لوجه الله
كتبت الاسبوع الماضي عن دور ومسئولية الأثرياء ورجال الأعمال في رفع المعاناة عن الفقراء والمحتاجين وتلقيت ردودا كثيرة علي ما كتبت سواء علي صفحتي علي فيس بوك أو من خلال اتصالات هاتفية من بعض العلماء والدعاة الذين أشرف بصداقتهم وسعدت بتجاوبهم ليس معي فقط ولكن مع كل صوت يذكر بالواجبات الدينية والاجتماعية ويقف الي جانب أصحاب الحاجات وقد اقترح بعضهم أن نتبني دعوة رجال الأعمال والأثرياء الي مبادرة لانقاذ الغارمين وإخراجهم من السجون بعد سداد ما عليهم من مستحقات.. خاصة وأن هناك جهودا كبيرة بذلت في هذا الطريق وتكفل صندوق تحيا مصر بسداد ديون عدد كبير من الغارمين وكان ينبغي أن تسير علي نهجه كل مؤسسات وجمعيات الزكاة في مصر.. وها أنا أذكر كل القادرين في مصر بهذا الواجب الديني والإنساني.
والواقع أن الغارمين موجودون في كل المجتمعات.. هؤلاء الذين اضطرتهم الحاجة الي الاستدانة المالية أو شراء احتياجاتهم بالأجل وعجزوا عن السداد شملهم الخالق سبحانه بعدله وإنصافه فقرر لهم نصيبا في الزكاة فقال سبحانه "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم".
هؤلاء الذين تورطوا في ديون واجبة السداد يغفل عن حقوقهم الشرعية- للأسف- كثير من القادرين ولذلك تزخر بمن تبقي منهم السجون. كما تزدحم ساحات المحاكم بقضاياهم الأمر الذيپ يفرض علي مؤسسات الزكاة كما يفرض علي الأثرياء والقادرين ماديا الالتفات الي حقوقهم والبحث عنهم والوفاء بديونهم.. فهذا عطاء إنساني كبير يؤكد عدل شريعتنا وإنصافها لحقوق الضعفاء والذين دفعتهم الحاجة الي الاستدانة.
****
علي كل قادر أن يعلم أن سداد ديون الغارمين الي جانب أنه مطلب قرآني وفريضة من الخالق سبحانه وتعالي علي القادرين ماديا هو عمل إنساني وسلوك أخلاقي. يؤكد سمو نفس صاحبه. ورغبته في عمل الخير. عن طريق كفالة هؤلاء الذين اضطرتهم ظروف معيشية صعبة الي الاستدانة والتعرض للعقوبات نتيجة العجر عن الوفاء بما عليهم من ديون. الله سبحانه وتعالي جعل للغارم نصيبا من الزكاة. وهذا حق شرعي لا ينبغي أن يغفل عنه هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالخير الوفير وما أجمل أن يسهم مسلم في فك كرب أخ له. فيسدد عنه ديونه. وينقذه من العقوبات المقررة في القوانين المطبقة في مجتمعاتنا العربية ضمانا ووفاء بحقوق الناس.
ولذلك فإن إنقاذ الغارمين من غياهب السجون واجب علي المجتمع الإسلامي كله. حيث يجب تقديم النصيحة أولا لعامة الناس بأن الاستدانة لا تجوز إلا عند الضرورة. والضرورة تقدر بقدرها كما يؤكد الفقهاء. فلا ضرورة في سلعة أو شيء يمكن الاستغناء عنه. ولا ضرورة في أمر زائد عن الحاجة. ولو كان لدينا الوعي بهذا لحاصرنا الاستدانة وجعلناها في نطاق ضيق للغاية.. أيضا يجب الرحمة بالفقير وصاحب الحاجة وعدم المبالغة في فرض فوائد كبيرة عليه عند الشراء بالأجل كما أن إمهاله في السداد خلق إسلامي رفيع يجازي الله من يحرص عليه أبلغ الجزاء..يقول الحق سبحانه وتعالي "وإن كان ذو عسرة فنظرة الي ميسرة وان تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون".. وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة".
****
تفاقم مشكلات الغارمين في مجتمع مزدحم بأصحاب المليارات والملايين أمر يسيء لنا جميعا. ولذلك لا ينبغي أن يكف علماء ودعاة الإسلام عن تذكير الأثرياء ورجال الأعمال عن هذا الواجب الديني والإنساني.. أيضا ينبغي تكثيف حملات نشر الوعي الشرعي والاقتصادي بخطورة الاستدانة. لأنها تخلق مشكلات اجتماعية واقتصادية كثيرة لدي كثير من الأسر خاصة محدودة الدخل وكثير من الغارمين والغارمات كانوا ضحايا لشركات ومتاجر وأيضا بنوك أغرتهم بالشراء بالأجل ويسرت لهم الأمر دون التأكد من قدراتهم علي الوفاء بما عليهم من التزامات مالية.. هذا فضلا عن پجهل كثير من البسطاء بتداعيات الاستدانة الاقتصادية وضوابطها الشرعية.. الي جانب ما تقدمه شركات البيع بالتقسيط من تسهيلات وإغراءات وأساليب خداع وتضليل للبسطاء للتورط في شراء سلع يتطلعون إليها وظروفهم الاقتصادية وموارد دخلهم لا تسمح بها ثم تكون النتيجة تعثراً في السداد وملاحقات قضائية تنتهي غالبا بالسجن لعدم الوفاء بالدين.
وهنا ينبغي أن يعلم الجميع أن الشريعة الاسلامية لا تقر الاستدانة دون ضرورة. فالدين خطر في ذاته حتي انه ليحول دون براءة الشهيد فقد صح عن النبي صلي الله عليه وسلم قوله "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين" كما يحول دون شفاعة النبي فقد روي أنه صلي الله عليه وسلم أتي بجنازة فقالوا: صل عليها فقال عليه الصلاة والسلام: هل ترك شيئا قالوا: لا.. قال: "فهل عليه دين"؟ قالوا: ثلاثة دنانير.. فقال صلي الله عليه وسلم "صلوا علي صاحبكم.
****
صحيح أن علماء الإسلام أكدوا أن الشراء بالأجل جائز عند الضرورة. وهو عبارة عن مبادلة السلعة أو الخدمة الحالة بثمن مؤجل كله أو بعضه علي حصص معلومة تؤدي في أوقات معينة. ولا بأس في لجوء الانسان له إذا ما كان في حاجة الي مسكن أو سيارة أو سلعة ضرورية أو غير ذلك.. فيجوز للإنسان أن يشتري بالأجل ما يحتاج "حاجة فعلية" إليه. أما السلع الترفيهية فلا يجوز شراؤها بالأجل. لأن الشراء بالأجل استدانة وهي لا تجوز إلا عند الضرورة.. ويؤكد أن الإنسان مطالب شرعا بالوفاء بالدين عند حلول أجله دون مماطلة أو تسويف.. وتوجيهات الإسلام هنا واضحة.