رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب



فرضت جائحة كورونا واقعا مؤلما على كل شعوب العالم، ولم يستطع كثير من الناس الوفاء بما عليهم من التزمات مادية حتى فى أمريكا ودول أوروبا التى تعالت علينا كثيرا بما لديها من أنظمة حماية اجتماعية.. فالشراء بالتقسيط تعامل منتشر فى معظم دول العالم، وأمام عجز الكثيرين عن السداد ظهرت مبادرات لأهل الخير والعطاء وتكفل هؤلاء بالوفاء بديون الفقراء ومن توقفت أعمالهم وتعطلت مصالحهم، حتى تعود عجلة العمل من جديد ويستطيع هؤلاء السداد من حصيلة عملهم وجهدهم.

وفى مصر يوجد مئات الآلاف من الفقراء ومحدودى الدخل وعمال اليومية الذين اشتروا سلعا وأجهزة كهربائية ومعدات بالتقسيط وأصبحوا أمام مشكلة كبرى بعد أن عجزوا عن الوفاء بالتزاماتهم بسبب توقف أعمالهم وانخفاض دخول من يعمل منهم وهو الأمر الذى يفرض على أثرياء مصر والقادرين ماديا فيها التسابق فى هذا الميدان من ميادين العطاء الإنسانى والخيرى.
روى لى أحد هؤلاء الغارمين قصصا مؤلمة لحالته وحالات بعض أقاربه وجيرانه الذين اضطروا لتجهيز بناتهم للزواج بالتقسيط من تجار يهددونهم الآن بحبسهم بسبب عدم السداد حتى اضطر بعضهم الى الهروب من مقر اقامته والسفر لمحافظات أخرى بحثا عن عمل حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا.

**
جائحة كورونا وما ترتب عليها من توقف أعمال كثير من عمال اليومية وبعض أصحاب الأعمال المرتبطة بالنشاط السياحى والترفيهى واغلاق مئات الالاف من المطاعم والمقاهى والكافيهات المنتشرة فى محافظات مصر ستسفر حتما عن أزمة كبرى لهؤلاء الذين اضطروا للشراء بالتقسيط وتوقفوا عن السداد ولا يدرون الآن متى يعودون للعمل؟ وهل سيفى العمل بعد كورونا بمطالب أسرهم واحتياجاتهم أم لا؟

لذلك علي القادرين فى هذا الوطن- وهم كثيرون والحمد لله- أن يتسابقوا فى سداد ديون هؤلاء حتى لا يكون مصيرهم خلف القضبان وتتأزم أحوالهم وأحوال أسرهم أكثر وأكثر.. وعلى القادرين ماديا أن يدركوا أن إغاثة الغارمين من أفضل وجوه الخير، وهى مصرف من مصارف الزكاة، أى يجوز توجيه زكاة المال لإنقاذ غارم، كما ينبغى أن يوجه أهل الخير والعطاء صدقاتهم التطوعية الى هذا الميدان.

يجب أن ندرك أن كثيرا من العمال البسطاء يعيشون ظروفا صعبة للغاية، وكل الشعوب تتكافل فيما بينها، والأثرياء فيها يضاعفون من عطائهم الخيرى، ونحن أتباع دين يجعل التكافل الإنسانى والاجتماعي من الواجبات الدينية، وقد شرع الإسلام لذلك أدوات عديدة للتكافل أبرزها الزكاة، والصدقات التطوعية، والوقف الخيرى، وغير ذلك من صور العطاء التكافلى التى أبدع فيها المسلمون فى مختلف العصور.

جميع القادرين فى مصر- على اختلاف أحوالهم المادية والمعيشية- يجب أن يتسابقوا فى العطاء الخيرى لمساعدة عمال اليومية على الوفاء بالتزاماتهم، والعطاء الخيرى يجزل الله عليه الأجر والثواب فى أوقات الشدة والحاجة إليه أكثر من أى وقت آخر، وعلى الميسورين ماديا أن يتعلموا من جائحة كورونا أن العطاء الخيرى والإنسانى هو الباقى لهم وأنه لا قيمة لمال ولا ممتلكات ولا منصب أمام مرض لا يفرق بين غنى وفقير وحصد أرواح كثير من الميسورين ماديا فى مصر وخارج مصر ولم تنفعهم أموالهم ولم توفر لهم حماية.

الدولة لديها ما يكفيها من تداعيات كورونا، وليست مسئولة عن إغاثة الغارمين، وإن كان صندوق"تحيا مصر" قد تكفل بفك كرب العديد من الغارمين وإخراجهم من السجون خلال الشهور الماضية فأمامه الآن أعباء كثيرة، والدور الآن على الأثرياء ورجال الأعمال والميسورين ماديا فى رفع المعاناة عن الفقراء والمحتاجين الذين تطاردهم ديونهم ويهددهم الدائنون ليل نهار.
لذلك ننتظر سباقا خيريا جديدا فى مصر يرفع شعار " إنقذ غارما أعجزته كورونا عن السداد" وهو سباق واجب الآن أكثر من أى وقت مضى لإنقاذ الغارمين وحمايتهم من السجون بسداد ما عليهم من ديون أو على الأقل الأقساط التى عجزوا عن الوفاء بها.

**
الغارمون موجودون فى كل المجتمعات.. وهؤلاء الذين اضطرتهم الحاجة الى الاستدانة المالية أو شراء احتياجاتهم بالأجل وعجزوا عن السداد شملهم الخالق سبحانه بعدله وإنصافة فقرر لهم نصيبا فى الزكاة فقال سبحانه:" إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم".

هؤلاء الذين تورطوا فى ديون واجبة السداد لا ينبغى أن يغفل عن حقوقهم الشرعية القادرون وعلينا أن نتذكر أن ساحات المحاكم قبل جائحة كورونا كانت تزدحم بقضاياهم.. فكيف سيكون الحال فى ظل انتشار هذا الوباء وما خلفه من كارثة اقتصادية على الجميع وخاصة الفقراء ومحدودى الدخل؟

على كل قادر أن يعلم أن سداد ديون الغارمين الى جانب أنه مطلب قرآنى وفريضة من الخالق سبحانه على القادرين ماديا هو عمل إنسانى وسلوك أخلاقى، يؤكد سمو نفس صاحبه، ورغبته فى عمل الخير، عن طريق كفالة هؤلاء الذين اضطرتهم ظروف معيشية صعبة الى الاستدانة، وهذا حق شرعى لا ينبغى أن يغفل عنه هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالخير الوفير، وما أجمل أن يسهم الانسان فى فك كرب أخ له، فيسدد عنه ديونه، وينقذه من غياهب السجون.

أيضا.. ينبغى أن تضع مؤسسات الزكاة وهى كثيرة ومنتشرة فى كل محافظات مصر هؤلاء الغارمين على خريطة عطائها ولا ينبغى أن نترك العامل البسيط حتى يدخل السجن ثم نسعى لإغاثته.. بل ينبغى أن نوفر له الحماية حتى يظل يعمل أو يبحث عن عمل لتوفير متطلبات أسرته الضرورية.

**
ترك الغارمين يدخلون السجون فى مجتمع مزدحم بالأثرياء وأصحاب المليارات والملايين أمر يسىء لنا جميعا، ولذلك لا ينبغى أن يكف علماء ودعاة الإسلام عن تذكير الأثرياء ورجال الأعمال والميسورين ماديا عن هذا الواجب الدينى والإنسانى.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة