لوجه الله
أكد الدكتور حسين خالد أستاذ طب الأورام بجامعة القاهرة ووزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق. أن مرض السرطان ثاني الأمراض المسببة للوفاة شيوعًا بعد أمراض القلب والأوعية الدموية في مصر والعالم بأكمله مشيرا - في تصريحات صحفية- إلي أن الأورام السرطانية في زيادة مضطردة في مصر نتيجة انتشار الملوثات في الطعام والشراب والجو والعادات الغذائية السيئة.. موضحا أن مقاومة هذا المرض اللعين لا ينبغي أن تقف عند إقامة مستشفيات ومراكز للعلاج وإنفاق مئات الملايين سنويا علي توفير علاجات وأجهزة طبية لعلاج المصابين حيث ينبغي أن يتواكب ذلك مع استراتيجية واضحة للحماية والوقاية.
للأسف.. كلام هذا الطبيب الكبير وهو مدير سابق لأكبر معهد لعلاج الأورام في مصر "المعهد القومي للأورام" بالإضافة الي التقارير الطبية والإحصاءات التي تؤكد زيادة انتشار المرض بين المصريين من مختلف الأعمار تؤكد أن إجراءات وخطط الوقاية عندنا متواضعة للغاية وأن الوعي الصحي بخطورة هذا المرض وضرورة تجنب مسبباته والكشف المبكر عنه لا تزال غائبة عن كثير من المصريين حيث يتم اكتشافه في معظم الحالات بعد فوات الأوان وهو ما يؤدي الي إنفاق مبالغ طائلة علي العلاج دون فائدة لنسبة كبيرة من الحالات المرضية.
لقد أكدت المنظمات الدولية وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية علي ضرورة اهتمام كافة دول العالم بـ "الوقاية من هذا المرض الخطير" مشددة علي أن إجراءات الوقاية ينبغي أن تتقدم خطط العلاج والمواجهة وطالبت الأمم المتحدة مؤخرا بضرورة أن تنخفض أعداد مرضي السرطان في العالم بنسبة 25% علي الأقل خلال السنوات الخمس القادمة.. ولن يحدث ذلك بتكثيف العلاج وحده ولكن بإجراءات الوقاية والحماية وهو ما ينبغي أن يكون محل اهتمامنا الأكبر في مصر.
*****
لقد أحسنت وزارة الصحة عندما قررت حث المواطنين علي إجراء الفحوص المعملية للكشف المبكر عن الأورام في معاملها بأسعار رمزية كما أحسنت هيئة السكك الحديدية عندما قررت منذ أيام نقل مرضي السرطان وأسرهم في قطاراتها مجانا لمساعدتهم وخاصة الأسر محدودة الدخل علي العلاج.. لكن مع تقديرنا لمثل هذه المبادرات نؤكد أن خطة المقاومة تتطلب استراتيجية أكثر شمولا ووضوحا وحزما وأن الأمر لا ينبغي أن يقتصر علي مبادرات فردية من هذا النوع فالمرض خطير ويحصد أرواح مواطنين من مختلف الأعمار وتكاليف علاجه باهظة ومراكز ومستشفيات علاج الأورام مكتظة بالمرضي وبعض المرضي ينتظر دوره في العلاج مع أن المرض سريع الانتشار وفتاك ويحتاج في الغالب الي تدخل سريع للتعامل معه.
منذ أسابيع فجعت بموت صديق عزيز في الإسكندرية فسألت: هل كان مريضا ويخفي مرضه عن أصدقائه أو هل مات بأزمة قلبية.. فأخبرني بعض المقربين منه بأنه اكتشف "فجأة" منذ شهور إصابته بالسرطان وأنه منتشر في أكثر من مكان في جسده وأنه لم يكن يذهب للأطباء إلا نادرا ولا يهتم بعمل فحوص طبية حيث لا يبدو عليه المرض وقال لي أحد أصدقائه المقربين إنه كان مدمنا لتناول "الطعمية" من مطاعم الشوارع!!
بالتأكيد.. كثير مما نتناوله في الشوارع وخاصة محلات الفول والطعمية الشعبية يمثل خطرا بالغا علي حياتنا وقد صدرت تحذيرات من أطباء كثيرين من خطورة هذه المطاعم علي صحة وحياة المصريين فالزيوت التي تستخدم في قلي الطعمية وغيرها ضارة جدا بالصحة والفول يسوي بإضافة مواد خطيرة لسرعة تجهيزه.. ومع ذلك تنتشر هذه المطاعم في كل مكان وفي كل محافظات مصر دون رقابة ودون تفتيش بعد تراجع دور وزارتي الصحة والتموين في القيام بأهم دور رقابي لهما وهو التفتيش علي المطاعم والاطمئنان علي التزامها بالمعايير الصحية.
****
إذا كنا جادين في المواجهة الفاعلة لمرض السرطان وغيره من الأمراض الخطيرة يجب أن نعترف بأن الطعام والشراب الملوث يمثل خطورة بالغة علي حياتنا وأن حماية صحتنا وأرواحنا تبدأ من مواجهة جادة لمسببات الأمراض وليس مواجهة الأمراض فحسب ولذلك ينبغي أن تعد وزارة الصحة جيشا جديدا مدربا ومؤهلا من مفتشي الصحة للمرور يوميا علي المطاعم والأسواق لإعدام ما يرونه خطرا علي حياة المصريين ومعاقبة كل من يروج طعاما فاسدا.
*****
قد لا نكون في حاجة الي مستشفيات ومراكز جديدة لعلاج الأورام في مصر فلدينا العديد من المؤسسات العلاجية المشهود لها بالكفاءة في علاج الأورام. والمتمثلة في المعهد القومي لعلاج الأورام التابع لجامعة القاهرة وهو أكبر مركز متخصص لعلاج الأورام في الشرق الأوسط ومصر. فضلا عن معهد أورام جنوب الصعيد في أسيوط بالإضافة إلي 14 قسما لعلاج الأورام بالمستشفيات الجامعية الحكومية وكليات الطب. و11 مركزا لعلاج الأورام تابعين لوزارة الصحة و10 مراكز للعلاج الإشعاعي تابعين للقوات المسلحة. بخلاف مستشفيات مؤسسات المجتمع المدني كمستشفي السرطان 57357 ومركز أورام فاقوس وطنطا والمنصورة. فضلًا عن المستشفيات الخاصة.. لكننا في أمس الحاجة الي إجراءات وقائية جادة وحاسمة تحمي حياتنا من مسببات هذا المرض الخطير الذي ينتشر بشكل مزعج للغاية.
لقد أكد الأطباء أن الكشف المبكر عن الأورام والتشخيص الدقيق لها من أبرز أولويات المواجهة.. وهذا ما ينبغي أن نيسره للناس ولذلك أتمني بعد الانتهاء من "حملة فيروس سي" والتي حققت نجاحا كبيرا في مختلف المحافظات أن تبدأ حملة مماثلة للكشف المبكر عن الأورام وخاصة للأشخاص المستهدفين بهذا المرض اللعين حيث يتم اكتشاف الأورام في مراحلها الأولي وتتوافر فرص أكبر لعلاج شاف وناجح ما يساعد علي إنقاذ العديد من المرضي سنويا.