هذه الدنيا
فى مصر لدينا مثل شعبى شهير يقول:
"من كان بيته من زجاج لا يقذف الناس بالطوب" ..
لأن صاحب "البيت الزجاجى الهش" سيكون هو أول المتضررين حين يبادله الناس ردًا على ما يفعله ويردده وسيكون أكبر الخاسرين.
وهكذا هو حال "تاجر الشعارات" رجب طيب أردوغان .. حيث أصبح واضحًا ومؤكدًا أنه لم يعد يملك غير تلك النبرة "الشعبوية الديماجوجية" فى مخاطبة الرأى العام للتغطية على تاريخه الأسود، وعلاقاته المشبوهة مع الكيان الصهيونى، وخسائره السياسية المتوالية والتى ظهرت بشكل واضح فى الانتخابات البلدية الأخيرة التى جرت العام الماضى فى تركيا.
ببجاحة وتجروء يُحسد عليهما تطاول "السلطان الحائر.. أردوغان" على عدد من الدول العربية التى طالما قدمت الشهداء من أبنائها، ولم تبخل لحظة عن دعم القضية الفلسطينية..
"متى ستتكلم السعودية؟" بهذه العبارة علق "شحاذ التحالفات" على ما يسمى بـ "صفقة القرن".. ونسى أرودغان أن هناك فرقًا كبيرًا بين من استمرأ الكلام والوقوف أمام الفضائيات مدغدغاً مشاعر شعبه بلا وعى، وبين من يترك عمله يتحدث عنه دون صخب أو ضجيج. المسافة شاسعة بين من يعتمد "بيع الوهم" أساسًا لتجارته وسياسته، وبين من جعل تجارته مع الله أولاً وأخيرًا.. وهنا تتضح الحقيقة بالوقائع التاريخية الدامغة، بين من فرط وخان وباع، وبين من ضحى وقدم والتزم.
التزام السعودية بدعم ونصرة القضية الفلسطينية جزء أساسى من ثوابت الدولة السعودية الحديثة التى أرساها الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود..
إنها مساندة شملت تقديم العون على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية منذ مؤتمر "لندن" المعروف بمؤتمر المائدة المستديرة عام 1935 لمناقشة القضية الفلسطينية.
وفى حرب فلسطين عام 1948 كانت السعودية جنبً إلى جانب مصر فى طليعة الدول التى وقفت ضد العصابات الصهيونية بكل ما تملك، وقدمت الكثير من الشهداء والجرحى من أجل فلسطين.
وبحسب مركز المعلومات الفلسطينى "وفا" استشهد 155 شهيد سعودى فى حرب 1948، بينما لم يُستشهد أو يقتل إيرانى أو تركى واحد على مدى الـ72 عامًا الماضية دفاعًا عن قضية العرب والمسلمين الأولى.
وعندما تعرضت مصر للعدوان الثلاثى عام 1956 بمعرفة قوات إسرائيلية بريطانية فرنسية كانت المملكة وشعبها فى مقدمتهم الملك فهد والملك سلمان فى طليعة المتطوعين للدفاع عن مصر وشعبها.
المساهمة السعودية فى دعم ونصرة الشعب الفلسطينى اعتمدت على مبدأ العمل الفاعل والاشتباك الايجابى، وليس مجرد إطلاق قذائف الدخان الوهمية فى الهواء..
ظلت المملكة حاضرة .. بقوة وفعالية.. فى كل الاجتماعات الدولية والقمة العربية التى عُقدت من أجل فلسطين وطرحت حلولاً كثيرة لها ومن بينها "قمة الرباط" عام 1974 التى اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية لأول مرة ممثلاً شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطينى.. ونجحت جهود الملك فهد بن عبد العزيز فى دفع الرئيس الأمريكى جيمى كارتر على رفع إسم المنظمة من قوائم الإرهاب الأمريكية.
وفى عام 1982 أعلن الملك فهد بن عبد العزيز عن المشروع العربى للسلام.. والذى عُرف وقتها بـ"مشروع الملك فهد للسلام" خلال القمة العربية التى عقدت فى مدينة فاس المغربية 1982. وحظى المشروع بموافقة الدول العربية ليصبح أساسًا للمشروع العربى للسلام، قبل أن تصبح المبادرة أساسًا لمؤتمر السلام بمدريد 1991.
وتضمن المشروع عددا من البنود، أهمها انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967 بما فيها القدس، وإزالة المستعمرات الإسرائيلية في الأراضي العربية بعد العام المذكور، إضافة لتأكيد حق الفلسطينيين في العودة وتعويض من لا يرغب في العودة.
لم تغب السعودية عن المؤتمرات والاجتماعات الخاصة بحل القضية الفلسطينية، بدءا من مؤتمر العاصمة الإسبانية مدريد، وصولا إلى خريطة الطريق ومبادرة السلام العربية التى طرحها ولى العهد السعودي آنذاك، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، وتبنتها الدول العربية مشروعًا عربيًا موحدًا في قمة بيروت المنعقدة في مارس 2002.
مبادرة السلام العربية التى أطلقها الملك عبد الله استمدت قوتها من وضوحها في مطالبها بأن تنسحب إسرائيل إلى حدود 1967، مقابل السلام مع كل الدول العربية، وهذا السلام مبني على قرارات الشرعية الدولية المتمثلة في قراري مجلس الأمن رقمى 242 و338، كما يستند إلى مرجعية مدريد التي تقر مبدأ الأرض مقابل السلام.
وشهد عام 2007 حدثًا تاريخيًا بالنسبة للقضية الفلسطينية.. حيث تم توقيع "إتفاق مكة المكرمة" بين حركتى فتح وحماس من أجل لم شمل الفلسطينيين وتوحيد كلمتهم.
وفى عام 2018 استضافت السعودية قمة أطلق عليها الملك سلمان "قمة القدس" ردًا على اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة للاحتلال، وأعلنت القمة برئاسة السعودية بطلان وعدم شرعية الاعتراف الأمريكى، وطالبت دول العالم بعدم نقل سفاراتها إلى القدس أو الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل.
هذا مجرد جزء بسيط جدًا من المواقف السياسية التاريخية للسعودية.. فإذا تطرقنا للدعم المادى نكتشف ببساطة ووضوح أن السعودية كانت أكثر من قدم الدعم للقضية الفلسطينية ماديًا عبر التاريخ.. وهو دعم تقدمه السعودية للشعب الفلسطينى وقضيته العادلة، وليس دعمًا لتمويل فصائل متناحرة متنافرة كما يفعل البعض.
ورغم صعوبة حصر جميع ما قدمته المملكة لدعم القضية، إلا أنه يمكن الإشارة إلى أنها كانت صاحبة المبادرة خلال مؤتمر القمة العربى الذى عُقد بالقاهرة عام 2000، باقتراح إنشاء صندوقين باسم "الأقصى" و"انتفاضة القدس"، وتبرعت له بمبلـغ 200 مليون دولار.
واهتمت السعودية بملف اللاجئين الفلسطينيين، وقدمت لهم المساعدات الإنسانية بشكل مباشر أو عن طريق الوكالات والمنظمات الدولية المعنية بشئون اللاجئين، مثل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو»، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي والبنك الدولي، والبنك الإسلامي.
وبالعودة إلى المسار السياسى .. فعندما أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب خطته للسلام التى أسماها بـ صفقة القرن".. كان الموقف السعودى واضحًا منذ اللحظات الأولى، وأعلنت السعودية بعبارات لا تحتمل اللبس: أنها مع فلسطين والفلسطينيين فيما يرونه بلا مزايدات ووهم وشعارات..
هذه هى ثوابت السياسة السعودية.. إنها ثوابت راسخة وتمثل جزءًا أساسيًا من العقيدة السياسية للمملكة، وركن أصيل من أركان أمنها القومى.. مواقف ثابتة واضحة تدل على صدق القول والفعل..
ثوابت تؤكد أننا نتحدث عن دولة تتعامل مع هذا الملف بشرف القول والفعل على أرض الواقع.. دولة تضع القضية فى قلب اهتماماتها بعيداً عن حسابات المكسب والخسارة التى حولت القضية لدى عديد من البلدان إلى ملف مساومة أو مزايدة.
ثوابت تجاهلها "شحاذ التحالفات" الذى يتقلد أوسمة يهودية، ويفتح برلمان بلاده كمنصة يتحدث على منبرها زعماء إسرائيل، ويشارك الاحتلال سياسيًا بسفارات وقنصليات، وتجارياً بغاز وشركات.. ليزايد مزايدات رخيصة فى موقف لا يختلف فيه عن "العاهرة حين تتحدث عن الشرف".
العالم ليس مغفلاً.. وذاكرة الشعوب قوية يا مستر "أردوغان".