رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

إلى الأمام


ليلتان محفورتان في الوجدان المصري على مر التاريخ والايام.. وهما مرتبطتان بالفرح وقدوم الخير والسعي نحوهما.. ليلة النقطة وليلة النقوط.والليلتان يعرفهما عموم الشعب ويتم الاحتفاء بهما على درجات.

ليلة النقوط وكلنا يعرفها وهي مرتبطة بليلة الحنة الليلة السابقة على دخول العريس على عروسه وهي من الطقوس الاجتماعية الفريدة والتى كانت تمثل عنوانا اصيلا على المشاركة والتعاون وروح الاسرة الواحدة حيث يشارك الجميع بالنقوط للعريس فيجمع مبلغا من المال لاباس به يسدد به ديونه والتزاماته تجاه تجهيزات العرس ويدفع منها تكاليف العفش واي شيء اخر وحتى عهد قريب كان الدائنون ياخذون موعدا للسداد بليلة النقوط او الحنة.

اما ليلة النقطة فيعرفها الفلاح المصري الاصيل لانها مرتبطة بنزول النعمة من السماء او بالاحرى من الخالق في النباتات والمحاصيل او بداية قدوم الخير واول درجة في سلم الحصاد.

والحقيقة يعود جذورها الى طقس فرعوني قديم مرتبط بمياه النيل والفيضان اذ كانوا يعتقدون ان دمعة المعبود ايزيس تنزل في النيل فتسبب فيضانه.

والنيل كان له قداسة ويعدونه من المعبودات ولذلك كانوا يرسمونه في المعابد دائما في الجزء الاسفل ويصورونه كخادم يهيئ جميع الاشياء الجيدة والقرابين التى يقدمها للارض ومن عليها.

وليلة النقطة مرت ذكراها منذ ايام وتاتي كل عام في11 بؤونة في الشهور القبطية المعروفة والفلاحون في بلدنا يعتمدون عليها في مواعيد الزراعة والحصاد وادبيات الامثال الشعبية ذاخرة بالحكم والامثال والتواريخ والنصائح الزراعية الثمينة التى لا تزال معتمدة في عرف كل الفلاحين حتى يومنا هذا.. ويوافق 17 يونيو أحياناً

و18 أحياناً أخرى وقديما كان يقام حفل شعبي يسمى (ليلة النقطة). وتميل مياه النيل إلى الخُضرة في هذا الوقت فيكون بشيراً ببدء الفيضان الذي يكتمل في شهر أغسطس فيُقام له عيد آخر عندما تفتح السدود والقنوات ويغمر الفيضان الأراضي فيتراءى كأن المياه تحتضن الأرض أو كأن النيل يتزوج مصر تلك العروس الجميلة التي تقدم نفسها ليغمرها هذا الرجل المخصب بفيضانه.

وكان المصريون القدماء يعتقدون أنه إذا لم تَقُم الحفلات الرائعة بوفاء النيل في حينها فإن النيل يمتنع عن الزيادة ولا يغمر الماء الأراضي.وكانت هذه العقيدة متأصلة كما تحكى كتب التاريخ القديم تحملهم على إقامة الحفلات في كل عام.وقد اعتاد كهان جبل السلسلة (قرب كوم أمبو) الاحتفال بعيد حابي (اشارالمصريون القدامى للنيل باله سموه الاله حابى تخيلوه على هيئة رجل جسمه قوى و له صدر بارز وبطن ضخمه كرمز لاخصابه) في حفل باهر فيلقون في الماء قرطاساً مختوماً من البردي ينص فيه على إطلاق الحرية لزيادة الماء.

وكان الفرعون أو نائبه يحضر هذا الحفلوقد وجد على صخور الجبل نص بمثابة تذكار باشتراك الفرعون بعيد هذا الإله يصحبه رجال الدين والعظماء وغيرهم من جموع الشعب الذين يُقبلون من كل حدب وصوب مستبشرين. وكان الكهان يحملون تمثالاً من الخشب لإله النيل يزفونه على الشاطئ فإذا رأت الجموع الحاشدة هذا التمثال انحنوا في خشوع وارتفعت أصواتهم بالدعاء التماساً لبركته ويقوم الكهان بعد ذلك بتلاوة الطقوس الدينية وإطلاق البخور بينما القوم يرقصون وينشدون الأناشيد الدينية على أنغام الموسيقى.

والاعتقاد السائد ان ليلة النقطة السماوية التى تاتي قبل الانقلاب الشمسي باربعة ايام تطهر الهواء وترفع الطاعون عن الارض.

وعندما جاءت النصرانية الى مصر حافظوا على هذا التقليد وجعلوا منه عيدا ويقول البعض ان جبرائيل رئيس الملائكة يصلي قبل ليلة النقطة بثلاثة ايام ويدعو حتى تفيض مياة النيل فيسجد ويتوسل لربه بان يستمر فيضان النيل وينزل الى الارض المطر والندى ويحمل في يده سيفا لطرد الشيطان واليه يرجع الفضل في نزول النقطة الالهية ..يروى البعض ان قصة قتال جبرائيل رئيس الملائكة للشيطان تشبه كثيرا قصة حورس المنتقم لابيه من ست وابوه ازوريس هو رمز الارض السوداء المخصبة وست رمز الارض الصحراء المجدبة.

والاقباط اتبعوا عادة اخرى في الاحتفال بعيد الشهداء في بشنس

اذ كانوا يلقون في النيل اصبع احد اجدادهم يضعونه في علبة والقصة رواها المقريزي وقد ابطل السلطان قلاوون هذه العادة.

ومن الاحتفالات الاخرى المشهورة عيد زواج النيل حيث كانوا يلقون في النيل عروسا جميلا حتى يستمر في الفيضان.وتم ابطال هذه العادة واستبدلوها بعروس خشبية ويلقونها في النيل وقت قطع الخليج وفتحه للمياة.

في الفتح الاسلامي العظيم لمصر كانت للنيل وفيضانه قصة لا تقل اثارة القصة رواها الكثير من المؤرخين خلاصتها انه لما افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص مع بؤونة فقالوا :أيها الأمير لنيلنا سنة لا يجري إلا بها.قال: وما ذاك؟ قالوا:إذا كانت اثنتي عشرة ليلة خلت من بؤونة عمدنا إلى جارية بكر فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في النيل .

فقال لهم عمرو:إن هذا مما لا يكون في الإسلام إن الإسلام يجب ما قبله .

قال: فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى والنيل لا يجري قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب إليه: إنك قد أصبت بالذي فعلت وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي فألقها في النيل.

فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها " من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر: أما بعد فإن كنت إنما تجري من قبلك ومن أمرك فلا تجر فلا حاجة لنا فيك وإن كنت إنما تجري بأمر الله الواحد القهار وهو الذي يجريك فنسأل الله تعالى أن يجريك "

قال:فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة وقطع الله تلك العادة عن أهل مصر إلى اليوم.

لابد من ملاحظة الدقة في ارتفاع المنسوب 16 ذراعا في ليلة واحدة وهذا يؤكد عظمة وعبقرية المصري القديم حيث أوجد الفراعنة مقاييس نظامية للنيل ومنسوبه في كثير من المناطق للرجوع إليها في موازنة المياه وتوزيعها بين الأقاليم توزيعًا ثابتًا يفي بحالتها الطبيعية وبنوا هذه المقاييس على نسبة اختبارية في فصول السنة كلها لتكون هذه المقاييس ميزانًا صحيحًا حتى إذا طرأت بعض العوارض في منطقة أمكنهم حصر ميزانيات الماء فيها فلا يحدث من انحدارها القهري إخلال بالنظام يُؤذي المناطق المجاورة وهذه الاختبارات تدلُّ على حذق وفطنة. وكانوا ايضا يستخدمونها معيارا لتقدير الضرائب على الفلاحين.

لم يقبل المصري على مر التاريخ ان يتعامل مع النيل الا في درجة عالية من القداسة وظل ارتباطه الروحي والوجداني بالنيل علامة فارقة في مسيرة الحياة داخل المعابد وخارجها.

انها رسائل قدرية على مر التاريخ لنعلم ونعلي قدسية النقطة لنحافظ عليها ونحميها بالغالي والنفيس ونستثمر في الوقت نفسه النقوط..

والله المستعان..

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة