رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

إلى الأمام

فرحة كبيرة غمرتني عندما تنامى الى سمعي قرار الاستبعاد لاسباب اخلاقية..وقلت انها بداية جادة لترسيخ منهج مهم ومفقود رغم حيويته في الحياة العامة وفي الحرب المستعرة على الفساد في المجتمع خلال الفترة الاخيرة .. لكن سرعان ما تبددت اطياف الامل مع التراجع السريع واللجوء الى شعارات وهمية وحجج واهية من قبيل الحرية الشخصية ليترك الامر سداحا مداحا لكل شخص ليدور على حل شعره..

يسال الكثير من الناس ترى لو طبقنا قاعدة الاستبعاد لاسباب اخلاقية في اطار حملة تطهير وتطوير للمجتمع .. كيف سيكون الحال في المواقع المختلفة التى استشرى فيها داء الفساد بصورة خفية او ظاهرة ؟ وكيف سيكون الحال في المواقع التى دمغت بانها مراتع للرشاوى بكل صنوفها المادية وغير المادية الملومسة والمحسوسة وغيرها ؟

اتصور لو طيقنا القاعدة مستبعد لاسباب اخلاقية سنكون امام واقع جديد ومبشر

و مفعم بالامل باذن الله .. قد يتعلل البعض بحجج ما ويبحث عن طريقة للروب غير اخلاقية ويلجأ الى اودية سحيقة مليىئة بخزائن من العار والشنار..ملتمسا لراحة زائفة ومرتكزا على انطواء مخجل ..ولا ادري هل نحن عاجزون بالفعل عن تطبيق قواعد الاخلاق في ضبط السلوك العام وتعزيز قيم الفضيلة والخير والجمال..ام ان المبدأ مرفوض في زمن تعم فيه الفوضى وتترك في كثير من الامور الحبل على الغارب ولم يعد احد يهتم باختلاط الحابل والنابل حتى استشرى الفساد وعم رغم تعالي صرخات الجميع الان من ويلات الفساد وتبعاته وتأثيراته الضارة والمهلكة للاقتصاد القومي وقبل ذلك تدمير الحيات الاجتماعية والاخلاقية..

كل علماء الارض وفلاسفتها يؤكدون على ضرورة الأخلاق لدوام الحياة الاجتماعية وتقدمها من الناحيتين المادية والروحية ويضربون امثلة على ذلك بالدعوة الى تصور حياة مجتمع أهملت فيه الأخلاق الفاضلة وسادت بين أفراده الخيانة والفسق والكذب والغش والسرقة وسفك الدماء والتعدي على الحرمات والحقوق كيف يمكن أن تكون هذه الحياة؟ لا شك في أن هذه الحياة تكون جحيماً لا يطاق ويتحول الناس إلى وحوش ضارية بعد أن تخلوا عن كل المعاني الإنسانية وسيشقون شقاء ما بعده شقاء لأن الإنسان سيكون في هذا المجتمع أداة هدم وتدمير سيكون وحشاً ضارياً لا يهمه إلا تحقيق أطماعه وإشباع غرائزه ونزعاته نزعات التسلط والتجبر والأنانية والانتقام والكبر والطغيان وإذا استخدم هذه القوى في الفساد أهلك الحرث والنسل وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾

لا ينكر احد الجهود الكبيرة المبذولة حاليا لمواجهة الفساد والفاسدين ونجاح الاجهزة الرقابية في توجيه ضربات مؤلمة وموجعة لأركان الفساد المعشش في زوايا كثيرة وقطاعات متعددة .. لكن الملحوظة المهمة والمقلقة ان الفاسدين لا يرتدعون بل كل يوم يتزايد عددهم بطريقة غريبة وكأنهم لم يعد يهمهم او يخيفهم رأس الذئب الطائر ولم يؤثر فيهم حجم وكيان الصرعى من حولهم من كبار الموظفين ومن هم في المواقع القيادية واعمتهم حمى الفساد .. واغوتهم ما ظنوه حصانة لهم او حجابا وستارا يمنع اكتشافهم او التعرف على فسادهم .

الحقيقة الغائبة عن الكثيرين ان الفساد المالي والاداري يسبقه بكل تأكيد فساد اخلاقي فهو اخطر انواع الفساد واشدها بأسا واكثرها تأثيرها لانه يسمح بتكوين بيئة يتربى ويترعرع فيها الفساد بيئة حاضنة ودافعة ومشجعة لكل الوان الفساد .. الفساد الاخلاقي وراء كل جرأة يمتلكها ويتحلى بها كل فاسد ووراء كل تطاول للتعدي على كل حرمات للمال العام والخاص.

يمكن القول بكل اريحية ان الفساد الاخلاقي هو البوابة الملكية لكل انواع الفساد بدءا من التحرش وحتى كل انواع الاغتصاب بما فيها اغتصاب المال العام واكل اموال الناس بالباطل..

السؤال الان مع انتشار الفساد المالي والاداري وغيره يتساءل البعض هل يعيش المجتمع ازمة اخلاق هل اخلاق المجتمع في ازمة الى أين وصلت الازمة الاخلاقية هل تجاوزت الحدود هل اصبحت خارج نطاق السيطرة والى اين نسير ؟!

من الحقائق التى لا يمكن انكارها ان البناء الاخلاقي يضع الارضية والاساس المتين والسياج الحامي ويوفر الدرع الواقي ووينشر مظلة الامان للجميع ويحفظ اصول المجتمع بل وينميها.

ما ينقص كثير من خطط ومشروعات التنمية خاصة في الدول الصاعدة او الطامحة الى الخلاص هو اغفال المسألة الاخلاقية او عدم اعطائها الاولوية او الاهتمام المطلوب او الكافي .. مع ان التربية الاخلاقية هي الكفيلة بالحفاظ على النتائج ودعم المكتسبات

ونحن نلاحظ الان نتائج الانفصام الاخلاقي في الحياة المعاصرة وتشعباتها المختلفة والانعكاسات السلبية والنتائج الضارة واحيانا الكارثية اشد وضوحا في مجالات السياسة والاقتصاد والصحة والتعليم وما يتصل بالخدمة الانسانية عامة..

في مصر تنبهنا الى اهمية البناء الاخلاقي وهناك تركيز الان على اعادة بناء الانسان والاهتمام بالشخصية المصرية و الوطنية او بتعبير البعض الاهتمام بالبشر وعدم التوقف على بناء الحجر فقط ..

الخروج من انفاق الازمة الاخلاقية ممكن وسهل مع توافر الارادة لذلك في مختلف المواقع والمستويات الاجتماعية والوظيفية ..

ولو نجحنا في التخلص من سيطرة وسطوة وتسلط قوى العبث بالاخلاق وادمان الفوضى الخلاقة والعبثية سواء في الفنون والدراما بكل انواعها في السينما والتلفزين والمسرح وفي المدارس والنوادي ومراكز التنشئة الاجتماعية الاخرى..

ولله در القائل إنَّ للأخلاقِ قيمةً لا يُدَانيها شيءٌ آخرُ في شرعنا لأنها تحقِّق الصلاح والرحمةَ والتآخي والمحبة وشتى أنواعِ الفضائل وتلغي الفسادَ والظلْمَ والتباغُضَ والكراهيةَ وشتى أنواعِ الرذائل..

يقول امير الشعراء احمد شوقي :

وليس بعامر بنيان قوم ... إذا أخلاقهم كانت خرابا

ويقول في قصيدة اخرى :

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم ... فأقم عليهم مأتماً وعويلا

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة