إلى الأمام
من ابرز المعالم التى صاحبت دعوات الفوضى الهدامة اياها والتى كانوا يسمونها خلاقة..محاولة خلق فوضى اكثر على الصعيد الفقهي واثارة اكبر قدر من البلبلة واتخاذ المادة الدينية وسيلة للالهاء في كثير من الاحيان باشعال فتائل الجدل وابقاء الساحة ساخنة حول القضايا الممجوجة والتى سأم الناس منها والحديث عنها بالداخل والخارج..واختلط الحابل بالنابل على هذا الصعيد ولم يعد احد يعرف من مع الدين ومن ضده من يريد حمايته والزود عن بيضة العقيدة ومن يريد هدم القواعد والاركان..خاصة بعد ان اصبح التطاول على كل شيء قاعدة وساد الافتراء على كبار العلماء والفقهاء ليس في العصر الحديث فقط ولكن على مدى التاريخ الاسلامي وتم تحميلهم صراحة كل موبقات الامة وسوءاتها وانهم سبب التخلف والرجعية والانحطاط الحضاري وغيرها من اتهامات جاهزة ومعلبة يتم تصديرها واستدعاؤها بكل سهولة بمناسبة وبغير مناسبة.
لذلك لم يكن غريبا ان نشاهد موجات متتابعة في الداخل والخارج تركز بصفة رئيسية في هجومها على الفقه الاسلامي والفقهاء ليس اي فقهاء لكن العظام الثقات واتسمت معظمها بالجرأة والحدة واللدد في الخصومة تجاوزت فجرا كل الحدودبما يعكس حالة من الكراهية غير مسبوقة.
ومع انقشاع بعض الغيوم شديدة السواد تأكد للجميع ان الدين نفسه هو الهدف من عملية الخلخلة المقصودة غير الخافية. لذلك فالمعارك مستمرة والمواجهات الضارية على مستويات متعددة منها ما كان بغطاء علمي ومنها ما كان دمويا فظيعا وصل حد الاغتيال المادي والمعنوي على السواء وكانت النتائج كارثية حتى لم يجد البعض بدا من اغلاق باب الاجتهاد ولم يجد البعض حرجا في ذلك رغم النكبات التى اصابت الامة..وكان واحدة من علامات التدهور والانحطاط الفكري والثقافي والحضاري بصفة عامة.
الفقه والفقهاء وهم عقول الامة وحصونها المنيعة ضد الهجمات التترية التى تستهدف اغتصاب العقول واستباحة كل شيء حتى ولو كان مقدسا دينيا ووطنيا.كانت الهوية هدفا واضحا وبلا مواربة وتم العزف عليه من قبل جوقة الاختراق والاستلاب الحضاري والتى اتخذت مداخل مشبوهة ومزيفة تحت ستارات عدة منها مافيه شبهة العلمية او الاصلاح فسمعنا عن دعوات لتجديد الفقه وتنقية الفقه من عصر البداوة ليساير التكنولوجيا والحضارة الحديثة ثم دعوات لتيسير الفقه ووضع جديد تستوعبه العقول المعاصرة وخاصة رقيقة الحال ركيكة المستوى العلمي خاصة في كل ما يتعلق بعلوم الدين واللغة التى تلقى اهمالا منقطع النظير وتقدمت عليها في كل الاولويات اللغات الاجنبية والمدارس والجامعات الاجنبية والوظائف التى تفضل وتشترط اجادة كل ما هو اجنبي مما خلق حالة من الانفصام والشيزوفيرينا داخل المجتمعات تبعها حالة من التمرد والسخط على كل ما هو اصيل والجري وراء كل غريب وبعيد عن الاصول خاصة الدينية الاصيلة.
المراقب يلاحظ ان المعركة مع الفقه تجاوزت الان مرحلة التركيز على القضايا التافهة او بمعنى ادق السطحية والشخصية والتى اعتبر كثير من العلماء ان التركيز عليها والاهتمام بها من علامات عصور التراجع والانحطاط والانحراف حيث يعتاد الناس ان يسألوا الفقه في مسائل الحيض والنفاس والطهارة والصلاة والرضاع والطلاق ونحوها مما يتعلق بالحياة الشخصية للمسلم ولا يسالون في الامور الكبيرة التى تتعلق بمصير الامة وكيانها ورسالتها لا يسألون عن الفساد ونهب المال العام والاثراء الحرام والاعتداء على حقوق الوطن والمواطنين والتلاعب بها في سبيل تحقيق الثراء الفاحش وقضايا حماية الاوطان والحفاظ عليها من كل محاولات زعزعزعة الامن وضرب الاستقرار والعدوان على حياة الامنين و غير ذلك من قضايا من شأنها تحقيق رفعة الوطن والاتقاء بانسانية الانسان الذي كرمه الله ورفعه على العالمين .
على ما يبدو فانهم خسروا معركة الاختباء وراء الحيض والنفاس والتهنئة بالاعياد اياها وغيرها فانتقلوا الى مرحلة اخرى ليس فقط الخلاف على الفقه ولكن الخلاف على الفقهاء مرحلة اقصاء وابعاد الفقهاء الاحياء منهم والاموات..مرحلة التخلص من الاركان العظام والعلماء الثقات. فلم يعد يجدي القول بانهم رجال ونحن رجال التى كان يرددها الغر من الجماعات اياها في ايام المد الاسلاموي.. الان الدعوة صريحة وبكل بجاحة تخلصوا من الامام العظيم البخاري وصحيحه وانزعوا الهالات التى تحيطه..احرقوه وادفنوه فهو سبب تخلف الامة وفساد عقولها وغير ذلك من خذعبلات يتم تردديدها من قبل اصوات " القلة المندسة" على الفكر الاسلامي التى تم صناعتها في مراكز مشبوهة وتحظى بدعم ورعاية من قوى ظلامية حقيقية تمتلك ادوات اعلامية ودعائية وتتمتع بقدرة هائلة على الانفاق ببذخ وبلا حساب للترويج لما يريدون ولم تردعهم اي مواجهات علمية او قضائية فهم يتمتعون بقوة سياسة النفس الطويل ومواصلة التحدي وعدم الاستسلام بسهولة والبحث عن جديد يثير اكبر قدر من المنغصات والبلبلة.ولعل ما شاهدناه من برامج اعلامية للهجوم على البخاري وائمة الفقه الاسلامي في قنوات بعينها خير مثال ونموذج.وقد احدثت موجة من الجدل داخل المجتمع كثير منها كان جيدا ومفيدا وبعضها كان سلبيا خاصة في بعض اوساط الشباب غير المحصن بثقافة دينية حقيقية وهم كانوا الجمهور المستهدف من تلك التيارات لاختراقهم وابعادهم عن كل ما هو اصيل وله علاقة حقيقية بالدين ولعل في هذا تفسير لماذا علت اصوات بعض الملحدين وظهرت صورهم وحواراتهم علانية في بعض وسائل الاعلام والايهام بان هناك تيارا الحاديا رافض للدين كاره لعلماء الدين تحديدا. ولايمكن ان نغض الطرف في الاطار ارتفاع حمى الاسلاموفوبيا بالحق والباطل والتي تصب الزيت على النار في الداخل والخارج.
لكل هذا وغيره تأتي اهمية المؤتمر الذي دعت اليه دار الافتاء المصرية بقيادة العالم الجليل الدكتور شوقي علام واتخذت له عنوانا غاية في الذكاء "الادارة الحضارية للخلاف الفقهي "برعاية كريمة من الرئيس عبد الفتاح السيسي.وهي مرحلة مهمة جدا في مواجهة الرغبات المستعرة والحمى الملتهبة نحو العبث بالفقه والعدوان على الفقهاء واعلام الامة الاسلامية وعلمائها.هذا التوجه من دار الافتاء يضاف الى منهجها المتميز الذي دأبت عليه في الفترة الاخيرة نحو الاهتمام بالقضايا الحيوية وثيقة الصلة بالواقع الثقافي والعلمي على الساحة الاسلامية.
وكلنا امل ان تتكلل بالنجاح والتوفيق عمليات المساهمة فى إدارة الخلاف الفقهى وتعظيم الاستفادة منه واستثمار الخلاف وإدارته بأسلوب رشيد ليكون أداة فاعلة فى دعم منظومة المشاركة الفقهية والإفتائية فى الحضارة المعاصرة على الصعيدين المحلى والإنساني خاصة وأن معالجة قضية إدارة الخلاف لا تزال تشغل العقل الإنسانى بعد حقب تاريخية طويلة انتفعت الإنسانية خلالها بثمرات الخلاف وعانت فى بعضها الآخر من ويلات التعصب الدينى الطائفى أو المذهبى والذي نتج عن إساءة إدارته استغلال بعض الجماعات المتطرفة لارتكاب وتبرير أفعالها الإجرامية.
المعروف ان الخلاف بين الفقهاء في الاصل كان سعيا وراء الحقيقة ولذلك حرصوا على الا يكون الخلاف مظهرا من مظاهر الهوى والعناد.
والله المستعان .