رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

إلى الأمام

اول واهم درس وجهته للعالم الفنلندية سانا مارين اصغر رئيسة وزراء في العالم ابحثوا اولا عن كيفية اكتساب ثقة الشعوب.. رسالة قوية وعفوية جاءت ردا على محاولة الاهتمام بانها اصغر ئيسة وزراء في العالم.. اعجبنى ردها على اسئلة الصحفيين عقب اختيارها رئيسا للحكومة فقد حاولت سانا تجنب الإجابة على أسئلة الصحفيين بشأن عمرها وقالت: "لم أفكّر يوماً بعمري أو بكوني امرأة أفكّر بالأسباب التي دفعتني إلى السياسة وبالأشياء التي بفضلها اكتسبنا ثقة الناخبين".

للحقيقة فوز سانا مارين برئاسة الحكومة الفنلندية يلقي بكثير من الاحجار في مياه السياسة الاسنة او الراكدة في كثير من البلدان ويطرح العديد من الاسئلة المهمة خاصة فيما يتعلق بالمرأة ومشاركاتها السياسية وكيف تكون وايضا الدور المهم للاحزاب السياسية في المجتمع وقضايا التنمية بصفة خاصة.

وايضا اختيار رؤساء الحكومات في العالم..فمن المفارقات ان تمثل سانا مارين اصغر رئيس حكومة في العالم في بلد تقع اقصى الشمال مع القطب البارد في سقف العالم .. بينما يمثل مهاتير محمد ٩٤ سنة رئيس حكومة ماليزيا في اقصى جنوب شرق آسيا ذات المناخ الاستوائي الحار الرطب تصل الحرارة الى ٣٠ درجة مئوية. اي ان ادارات حكومات وشعوب العالم تتأرجح بين شباب في الثلاثينيات وكهول في التسعينيات من العمر..وهي مفارقة تستحق التأمل والدراسة بجدية وحيادية خاصة وان عددا لا بأس به من الشباب يجلس حاليا على مقاعد رؤساء الحكومات وفي الثلاثينيات من العمر فرئيسة وزراء نيوزيلندا جوسيندا آردرن (39 عاما) ورئيس وزراء أوكرانيا اوليكسي هونشاروك (35 عاماً) وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ اون (35 عاماً).

ايضا هل لذلك علاقة بحركة الوعي لدى الشعوب ام بتقدير الشخصيات التاريخية ام بالقدرة على العطاء والالتحام الجماهيري ام بشعبية الاحزاب وقدرتها على تطوير ادائها ام غير ذلك من اسباب ومسببات.

لابد من الاعتراف بان المراة في فنلندا لها وضع خاص ومتميز ونجحت في ان تكون عنصرا فاعلا ومتقدما في حركة المجتمع بصورة غير مسبوقة حتى في الدول الاوروبية فهي مقتحمة ومتصدرة ومحتلة المراكز المتقدمة في المجتمع ولها نصيب الاسد في المناصب والمواقع القيادية وغير القيادية.. فقد شغلت اعلى المناصب ابتداء من رئاسة الدولة ورئاسة البرلمان ورئاسة الحجكومة ورئاسة الاحزاب السياسية ولك ان تتخيل ان الائتلاف الحالى للحكومة من خمس احزاب تراسها امرأة..

زرت فنلندا في مطلع الالفية واول شيئ نبهتني اليه سفيرتنا في هلسنكي وقتها هو الوضع المميز للمرأة في فنلندا ووقتها كنت على موعد لاجراء مقابلة مع رئيسة البرلمان السيدة سوكاينن .. ووقتها ايضا كانت وزيرة الدفاع امراة ووزيرة الخارجية السيدة تارجا هالونين والتى تولت رئاسة الدولة فيما بعد فقد تم التصويت لها كأول رئيسة لفنلندا عام 2000 ولولاية ثانية في عام 2006.

وفي العام 2003 أصبحت انيلي ياتينماكى أول امراة رئيسة وزراء لفنلندا وفي عام 2007 دخلت حكومة فانهانن الثانية التاريخ لأنه للمرة الأولى تكون فيها النساء أكثر من الرجال في مجلس وزراء فنلندا (12 مقابل 8).

وكان عدد السفيرات الاتي يمثلن فنلندا في عواصم العالم يزيد على السبعة عشر سفيرة.. واصبح سائدا في العرف الدبلوماسي او من باب المجاملة الدبلوماسية ان تقوم الدول بترشيح سفيرات لها في هلسنكي.

منذ الانتخابات البرلمانية الفنلندية عام 2011 بلغ تمثيل المرأة 42,5٪.(يذكر ان البرلمان منح في العام 1906 حق التصويت والترشح للانتخابات لكل من المرأة والرجل).وأصبحت المرأة الفنلندية الأولى في العالم التي تحصل على الحقوق المطلقة في التصويت والترشح للبرلمان.في انتخابات العام التى تلت ذلك أُنتخبت 19 نائبة لأول مرة في العالم ومنذ ذلك التاريخ استمرت النساء بلعب دور مركزي في سياسة البلاد.

في هلسنكي سالت عددا من الساسة ورجال المجتمع عن سر هذا الوضع المتقدم للمرأة وماذا حدث وادى الى ان تتصدر المرأة.. جاءت الاجابة ببساطة شديدة وبعيدا عن اي تعقيدات..المرأة الفنلندية وجدت نفسها امام تحديات خطيرة فرضتها طبيعة المناخ القاسية حيث تصل درجات الحرارة الى الخمسين تحت الصفر فضلا عن شهور الظلام المتصل بلا نهار تزيد على الشهرين وكان حلم الهجرة الى امريكا يراود الكثيرين واندفع عدد كبير من الشباب والرجال عموما الى الهجرة املا في اعداد مقر جديد يصحبون اليه الاسرة فيما بعد.

العامل الاخر وهو اشد قسوة كانت الحروب الضارية والاحتلال من جانب القوى المجاورة خاصة روسيا والسويد والتى حصدت ارواح الكثيرين والرجال كل الرجال كان يتم تجنيدهم اجباريا وقتل عدد كبير منهم في الحروب والبرد على جبهات القتال..ووجدت المراة نفسها في مواجهة الحياة الصعبة وكانت تقوم بكل الادوار الخاصة بها وبالرجل ايضا الغائب بفعل فاعل ورغما عنهم.كما نتج عن كل ذلك ان اصبح عدد النساء اكبر بكثير من الرجال في فترات كثيرة.وبالتالي لم يكن امام المرأة خيار اخر قاومت وجاهدت ونجحت في المهمة وكان على الجميع ان يحييها ويقدر جهودها وكفاحها في بناء المجتمع والحفاظ عليه .

يبقى لنا ان نتوقف امام تجربة الائتتلافات الحزبية في البرلمان والحكومة وهذه لا يمكن اغفال النظر اليها خاصة وانها حققت نجاحا كما انها مستقرة نسبيا رغم انها تتشكل من اربع او خمس احزاب ولعل ذلك يرجع في جانب منه الى ما يتميز به نظام الأحزاب السياسية الفنلندية من الاستقرار النسبي خلال تاريخه الذي يبلغ قرابة 100 عام.

فالائتلافات الحكومية واسعة النطاق وتتميز بتشكيلات سياسية غير تقليدية. فعلى سبيل المثال، شكِّل أكبر الأحزاب اليمينية وهو حزب التحالف الوطني المحافظ الحكومة بالتعاون مع حزبين يساريين آخرين منذ 1995 إلى 2003 وتكرر هذا في حكومة 2011. كما تم إضافة أحزاب جديدة إلى النظام القائم وتمكنت من دخول الحكومة.

وخلال فترة تقارب الثلاثين عاما صعد جميع رؤساء الجمهورية من داخل أروقة الحزب الاشتراكي الديمقراطي.وقبل ذلك لم يكن هناك رئيس واحد من أصل يساري وفي عام 2000 أصبحت تارجا هالونين أول رئيسة لفنلندا وخدمت لفترتين مدة كل منهما ست سنوات. وفي عام 2012 اُنتخب ساولي نينيستو من حزب الائتلاف الوطني المعتدل المحافظ رئيسًا للبلاد ولا يزال حتى الان.

التجربة الفنلدية مهمة للغاية في مجالات كثيرة خاصة قطاعات التعليم باعتبار انها تحتل المركز الاول عالميا وفي التنمية الاقتصادية والبشرية باعتبار انها الاعلى في مستوى المعيشة حتى بين الدول الاوروبية مهمة وجديرة بالتأمل امام كل من يسعى الى الاصلاح والقفز بمعدلات التنمية الى مستويات قياسية..وبالتاكيد مع مراعاة الفروق الجوهرية بين طبيعة المجتمعات وبعضها البعض.

والله المستعان..

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة