رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله

كل عام وأنتم بخير .. بعد أيام قلائل نستقبل شهر رمضان ونعيش أياما مباركه في رحاب شهر العفو والرحمة والمغفرة.. الشهر العظيم الذي أنزل الله فيه القرآن. وأكرمه بليلة القدر. وأخبرنا رسولنا صلي الله عليه وسلم أن "أوله رحمة. وأوسطه مغفرة. وآخره عتق من النار".

كان رسول الله صلي الله عليه وسلم نموذجا فريدا لما ينبغي أن يكون عليه المسلم في هذا الشهر الكريم. وليس هناك أفضل من الاقتداء به. والسير علي نهجه. والتماس القدوة والمثل في سلوكه. فقد ضرب أروع الأمثلة في الصبر والجود والالتزام الأخلاقي في رمضان. وحرص علي تقديم صورة أخلاقية رائعة للمسلم خلال هذا الشهر الفضيل.

يقول عليه الصلاة والسلام في خطبته الوافية عند استقبال رمضان: " أيها الناس. قد أظلكم شهر عظيم مبارك. شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر. جعل الله صيامه فريضة. وقيام ليله تطوعا. من قرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدي فريضة فيما سواه. ومن أدي فريضة فيه كان كمن أدي سبعين فريضة فيما سواه. وهو شهر الصبر. والصبر ثوابه الجنة. وشهر المواساة وشهر يزداد رزق المؤمن فيه. من فطر صائما كان مغفرة لذنوبه. وعتق رقبته من النار. وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء. قالوا: يا رسول الله أليس كلنا لا يجد ما يفطر الصائم. فقال صلي الله عليه وسلم:پ يعطي الله عز وجل هذا الثواب من فطر صائما علي تمرة أو شربة ماء. أو مذقة لبن. وهذا شهر أوله رحمة. وأوسطه مغفرة. وآخره عتق من النار. فمن خفف عن مملوكه فيه غفر الله تعالي له. وأعتقه من النار. استكثروا فيه من أربع خصال. خصلتين ترضون بهما ربكم عز وجل. وخصلتين لا غني لكم عنهما. أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم عز وجل فشهادة أن لا اله إلا الله. وان تستغفروه. وأما الخصلتان اللتان لا غني لكم عنهما فتسألون الله تعالي الجنة. وتعوذون به من النار. ومن سقي صائما سقاه الله تعالي من حوضي شربة لا يظمأ حتي يدخل الجنة".

****
پكان صلوات الله وسلامه عليه في رمضان مثالا في أداء العبادات والطاعات. وتجسدت في سلوكه كل قيم وأخلاق الاسلام. فلا خصام وشقاق. ولا جفاء وقسوة وقطع للأرحام. وكان يلزم نفسه بكل ما يجلب رضا الله عز وجل. وهو بذلك يعلمنا أن كل من يفعل ذلك طائعا مختارا يكون جزاؤه عند الله تعالي قبول صيامه. والحصول علي ثوابه.. ووجهنا إلي فعل الخير والبعد عن الشر. وأرشدنا الي أن الصوم فريضة شرعها الله سبحانه ليتغلب الانسان علي غرائزه الشهوانية. وينطلق الي آفاق أوسع وأرحب. فيناجي ربه صادقا مخلصا ليجد الاستجابة السريعة من الخالق حيث يقول عليه الصلاة والسلام: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتي يفطر. والامام العادل. ودعوة المظلوم".

وبوصايا رسول الله لنا في رمضان يكون صومنا صحيحا كاملا لا تشوبه شائبة. فالمسلم مطالب في كل شهور العام وفي شهر الصيام بصفة خاصة أن يبتعد عن قول الزور. ويتجنب النفاق والخداع والكذب والغش. وأن يتحلي بالفضائل ومكارم الأخلاق. ومن توجيهاته صلي الله عليه وسلم: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب. فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم". فهذه هي موجبات سماحة الاسلام. وسماحة شهر رمضان بصفة خاصة.

رسالة رسول الله صلي الله عليه وسلم لنا في رمضان " رسالة أخلاقية" قبل أن تكون تعبدية لذلك علمنا أن رمضان شهر الصبر الصدق والبر والكرم وصلة الأرحام.. شهر المراقبة والتقوي. يقول سبحانه:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَي الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". و"التقوي" كلمة جامعة لها دلالات ومعان إيمانية وأخلاقية كثيرة ومتنوعة.. وقد سئل صلي الله عليه وسلم عن أفضل ما يدخل الجنة فقال:" التقوي وحسن الخلق".

*****
وهكذا وجهنا صلوات الله وسلامه عليه الي أن الصوم ليس طقوسا دينية يؤديها المسلم دون هدف لمجرد تحقيق المطلب الديني. بل هو فريضه هدفها الأسمي تهذيب سلوك الانسان والارتقاء بأخلاقياته. وتحسين علاقاته بكل من يتعامل معهم. فالصيام الذي يدخل صاحبه الجنة هو الصوم المقبول الخالي من الرياء. فلا يكون الصائم كامل الصوم مقبولا عند ربه سبحانه وتعالي إلا إذا صام صوما حقيقيا. بأن يكف جوارحه وشهواته. ويمتنع عن المفطرات وعن المعاصي. ما ظهر منها وما بطن. ويمتنع عن الزور وعن العمل به.. والمراد بقول الزور: الكذب.. فالمسلم الحق ليس كذابا. ولا منافقا. ولا يمكن أن يلتقي الصوم والكذب والنفاق في سلوك شخص سوي.

ولذلك قال العلماء: إن الذي يكف عن الطعام والشراب فيجوع ويعطش ولكنه لا يكف نفسه عن الغيبة أو الزور أو العمل به ولا يحفظ جوارحه عن الآثام. أو يصوم ويفطر علي الحرام. أو علي لحوم الناس بالغيبة والنميمة. هذا الانسان لا يجني من صيامه إلا الجوع والعطش. كما قال صلي الله عليه وسلم:"كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش".. وفي حديث آخر يقول:"إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك ويدك".

والأمانة سلوك لا يفارق المسلم في رمضان. فالصوم في حقيقته أمانة بينه وبين خالقه حيث يستطيع أن يختلي بنفسه ويأكل ويشرب ويفعل كل المنكرات ولا يراه أحدا غير خالقه. ولذلك علمنا صلوات الله وسلامه عليه كيف نكون علي قدر المسئولية في رمضان وكيف نكون أمناء مع الخالق ومع أنفسنا ومع الآخرين ونتحلي بالفضائل لنخرج من رمضان بأفضل المكاسب.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة