رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

إلى الأمام

يوما بعد يوم وعاما بعد عام تحول اليوم العالمي للغة العربية واحتفال الامم المتحدة ونحن معها به الى يوم للتباكي على لغتنا الجميلة وحالها واقتصر الامر على مجرد لقاءات احتفالية شكلية بعضها يتغنى واكثرها يبكي على اللبن المراق..

الامر يطرح بجدية العديد من التساؤلات في مقدمتها هل العرب جادون في خدمة لغتهم والدفاع عنها هل يعتبرون الامر قضية وطنية قومية على الاقل مثلما تفعل الامم والشعوب الاخرى من الاصدقاء والحلفاء وحتى الاعداء الحقيقيين مع لغاتهم هل تاخذنا الغيرة والحمية على جرائم استباحة اللغة العربية بكل الطرق واهانتها صباح مساء وعلى كافة المستويات؟ هل ستجد العربية من ابنائها من يحنو عليها وينقذها ام ستنتظر الفرج من خارج حدود العرب ومن غير الناطقين بها؟

كان من المفترض او من الحتمي ان يكون هناك شأن اخر للعربية ومكانة اكبر بعد التطورات التى تشهدها المنطقة والاهتمام الكبير بالدرسات الخاصة بالاسلام كدين والعرب كاحد ابرز الاتباع مع الاقبال الشديد على الاسلام وسرعة انتشاره في الغرب رغم حملات التشوية والحرب المستعرة عليه والمسلمين ليل نهار.

على ما يبدو فان هناك اشياء كثيرة خطأ فيما يتعلق باللغة العربية ..حالة من الفتور تقترب من البلادة في التحرك نحو الخروج من النفق المظلم..لا ينقصنا ادراك المشكلة ولا الاحساس بخطورتها ولا الرغبة في فعل شيئ فكل ذلك موجود ولكن التحرك ضعيف بطئ ممل قاتل في الوقت نفسه نشاهد خطوات الهدم اقوى واسرع ومعارك الاستباحة والاستهانة تتسع وتتمدد بلا حسيب او رقيب الامر الذي يخشى معه ان يتسع الخرق على الراقع او الراتع.

السؤال الذي يطرح نفسه وما العمل اذن والحالة كما نرى؟

الجواب ببساطة شديدة نحن لا ينقصنا هيئات ولامؤسسات عامة او خاصة مهمتها وهمها الاكبر ان لم يكن الاول والاخير اللغة العربية ولدينا ما يكفي من قوانين وتشريعات وجمعيات ترفع شعار حماية اللغة ومحبي اللغة..كما ان الجماعات المتنطعةوالتى تجاهلا بعدائها للغة واضحة وتعمل بكل حرية بلا خجل..ولكن المعنيين على ما يبدو في حالة بيات شتوى عميق وطويل اشبه بالغيبوبة لا تكاد تفيق حتى تعود تغط في سبات عميق.

لدينا عشرات من كليات اللغة العربية في كل الجامعات ولا تكاد جامعة واحدة تخلو من كلية متخصصة في اللغة العربية وادابها واقسام خاصة بالدراسات العربية والاسلامية في الداخل والخارج وكليات الاعلام ومراكز لتعليم العربية لغير الناطقين بها وهناك المؤسسات الدينية بعلمائها وخطابها ووعاظها والمجامع اللغوية في مصر والدول العربية.

ولدينا مئات بل الاف المحطات والقنوات التلفزيونية الناطقة بالعربية وعشرات المحطات الاذاعية الخاصة بالقران الكريم.كل هذه القواعد تحتاج الى تفعيل واستعادة الوعي بالدور والهدف. نحتاج العمل بجدية اكثر وتطويره والارتقاء به ليقدم خدمة حقيقية تسهل مهمة اللسان العربي لا ان يتم تعقيده وتشويهه لصالح لغات اخرى بحجج ودعاوى باطلة.

لو استطعنا خلق تحالف من تلك المؤسسات المهمومة بالعربية او من خريجي اللغة العربية وما اكثرهم او من محبي اللغة وما اكثرهم ايضا.لو استطعنا تطوير برامج تعليم العربية للناطقين بها ولغير الناطقين بها لو نجحنا في ان نعمل كما يفعل اصحاب اللغات الاخرى في الحفاظ على لغتهم وطرق تعليمها بشتى السبل.لو نجحنا في استغلال الانترنت والسوشيال ميديا في تعليم العربية مثلما هو الحال مع الانجليزية والفرنسية واللغات الاخرى لكان الحال غير الحال ولكانت العربية في المكانة اللائقة بهاوبلا منازع.

يؤسفنى القول ان المرء يستطيع تعلم اللغات الاجنبية بسهولة على النت وبكل المستويات وباكثر من طريقة وعلى عشرات وبل ومئات المواقع وبالكثير من الاغراءات ومواد الجذب والتشويق وبطرق تفاعلية مباشرة وغير مباشرة وطرق اختبار ذاتية لقياس التعلم وغير ذلك وهو ما نفتقده في برامج تعليم اللغة العربية ولا ابالغ ان بعضها محبط وغير جاذب ولا يساعد على الاستمرار والارتباط.

الجانب الاكثر خطورة من التعليم وتجاربه الناجحة او حتى الفاشلة ..عمليات الاستباحة المستمرة والممنهجة والاعتداءات السافرة على اللغة العربية وانتهاك حرماتها وخصوصياتها بايدى ابنائها حتى اصبحت اللغة العربية غريبة بين العرب والناطقين بها انفسهم فلا احد يهتم اذا ما تم الاعتداء على اللغة او اهانتها على الملأ او في المحافل الدولية..

وسائل الاعلام المسموعة والمرئية والمقروءة ايضا تمارس الانتهاك الممنهج للعربية صباح مساء..الاعلانات ليس لها من هدف الا تشويه العربية ليس فقط باستخدام العامية ولكنها تتفنن في ابتكار تعبيرات تهزا بالعربية وتجعلها اضحوكة ومسخرة على لسان الشباب والاطفال كثير من الجهات الرسمية والمسئولين لا يهتمون بسلامة اللغة والحفاظ عليها وتراجعت تماما مهمة التصحيح والمراجعة والضبط اللغوي وربما طال الامر بعض القوانين وصياغاتها وكثير من الاعلانات الحكومية.

ناهيك عما يحدث في المحليات والشارع التجاري العام والخاص وما به من فوضى بلغت حدا لا يطاق بدءا من اسماء الشوارع والميادين واسماء المحلات التجارية والشركات وغير ذلك فالاسم الاجنبي والحرف الاجنبي مقدم وهو الابرز اذا اجتمع مع العربي بصورة فجة.

الغريب ان يحدث ذلك مع ان القوانين لا تسمح به بل وتمنع الكتابة بحروف اجنبية الا في مواقع معينة ولاغراض خاصة بالاجانب والسفارات والمباني القنصلية..لكن يبدو ان القوانين في اجازة او ان المحليات لا يعنيها الامر مسجلة ومعها الاجهزة التنفيذية اقصى درجات الاستهانة والهوان.

في المنطقة العربية عموما- لأن الازمة ليست مصرية بل عربية بامتياز– لم نتعلم لا من اصدقائنا وحلفائنا ولا من اعدائنا الحقيقين على هذا الصعيد على سبيل المثال لم نتعلم من اصدقائنا الكوريين فيما فعلوه مع لغتهم رغم صعوبتها الشديدة وباعترافهم فقد نجحوا في فرضها واستعادة هيبتها وهويتها بعدما عانوا تحت الاحتلال الياباني الذي فرض لغته ومنع الكوريين من التعليم بلغتهم ولكنهم بعد التخلص من الاحتلال-بعد هزيمة اليابانيين في الحرب العالمية الثانية- اعتمدوا الكورية الفصيحة أساسًا للتنمية وجعلوها لغة التعليم في مختلف مراحله وتخصصاته وكتبوا جميع اللافتات وأسماء المحلات بها فقط وفي حال الاضطرار إلى كتابة أسماء أجنبية كما في لافتات السفارات والفنادق الكبرى جعلوها بالحروف الأجنبية الصغيرة تحت الحروف الكورية الكبيرة.

لم نتعلم من اصدقائنا الفرنسيين الذين يمنعون مسئوليهم من التحدث بغير لغتهم في فرنسا ولا تهاون في الامر فهم معروفون بحساسيتهم اللغوية امام اللغات الاخرى.

الاغرب ان العدو الاسرائيلي نجح في احياء العبرية من العدم بعدما اندثرت ولكنهم اصروا على ان يعيدوها للحياة وفرضوها لغة للحديث والكتابة والتعليم حتى انه لا توجد في” إسرائيل” مدرسة واحدة تدرس بغير اللغة العبرية لأن العبرية في حالتهم ليست مجرد تواصل بل أداة بناء للكيان الصهيوني.وفرضوا على المسئولين التحدث بها في كل المؤتمرات الصحفية واللقاءات رغم انها لغة محدودة ورغم انهم يجيدون الحديث بلغات اخرى!

ما يحدث عندنا العكس تماما فمعظم المسئولين يهربون من الحديث بالعربية ويتباهون بلسان اخر واذا حدث وتحدث بالعربية فالامر لايخلو من مأساة وفضيحة في كثير من الاحيان.

العربية لن تستعيدعرشها الخالد الا على ايدي ولسان شبابنا الواعي الذي يخوض معارك الوعي واستعادة الهوية بكل عزيمة واصرار واللغة لابد ان يكون لها القدح المعلى في هذه المعركة المصيرية.

والله المستعان ..

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة