المواجهة تشتعل بين روسيا والغرب بعد ضم الأقاليم الأوكرانية
أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجمعة30/9/2022 انضمام مناطق زابوروجيا وخيرسون ودونيتسك ولوجانسك الأوكرانية إلي الاتحاد الروسي. معتبراً أن الناس اتخذوا خيارهم في الاستفتاء.
ووقع بوتين في الكرملين اتفاقيات انضمام المناطق الأربعة إلي الاتحاد الروسي. وأعرب عن ثقته بأن الجمعية الفيدرالية ستدعم القوانين الخاصة بانضمام أراضي جديدة إلي روسيا. وتلك الاتفاقيات من شأنها أن تضم إلي روسيا آلاف الأميال المربعة من الأراضي الأوكرانية.
وأجرت روسيا استفتاءات في 4 مناطق تحتلها بشكل جزئي في أوكرانيا هي دونيتسك ولوجانسك الواقعتين في إقليم دونباس شرق أوكرانيا. وخيرسون وزابوروجيا الجنوبيتين. وأعلنت لاحقا أن المناطق أبدت تأييدا كاسحاً للانضمام إلي روسيا.
وتعد دونيتسك ولوجانسك موطنا لجمهوريتين انفصاليتين تدعمهما موسكو منذ 2014 . بينما تسيطر القوات الروسية علي خيرسون وأجزاء من زابورجيا منذ فترة وجيزة بعد بدء العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا في أواخر فبراير الماضي.
شكلت السيطرة علي منطقتي دونيتسك ولوجانسك منذ انطلاق العملية العسكرية الروسية علي الأراضي الأوكرانية في 24 فبريرا الماضي هدفا أساسيا للروس. من أجل ربط المناطق الشرقية تدريجيا مع شبه جزيرة القرم التي تسيطر عليها جنوبا.
إلي ذلك. تربط دونيتسك ولوجانسك حدود مشتركة طويلة مع روسيا. وتقطنهما أغلبية ناطقة بالروسية. علما أن عدد السكان من أصول روسية لا يزيد علي 40%. لكن أهمية المنطقتين تبرز علي الصعيد الاقتصادي بشكل خاص. إذ تضمان أكبر مناجم الفحم الحجري والحديد والصلب في أوكرانيا. كما أن مدينة ماريوبول الاستراتيجية التي تعد بين أهم مواني التصدير في البلاد تقع ضمن الحدود الإدارية لدونيتسك.
تشير الإحصائيات السابقة إلي أن نحو 70% من ثروات أوكرانيا تتركز في هذا الجزء من البلاد. فضلاً عن أنها تعد عقدة مهمة لشبكة المواصلات البرية والبحرية التي تعبرها صادرات البلاد باتجاه البحر الأسود ومناطق الشرق الأوسط وغيرها.
أما منطقتا زابوريجيا وخيرسون. فتقعان داخل سهل أوروبا الشرقية. ولهما حدود مشتركة. بالإضافة إلي ذلك. تقع منطقة زابوريجيا علي حدود منطقة دنيبروبتروفسك في أوكرانيا. وتحد دونيتسك من جهة الشرق. وفي الجنوب يقع بحر آزوف.
بينما تقع منطقة خيرسون علي حدود منطقتي دنيبروبيتروفسك ونيكولاييف في أوكرانيا. ولها حدود برية مع القرم جنوبا. وفي الجنوب الغربي تطل علي البحر الأسود وفي الجنوب الشرقي علي بحر آزوف.
وانطلاقا من موقعهما يمكن فهم الأهمية الاستراتيجية لهاتين المدينتين. إذ لا يمكن الحديث عن ضمان أمن الحدود الغربية لأوكرانيا من دون توسع جغرافي. يضمن بشكل كامل السيطرة علي الممرات البحرية الجنوبية في حوض آزوف والبحر الأسود. وبما يؤمن أيضا إقامة رابط بري مستقر للأراضي الروسية مع شبه جزيرة القرم. التي وإن كانت في السابق عنوانا لاستعادة الأمجاد الماضية. فهي سرعان ما تحولت مع اندلاع النزاع إلي خاصرة ضعيفة ورخوة يسهل الهجوم عليها واستهداف روسيا من خلالها.
