لوجه الله
لا يتوقف علماء الإسلام وأساتذة علم الاجتماع والنفس والتربية وغيرهم من المصلحين الاجتماعيين عن التحذير من ممارسة جاهلية جديدة ضد النساء بحرمانهن من الميراث، وقلب حياة المودة والرحمة التى تربط بين الأشقاء الى ظلم وقسوة وجفاء وقضايا ومحاكم وربما عنف وقتل.. ومع ذلك تتعالى صرخات النساء من آبائهن (العاقين) وأشقائهن الذين أعماهم الطمع وأغواهم الشيطان بحرمانهن من حقوقهن التى قررها الخالق سبحانه وتعالى دون وازع من دين أو خجل من ضمير.
التقارير الاجتماعية وسجلات المحاكم وشكاوى النساء وتساؤلاتهن المتكررة للعلماء ورجال الفتوى فى برامج ولجان الإفتاء تؤكد أن رذيلة الحرمان من الميراث شائعة فى الريف وأيضا فى المدن والمجتمعات الحضرية، وتحولت الى مشكلة لها أبعادها الدينية والاجتماعية والأمنية فضلا عن تداعياتها الخطيرة على العلاقات الأسرية والاجتماعية.
***
منذ أيام قرأت تفاصيل جريمة قتل مؤلمة حيث وضعت سيدة السم لشقيقها الذى حرمها من الميراث للتخلص منه بعد أن فقدت الوسيلة التى تقنعه بها أن يمنحها حقها الشرعى لكى تنفق على أولادها بعد وفاة زوجها.. وهذه فى الواقع جريمة غريبة ونادرة فالصراع على الميراث والذى يؤدى أحيانا الى ممارسة العنف وارتكاب جريمة القتل يكون بين الأشقاء الذكور والمرأة بحكم تكوينها النفسى لا تقدم على ارتكاب جريمة من هذا النوع.. لكن هذه الجريمة تكشف عن مدى المعاناة التى يمكن أن تعانى منها المرأة نتيجة حرمانها من حقها الشرعى.
سألت أحد المحامين الضالعين فى قضايا الميراث فى إحدى المناطق الريفية عن حجم ظاهرة حرمان الإناث من الميراث؛ فأكد أنها منتشرة؛ ولم تعد التوعية الدينية والاجتماعية تأتى بالنتائج المطلوبة، وأوضح أن السيدات أنفسهن لا يعرفن حقهن في الميراث كما أن غالبيتهن ليست لديهن الجرأة على المطالبة بحقوقهن ويكتفين بقطع الصلة بأشقائهن.. إلا أن الأزواج والأبناء لا يقفوا مكتوفى الأيدى ويدفعوا زوجاتهم وأمهاتهم الى التقاضى، ولم تعد مقاضاة الأشقاء المستحوذين على ميراث شقيقاتهم من ( العيب) كما كان فى الماضى، فالمرأة الريفية أصبحت تقف فى مواجهة شقيقها فى ساحة المحكمة للمطالبة بميراثها.. بينما لا يجد شقيقها الطامع فى حقها ما يبرر به طمعه، ولذلك لا تستغرق هذه القضايا فى المحاكم المصرية وقتا طويلا ويحسمها القضاه بسرعة بمجرد أن تتوافر أوراق استحقاق الأنثى لحقها فى الميراث.
***
شرعا.. يؤكد علماء الإسلام أن الحرمان من الميراث يمثل أبشع صور الظلم الذى تتعرض له المرأة فى العصر الحاضر، ويتضاعف هذا الظلم فى وقت لا يتوقف العلماء والدعاة فيه عن التوعية والتوجيه الدينى وإصدار الفتاوى التى تحرم وتجرم سلوك من يأكل حقوق شقيقاته وتبين ما ينتظره من عقاب إلهى، فالمرأة لها حقها الشرعى الذى حدده الخالق عزوجل ولا يجوز الطمع فيه أو المماطلة فى تسليمه.
اجتماعيا.. تؤكد الناشطات فى مجال حقوق المرأة على ضرورة توعية المرأة للمطالبة بحقوقها كاملة فى الميراث وغير الميراث، وتطالب بتشريعات واضحة ومحددة توقف وتعاقب كل من يهدر حقا للمرأة وتلزم الجميع بما قرره القانون وهو مستمد من الشريعة الإسلامية العادلة.
لقد تحول حرمان المرأة من حقها فى الميراث الى مشكلة تعانى منها كثير من الأسر، واستمرار هذه المشكلة يؤدى الى إفساد العلاقة بين الأشقاء، ويزرع بينهم العداوة والبغضاء، ويؤدى الى قطع الصلات الأسرية، وهذا الظلم الذى تعانى منه المرأة فى القرى والمدن تحركه- للأسف- مفاهيم خاطئة حيث يعتقد كثير من الرجال أن البنت ليس لها سوى التعليم والزواج وصلة الرحم، أما أن تأخذ من ممتلكات أسرتها أرضا أو عقارات أو أموال لتضمها الى ممتلكات أسرة أو عائلة أخرى، فهذا عيب وإهانة للأسرة أو العائلة.. وهذا للأسف فكر جاهلى وثقافة عفا عليها الزمن ورفضها الإسلام الذى شرع ما يصلح أحوال الناس ويمنح الحقوق لأصحابها.
***
لابد أن نعترف بأن معاناة المرأة فى الحصول على ميراثها يجسد واقعا مؤسفا لعقليات تحتاج الى تغيير.. فالمرأة المصرية التى اكتسبت معظم حقوقها المدنية وأصبحت عنصرا فاعلا فى المجتمع لا يجوز مصادرة حقها فى الميراث لأى سبب من الأسباب، وينبغى على كل رجل أن يبادر بمنح شقيقاته حقوقهن الشرعية قبل أن يقفن أمامه فى ساحة العدالة فى الدنيا أو الآخرة.. كما لا يجوز لأب أن يتخذ أية إجراءات تنتهى بحرمان بناته من الميراث لصالح أبنائه الذكور.
الجرائم المفزعة التى تحدث فى محيط الأسرة بسبب الحرمان من الميراث ينبغى أن تدفعنا الى نشر مزيد من التوعية وسن تشريعات تكفل سرعة حصول كل إمرأة متضررة على حقها الشرعى فى الميراث ومعاقبة كل رجل يماطل فى منح هذا الحق.
علينا أن نعترف أن حرمان الإناث من الميراث على يد أشقائهن نتيجة طبيعية لما يفعله كثير من الآباء حيث يزرعون الأنانية في نفوس أولادهم الذكور منذ الصغر، ويربونهم على التمييز بين الولد والبنت، وإشعارهم بشكل مباشر أو من خلال الممارسة العملية أن المرأة خلقت لترعى شئون الرجل، وبالتالي يغرسون فى نفوس أبنائهم الذكور أن المرأة منقوصة الحقوق، وأنها لا ينبغى أن تكون سببا فى تفتيت ميراث الأسرة، وأن البنت التى تفكر فى الحصول على ميراثها هى بنت لم تحسن أسرتها تربيتها.
هذه التربية الخاطئة التى لا تزال سائدة فى كثير من الأسر وخاصة فى الريف ترسخ ثقافة حرمان المرأة من حقوقها عموما ومن حقها فى الميراث على وجه الخصوص، وهى للأسف ثقافة خاطئة تغرس الأنانية فى نفوس الأشقاء.