لوجه الله:
كانت مصر ولا تزال قبلة علمية لكثيرين من إخواننا العرب، والمسلمين من مختلف دول العالم، ولعدد غير قليل من إخواننا الأفارقة الذين يفتخرون بالتعلم فى مصر وإرسال أبنائهم للتعليم فى مدارسها وجامعاتها.. ليس فى علوم الدين الوسطى المعتدل فحسب، حيث يفتح الأزهر أبواب معاهده وجامعاته لأبناء المسلمين من كل دول العالم، وأصبح له سفراء من الدارسين والمتدربين فيه فى كل قارات الدنيا، وأعدادهم الآن تجاوزت المائة ألف فى مختلف علوم الدين واللغة العربية.. بل فى كل العلوم والمعارف ومنهم الآن رؤساء دول وحكومات ووزاء وشخصيات علمية مرموقة تعترف دوما بفضل الأزهر ومصر عليهم وعلى بلادهم.
هذا المكانة العلمية التى تحتلها مصر وتلك السمعة الطيبة لمدارسها ومعاهدها وجامعاتها يجب أن تستثمر أفضل استثمار، لأن أفضل ما يمكن أن تصدره مصر لدول العالم هو العلم والفكر والثقافة، وقد سعدت كثيرا عندما قرأت أن صادرات مصر من الكتب العلمية والثقافية ومواد الابداع الادبى والفنى خلال النصف الأول من عام 2019 أصبحت تنافس صادراتها الصناعية، وتأتى بموارد اقتصادية جيدة، وهو ما ينبغى أن نبنى عليه وندعمه حتى نجذب المزيد من الدارسين فى مختلف العلوم والمعارف، وهذا يحقق لها الى جانب الموارد الاقتصادية ما هو أفضل من المال وهو السمعة والمكانة العلمية المتميزة التى عرفت بها طوال تاريخها.
**
لقد بدأت وزارة التعليم العالي التشغيل التجريبي لتطبيق (إدرس فى مصر) على الهواتف الذكية، والذي يتضمن بيانات كافة مؤسسات التعليم العالي في جامعاتها ومعاهدها الحكومية والخاصة المعترف بها من قبل الوزارة.. وهذا فى الواقع خطوة طيبة يجب أن تتبعها خطوات لتعريف كل الراغبين فى التعلم والدراسة فى الدول العربية وافريقيا بما تملكه مصر من فرص للتعليم الجاد والذى يواكب أحدث طرق ومناهج التعليم.
التطبيق الذى أطلقته وزارة التعليم العالى باسم (ادرس في مصر) ويمكن الوصول إليه من خلال البحث عنه باللغة الإنجليزية study in Egypt على play store و App Store هو فى الواقع فرصة جيدة تقديم جميع المعلومات للطالب وولي أمره، وأى راغب من أبناء مصر فى الخارج فى التعرف على إمكانات بلده التعليمية وذلك من خلال تطبيق بسيط وسهل الاستخدام.. كما يساعد أيضا الطلبة الوافدين والراغبين فى الدراسة بمصر من جميع أنحاء العالم في التعرف على الفرص التعليمية فى مصر، حيث يوضح التطبيق الجديد مجالات التخصصات المختلفة والبرامج المميزة المتاحة في مرحلة التعليم الجامعي، وهو يرتبط مع بوابة الوافدين، ونظام التقديم والقبول بالجامعات الخاصة.
كل ما نرجوه أن يكون نشر هذا التطبيق خطوة تتبعها خطوات وإجراءات أخرى تعكس توجه الدولة المتواصل خلال السنوات الأخيرة لتعزيز الاستثمار في مجال التعليم، فالقدرات التي تمتلكها مصر تؤكد مكانتها التعليمية التي حظيت بها في المنطقة العربية والإفريقية لعقود طويلة.
ويؤكد الخبراء أن موقع مصر الاستراتيجى يعد محفزا قويا على الاستثمار ليس فقط في مجالات النقل والتجارة والسياحة، بل وأيضا في مجالات التعليم، فمصر ترتبط بحدود برية وبحرية وشرايين نقل نشطة مع العديد من دول المنطقة، لذا فهى مؤهلة لكى تجذب جامعاتها الكثير من الطلاب الوافدين من مختلف الدول، خاصة شمال إفريقيا ومعظم دول الخليج، وتستطيع مصر أن تجذب بعض شباب الدول العربية الذى يتجه لأمريكا وللدول الغربية.. فمثلا دولة مثل السعودية يقدر عدد مبتعثيها للدراسة بالجامعات الأجنبية في 2019 فقط بنحو 93 ألف دارس، 55% منهم بالولايات المتحدة وحدها، وشباب معظم الدول الخليجية يتوجه لأمريكا ودول غربية، وفى حالة التعريف الجيد بما تمتلكه مصر من طرق تعليم حديثة سنجذب الكثير من أبناء هذه الدول خاصة أن الدراسة فى مصر ليست مكلفة وتوفر عامل الراحة النفسية والتأقلم الاجتماعى السريع، وذلك على خلاف الدول الغربية التى يواجه فيها المبتعثون العرب مشكلات عديدة ويضطر بعضهم للعودة الى بلادهم دون اتمام تعليمهم.
وتمتلك مصر ميزة نسبية إضافية تعزز استقطابها للدارسين من الخارج، فهناك انخفاض بتكلفة المعيشة للطلاب الوافدين بدول عربية أخرى..فوفقا لأحدث بيانات متوافرة لمؤشر Numbeo العالمى لعام 2017 يرتفع مستوى إنفاق الطالب في دولة الإمارات عن إنفاقه في مصر بنسبة 121%، وقطر أعلى بـ149.5%، والكويت بـ113%، وقد يمثل ذلك عنصر جذب جيد لمصر، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار التنوع الهائل الذي تقدمه المؤسسات التعليمية المصرية، وبخاصة في مستويات التعليم الجامعي والدراسات العليا، سواء من خلال الجامعات الحكومية أو الخاصة أو الأجنبية.
وبحسب الأرقام الرسمية لوزارة التعليم العالي حول المؤسسات التعليمية المعتمدة في مصر، فإن عدد تلك المؤسسات يبلغ 245 مؤسسة تشمل "جامعات حكومية، وجامعات خاصة وأهلية، ومؤسسات تعليمية باتفاقيات دولية، وفروع جامعات أجنبية، وجامعات تكنولوجية .. فضلا عن الجامعات الحديثة التى تقرر إنشاؤها فى المدن الجديدة وآخرها قرار إنشاء جامعات عصرية على أحدث النظم العلمية بمدينة العلمين الجديدة والمنصورة الجديدة.. كما تسعى مصر فعليا من خلال خطة معلنة لجذب العديد من الجامعات الأجنبية خلال الفترة المقبلة، وذلك لرفع مستوى التعليم الجامعى، كما أقرت الحكومة قبل فترة قانون إنشاء وتنظيم فروع للجامعات الأجنبية بمصر، الذى يهدف إلى الاستفادة من الخبرات التعليمية والبحثية لتلك الجامعات.
وتاريخ مصر فى افتتاح فروع للجامعات الأجنبية الكبيرة قديم ومتميز ويحمل خبرات عديدة حيث دخلت أول جامعة أجنبية إلى مصر متمثلة فى الجامعة الأمريكية عام 1919، تليها الجامعة الألمانية والفرنسية عام 2002، والجامعة البريطانية عام 2005، واليوم تمتلك مصر أكثر من 10 جامعات أجنبية، ومن المقرر أن يتم إنشاء 6 جامعات بالعاصمة الإدارية الجديدة خلال الفترة المقبلة، تتنوع بين المجرية والكندية والسويدية والفرنسية، والعمل على تفعيل توأمة مع أفضل 50 جامعة بالعالم.
مصر مؤهلة لاستثمار جيد فى مجال التعليم يعود على المجتمع المصرى بمكاسب علمية واقتصادية وحضارية.