إلي ذلك. شكلت خيرسون في الماضي أول قاعدة بحرية روسية لبناء السفن. وكانت تعرف حينها باسم محافظة نيكولاييف حتي سنة 1803. ولا تزال تلك المدينة المطلة علي البحر الأسود حتي الآن مركزا مهما لصناعة السفن. وتسعي روسيا تسعي بسيطرتها وضمها لتلك المناطق إلي تأمين جسر بري وبحري بين القرم والجزء الشرقي الأوكراني.
وقال بوتين إن مواطني خيرسون وزابوروجيا ودونيتسك ولوجانسك سيصبحون مواطني روسيا إلي الأبد. وقال الكرملين إنه سيعتبر الهجمات ضد أي جزء من مناطق أوكرانية انضمت لروسيا أعمالا عدوانية ضد روسيا نفسها.
وأعرب بوتين عن استعداد بلاده للعودة إلي المحادثات داعيا كييف إلي وقف العمليات والعودة لطاولة التفاوض. وقال الرئيس الروسي إن التفاوض هو الطريق الوحيد إلي السلام. مطالبا كييف باحترام خيار دونيتسك ولوجانسك وزابوروجيا وخيرسون. وشدد علي أن موسكو ستدافع عن أراضيها بكل الوسائل الممكنة.
في المقابل. أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن بلاده ستوقع طلب انضمام عاجل إلي حلف شمال الأطلسي الناتو .
مشدداً في الوقت ذاته علي أن كييف لن تفاوض موسكو ما دام فلاديمير بوتين رئيساً.
واجتمع زيلينسكي بقادة الجيش الأوكراني لمناقشة خطة "تحرير" الأراضي التي تسيطر عليها روسيا. وأوضح زيلينسكي أنه ناقش هو وقادة الجيش أيضاً إمدادات الأسلحة فضلا عن الخطط الأخري المحتملة لروسيا في أوكرانيا.
وفي هذا السياق. أفاد محللون روس وغربيون بتطويق أوكراني وشيك لمدينة ليمان الشرقية. وقد تفتح استعادة السيطرة علي المدينة الطريق أمام أوكرانيا للتوغل بعمق في إحدي المناطق التي ضمتها روسيا.
بدوره. أدان الرئيس الأمريكي جو بايدن إعلان روسيا ضم المناطق الأوكرانية وأعلنت واشنطن أن مجموعة السبع ستفرض عقوبات علي أي بلد يدعم روسيا بعد عملية الضم في أوكرانيا.
قالت رئيسة الوزراء البريطانية ليز ترَوس. إنه لا يمكن السماح للرئيس الروسي بتغيير الحدود الدولية بالقوة. مضيفة: "لن نقبل أبداً بمناطق دونتسك ولوجانسك وخيرسون وزابوريجيا إلا كأراضي أوكرانية.
وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش الأمر بأنه "تصعيد خطير" من شأنه أن يقوض آفاق السلام. وقال جوتيريش إن أي قرار الضم لن تكون له أي قيمة قانونية ويستوجب الإدانة.
ويتوقع المحللون السياسيون تغييرا في معادلة الحرب الروسية في أوكرانيا بعد قرار بوتين بضم المناطق الأربعة إلي روسيا. كما يتوقع المحللون أن تزيد حدة التهديدات بين روسيا والغرب. مما ينذر بمرحلة جديدة من التصعيد إذا لم تلتزم أوكرانيا بشروط روسيا في هذه الأقاليم المنفصلة. فبعد ضمها لروسيا. أصبحت تلك الأقاليم أراضي يتحدد مصيرها وفقا للشروط الروسية» ما يمنحها حق استخدام أسلحة أكثر فتكا لمواجهة الأسلحة الغريبة.
وقد بعث بوتين رسالة للغرب في خطابه الذي أعلن فيه عن التعبئة الجزئية. مفادها أن أي هجوم علي أراضي روسية يدعو إلي الانتقام الشامل. ويقول ألكسندر باونوف من مؤسسة كارنيجي. إن الرسالة التي وجهها الرئيس الروسي إلي حلفاء أوكرانيا هي: "لقد اخترتم قتالنا في أوكرانيا. وتحاولون الآن قتالنا في روسيا نفسها."
وفي عام 2020. وقع بوتين مرسوما بتحديث العقيدة النووية الروسية التي سمحت باستخدام الأسلحة النووية في حالة العدوان علي الاتحاد الروسي باستخدام الأسلحة التقليدية. عندما يكون وجود الدولة ذاته تحت التهديد.
وتعريف هذا التهديد ليس واضحا تماما. ولكن في الأسبوع الماضي أصدر الرئيس الروسي تحذيره الأكثر وضوحًا حتي الآن: "سنضمن وحدة أراضي وطننا واستقلالنا وحريتنا. وسأؤكد ذلك مرة أخري. بكل الوسائل المتاحة لنا.. وأولئك الذين يحاولون ابتزازنا بالأسلحة النووية. يجب أن يعلموا أن الرياح يمكن أن ترتد إليهم."
وبالنسبة لمعظم المراقبين. فإن مثل هذه التحذيرات الرهيبة هي مناورة يائسة. وقال المسئولون الأمريكيون إنهم لا يعتقدون أن بوتين سيلجأ إلي استخدام الأسلحة النووية التكتيكية. رغم أنهم لا يستطيعون استبعاد هذا الاحتمال.
ونقلت شبكة "سي. إن. إن" الأمريكية. عن مصادر متعددة. إن التهديد بالتأكيد "عالي الدرجة" مقارنة بما كان عليه في وقت سابق من العام. فيما حذرت الولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة روسيا بشكل سري من اتخاذ مثل هذه الخطوة الكارثية.
ولكن حتي الآن. لا توجد مؤشرات علي أن روسيا تخطط لاستخدامها وشيكًا وأن التقييم العام لم يتغير. علي حد قول أحد المصادر المطلعة علي المعلومات الاستخباراتية.
وقد يأمل بوتين أيضًا في أن تؤدي احتفالات ضم الأراضي الجديدة إلي ترسيخ الرأي العام وراء أهدافه. بعد أسبوع انتشرت فيه الشكاوي والاحتجاجات بشأن التعبئة الجزئية سيئة التنفيذ.
ولقد تمتع الرئيس الروسي بشعبية عالية بعد ضم شبه جزيرة القرم بعد ما يسمي بـ"استفتاء" مماثل في عام 2014. لكن الكثير قد تغير منذ ذلك الحين. فروسيا مثقلة بالعقوبات. وستؤدي عملية الضم إلي المزيد. وتكبدت ما لا يقل عن 70 ألف ضحية في أوكرانيا. وفقا لمسئولين أمريكيين وفي الناتو.
وقال أناتول ليفين. مدير برنامج أوراسيا في معهد كوينسي. إن هدف بوتين الحقيقي هو إقناع الولايات المتحدة والأوروبيين بأن يكونوا جادين في التفاوض علي تسوية لإنهاء الحرب من خلال إظهار أنه بخلاف ذلك. فإن روسيا ستتخذ خطوات تصعيدية جذرية لن تجبر الغرب فقط علي التصعيد. ولكنها ستستبعد أيضا أي سلام محتمل لفترة طويلة مقبلة.
وإذا كان الأمر كذلك. فقد يصاب بوتين بخيبة أمل. فليس هناك ما يشير إلي أن أوكرانيا أو الحكومات الغربية تستجيب لمثل هذا التحذير. فقد أعلنت الولايات المتحدة عن مجموعة أخري من الأسلحة عالية التقنية لأوكرانيا. بما في ذلك المزيد من وحدات نظام الصواريخ "هيمارس". والتي غيرت ساحة المعركة.