد الزمان والمكان.. وما كان العلماء واهل الذكر الا ليسألوا وليبينوا الاحكام للناس وعلى قدر الافهام.

الخلل يحدث مع الخروج على القواعد والاصول على مقتضيات الحاجة للمعرفة الصحيحة..عندما تعلو اصوات التكشكيك واثارة البلبلة والمخاوف واللعب بالعواطف الدينية واثارتها وتثويرها .. وقبل ذلك غياب الاهتمام بالثقافة الاسلامية وخلق اجيال واعية ومحصنة عقديا بطريقة صحيحة وهو ما نجح فيه اصحاب العقائد والمذاهب المادية والنظريات اياها وكلنا يعرف ما فعلت الشيوعية واصحاب المذاهب الاخرى..انفقوا وانفقوا ببذخ من اجل تعليم ونشر ثقافتهم ونظرياتهم وكرسوا لها خبراء وجهابزة في الامر.

في البلاد الاسلامية حدث العكس تماما اهمال فظيع للثقافة واخشى القول للدين ايضا بل وتم السماح للغزاة بكل قوتهم ان يتلاعبوا بالعقول وياخذوها بعيدا بعيدا. صنعنا اجيالا شديدة الرخاوة والميوعة لم يستطيعوا الصمود امام محاولات الاختراق من الشرق والغرب وضاعت الكثير من المعالم الحضارية والانسانية في خضم معارك خاوية لا تسمن ولا تغنى من جوع.كثيرون شعروا بالاحباط واخذهم الياس وتمكن منهم الغزاة ثقافيا ومعرفيا.بل وجندوهم ضد دينهم ووطنهم..وكانت الطامة الكبرى فيما رايناه مؤخرا من نجاح داعش واخواتها وما يحدث الان من قبل الخونة والماجورين والذين لا يعنيهم الوطن والدين في شيء..

الان نحن نعيش فترة الحصاد المر بل شديد المرارة..وللاسف تتسرب هذه المرارات وتتسرب لولا بقية من ايمان ووطنية خالصة.

تمر بمخيلتى دائما نصيحة الخليفة العادل الفاروق عمر بن الخطاب لعبد الله ابن مسعود لما سلمه ولاية احد الامصار قال له : يا ابن مسعود اجلس الى الناس طرفي النهار واقرا القران وحدث عن السنة وصالح ما سمعت عن نبيك صلى الله عليه وسلم واياك والقصص وصلة الحديث ..فاذا انقطعت بك الامور فاقطعها ولا تستنكف اذا سئلت عما لا تعلم ان تقول لا اعلم وقل اذا علمت واصمت اذا جهلت واقلل الفتيا فانك لم تحط بالامور علما واجب الدعوة ولا تقبل الهدية وليست بحرام ولكنى اخاف عليك من القالة .. والسلام "

كان الفاروق عمر يعلم بقوة البصيرة خطورة الفتوى فنصح واليه بان يقلل منها ضمن روشتة واضحة لضبط الامور في التعامل مع الجماهير.

لو بطلنا نفتى تحتاج شعوبا واعية ومثقفة ومدركة للاهداف والمقاصد الشرعية والوطنية.وهذا لن يكون الا بادوات معرفية وثقافية ورجال تدرك وتعي ولها قبول ومصداقية مرحب بها دائما وبالتالي فان شذاذ الافاق ومن على شاكلتهم مستبعدون مستبعدون ولا مكان لهم في المعركة الوطنية..لو بطلنا نفتى تحتاج ايضا عزيمة وارادة تمكن الناس من استبصار واستشعار مكامن الخطر فيعتزلوها ولا يقربوها بل سيكونوا هم اول من يحذر منها.

والله المستعان..

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة