إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي أقرب من أي وقت مضي
بعد مرور خمسة أشهر علي اندلاع شرارة الحرب الروسية
"البريكس" أكبر خطر يهدد النموذج الاقتصادي الغربي
تحل اليوم الرابع والعشرون من شهر يوليو ذكري مرور خمسة أشهر علي اندلاع شرارة الحرب الروسية الأوكرانية والتي شكلت تغييرا لافتا للاقتصاد العالمي ظهر بوضوح في أوضاع اقتصادية أكثر قتامة في معظم الأسواق.
خبراء الاقتصاد
مصر الأقرب انضماما للتحالف الجديد بإمكانياتها وثرواتها المتعددة
دراسة سويسرية
إعادة تقسيم العالم اقتصاديًا بحلول 2040 ليصبح متعدد الأقطاب
يؤكد بعض المحللين أن الحرب الروسية الأوكرانية ما هي إلا ستار لمعركة تدور رحاها منذ فترة طويلة من أجل إعادة تشكيل العالم اقتصاديا وسياسيا بما يتفق وموازين القوي الجديدة وصعود الصين وآسيا بصفة عامة.
في خضم الحرب الروسية الأوكرانية تقاطعت ملفات الغاز والطاقة مع العملية العسكرية في أوكرانيا. وكثر الحديث عن الأضرار الاقتصادية المؤلمة التي باتت تؤرق الغرب نتيجة للعقوبات علي موسكو. والتي رفعت من نسب التضخم المستعر بالفعل في عدد من الدول الغربية.
تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن ان زمن أحادية الجانب قد انتهت لافتًا إلي أن بلدان مجموعة "بريكس" تستعد لإنشاء عملة موحدة كوسيلة للدفع في التسويات الدولية. لمواجهة "أنانية الغرب" ما يراه بعض المحللين خطوة نحو تغيير النظام الاقتصادي العالمي القائم علي هيمنة وانفراد الدولار الأمريكي علي اقتصادات العالم.
توقعت دراسة لمؤسسة "بروجنوز" السويسرية للبحوث والاستشارات انتهاء الهيمنة الاقتصادية الأمريكية والغربية لافتة إلي أن نهاية العولمة التي عرفناها منذ انهيار المعسكر الشيوعي السابق قبل ثلاثة عقود أضحت علي الأبواب. وأن تفرد الدولار الأمريكي بالهيمنة علي الاقتصاد العالمي. بات علي المحك.
رجحت الدراسة أنه سيتم إعادة تقسيم العالم اقتصاديًا بحلول 2040 ليصبح متعدد الأقطاب أو علي الأقل ثنائي القطب بين كتلتين واحدة بزعامة الولايات المتحدة وحلفاؤها والأخري تحت زعامة الصين وحلفائها كروسيا بمؤشرات استفراد الاقتصاد الصيني بالاستمرار في تحقيق النمو في وقت يتراجع فيه هذا النمو في جميع البلدان الصناعية الأخري تقريبًا بمعدلات تتراوح بين 3 إلي أكثر من 7 بالمائة.
في هذا السياق أكد د.جودة عبدالخالق الخبير الاقتصادي أن الاقتصاد العالمي يشهد "مرحلة انتقالية" ما يعني أننا بصدد نظام قائم يتداعي ونظام جديد في طور التشكُل. مشيرا إلي أن الحديث عن تغيير النظام الاقتصادي العالمي "عملية معقدة" لا يمكن التنبؤ بموعدها» فالانتقال من نظام لآخر يستلزم ضربة قاصمة للنظام القائم وعملته» فكما برزت الولايات المتحدة في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية لتصبح سيدة العالم ويصبح الدولار سيد العملات الدولية كسأس لنظام النقل الدولي بموجب اتفاقية "بريتون وودز" المبرمة عام 1944 يحتاج الانتقال إلي نظام متعدد الأقطاب إلي ضربة قاصمة للدولار الأمريكي.
أضاف ان السؤال هنا هل تلقي الاقتصاد العالمي المرتكز علي أمريكا وعملتها الدولار ضربة عنيفة تستوجب تحولًا في النظام الاقتصادي العالمي. الإجابة ليس بعد. لكن المؤكد هو تراجع القوة الأمريكية» فعسكريًا أدي استمرار أمريكا في عدوانها والحروب التي خاضتها في وجهات متعددة كفياتنام والعراق وأفغانستان وإنشائها 800 قاعدة عسكرية حول العالم إلي استنزاف جزء من قوتها. واقتصاديًا تلقي الدولار ضربات متلاحقة تمثلت في ابرام اتفاقيات ضخمة بين دول البريكس لتسوية المدفوعات بينهم بالعملات الوطنية. بديلا عن الدولار؟ وعجز الفيدرالي الامريكي عن الاستمرار في لعبة طبع الدولار كالمعتاد واصطراره إلي تقليل السيولة بالأسواق ورفع سعر الفائدة لمواجهة التضخم الذي قفز فوق 8.5% ولأول مرة منذ أربعين عاما» كما أن الميزان الاقتصادي بدأ يتحول في غير صالح أمريكا بدليل تراجع نسبة الانتاج المحلي الأمريكي من إجمالي الناتج العالمي لـ17% بالمقارنة بأعلي من 25% في أعقاب 1944. وذلك إلي جانب صعود الصين التي تؤكد الدراسات أنها ستتجاوز الولايات المتحدة قبل 2030 بمعيار نسبة ناتجها المحلي من الناتج العالمي. كما أن مؤشر نصيب الصين في التجارة العالمية الذي يتراوح بين 17% و18% يزيد عن نصيب الولايات المتحدة والذي يبلغ نحو 15%.
يعود مركز الدولار الأمريكي إلي ما بعد الحرب العالمية الثانية» إذ عقدت الولايات المتحدة الأمريكية في يوليو عام 1944 ما اسمته بـ"مؤتمر النقد الدولي" الذي اعقبه توقيع 44 دولة علي اتفاقية "بريتون وودز" لاعتماد الدولار كعملة ارتكاز دولية. معتبرين أن ذلك يستهدف استقرار النظام العالمي المالي وتشجيع إنماء التجارة بعد الحرب العالمية الثانية. لكن ذلك أدي مع مرور الوقت إلي اغتيال عملات اقتصادات أخري كان لها دور في التسويات قبل النظام الجديد وأصاب العديد من الدول النامية. التي تقع تحت مطرقة الديون وخدمتها بإوجاع مالية ونقدية واقتصادية قاسية ولا تزال تعاني فمع كل تضخم ورفع لأسعار الفائدة ترتفع كلفة عبء سداد الأقساط والفوائد علي دول عاجزة أصلا عن أن تسدد بالأسعار السابقة.
هل تنجح روسيا والصين في صياغة نظام اقتصادي غير قائم علي هيمنة أمريكا والدولار فقط؟
هل نتجه نحو عالم متعدد الأقطاب ؟
في السياق ذاته قال ناصر زهير. استاذ الاقتصاد السياسي أن العالم قد يتجه نحو عالم متعدد الأقطاب موضحًا روسيا والصين لا تستطيعان خلق نظام عالمي غير قائم علي أمريكا والدولار لكنهما يمكنها بمساعدة مجموعة "بريكس" تضم الي جانب روسيا و الصين كلا من الهند و جنوب افريقيا والبرازيل التحول نحو نظام اقتصادي عالمي جديد ثنائي القطب أو متعدد الأقطاب بمعني أنه سيكون هناك روسيا والصين مع بعض دول بريكس والدول التي لا ترغب في انفراد الولايات المتحدة بالاقتصاد العالمي. من جانب وأمريكا وداعميها في الغرب من جانب آخر.
أضاف زهير أن عدم الاعتماد علي الدولار كعملة دولية يحتاج المزيد من الوقت ويحتاج إلي استراتيجيات اقتصادية جديدة: كونه لا يوجد بديل قوي له في الوقت الراهن".
سعي لإنهاء اغتيال العملات المحلية لصالح الدولار
مؤخرًا بدأت روسيا والصين في تنفيذ سياسة التخلي عن الدولار لصالح عملتيهما المحللية وعملات أخري. من جهة أخري تتبع روسيا بعض الاستراتيجيات الاقتصادية الجديدة كالدفع تنويع التحالفات مع عدد من البلدان العربية. كما شهدنا مع مصر والمملكة والانفتاح علي إفريقياـ وواعتماد الروبل عملة رسمية لتصدير الغاز الروسي. ويقول زهير: إن هذه الاستراتيجيات ليست كافية موضحًا :"تؤكد الدراسات أن إفريقيا باتت ساحة حرب قادمة بالنسبة للكيانات السياسية والاقتصادية الكبري كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي وفرنسا وأيضًا بعض الاقتصادات النامية في المنطقة العربية» لذا علي روسيا ألا تعتمد فقط علي الدعم والتعاون السكري لإفريقيا» بل تنفتح علي مزيد من الاستراتيجيات في مجال الطاقة وبناء سياسات اقتصادية متعددة الوجهات. .أيضًا فانه في حال توقف إمداد الغاز الروسي إلي أوروبا سيقود ذلك إلي ضغف الروبل مجددًا.
مختتمًا : يجب أن تنتهي سياسة إنهاء واغتيال العملات المحلية لصالح الدولار لأن ذلك يهدم الاقتصادات الوطنية للعديد من البلدان ولن يتم ذلك أو يجب إلا يتم ذلك إلا عبر توافق يحقق عدالة التبادلات الدولية وسهولة التجارة والاستثمار
روسيا والصين.. عقود من المحاولات
هنا يشار إلي أنه منذ تفكك الاتحاد السوفيتي في تسعينات القرن الماضي ـ اتجه العالم نحو النظام "أحادي القطب"» وأساسه من الناحية الاقتصادية تحرير التجارة وتحرير سعر الصرف والخصخصة ما دعم واشنطن بالتفرد كقوة مهيمنة علي العالم. وبالتالي عدم تكافؤ دول شمال العالم وجنوبه علي الصعيدين الاقتصادي والسياسي- ومنذ ذلك الحين تجمع روسيا والصين كقوي ناشئة-علاقة وطيدة. في محاولة لإعادة التوازن للنظام الاقتصادي العالمي وجعله متعدد الأقطاب.
في العقود الثلاثة الماضية تنامت الروابط بين موسكو وبكين. عملت الحليفتان الاستراتيجيتان علي تدشين تكتل "بريكس" للاقتصادات الناشئة. الذي بدأ بـ4 بلدان عام 2006 هي الصين وروسيا والهند والبرازيل قبل أن تنضم جنوب أفريقيا في العام 2011.
"بريكس".. قوة اقتصادية تهدد مبدأ التفرد وابتلاع الدولار للعملات
حسب ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف فإن تكتل تكتُّل "بريكس" Brics للأسواق الناشئة. لم يلق ترحيبًا من بعض التكتلات الكبري- مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بل تسعي الولايات المتحدة لعرقلة أي محاولات لتقاسم النفوذ الدولي. بما في ذلك التمثيل في المؤسسات الدولية مثل الصندوق الدولي والبنك الدولي. حيث يتعارض ذلك مع استراتيجيتها ومصالحها في العالم.
أضاف لافروف في تصريحات سابقة أن "بريكس" تعد إحدي الركائز الأساسية لتشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب. يلعب دورا هاما في تحقيق الاستقرار الدولي. مشيرا إلي أن حجم الناتج المحلي الإجمالي لدول "بريكس" يشكل نحو ثلث الاقتصاد العالمي وفقا لمؤشر تعادل القوة الشرائية.
لفت الوزير الروسي إلي أن دول "بريكس" تعمل علي رصد احتياطي مالي لدول المجموعة بقيمة 100 مليار دولار. ليكون صمام أمان للدول الخمس في الأزمات. حيث أصبحت دول المجموعة مركزا لجذب العديد من الاستثمارات من الاقتصادات الناشئة. لكن هل تتفوق دول بريكس علي السبع الصناعية الكبري ؟
وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي فإن حجم الناتج المحلي الإجمالي لدول "بريكس". وفقا لتعادل القوة الشرائية يبلغ 44.1 تريليون دولار. فيما يبلغ حجم اقتصادات دول مجموعة السبع الكبري 40.7 تريليون ما يعني أن دول بريكس تتفوق علي السبع الكبري الصناعية حال وضعت استراتيجية اقتصادية موحدة.
قال د.رشاد عبده الخبير الاقتصادي إن كتلة "بريكس" تحمل ثقلا عالميا باعتبارها "مناصرة للتعددية ومعارضة للحمائية". مرجحًا أن الحرب الروسية الأوكرانية ما هي إلا ستارًا تخفي ورائه أمريكا السبب الأساسي لمناطحة روسيا وكذلك الصين. التي باتتا معًا تهددان هيمنتها علي النظام العالمي» معتبرًا أن تسعي أمريكا لتكسير أجنحة موسكو وبكين لتحتفظ بمكانتها كـ"قوة مُهيمنة".
دول "بريكس" يمكنها تهديد مكانة الدولار
بسؤاله حول "العملة الموحدة لبلدان بريكس" التي تحدث عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ختام فعاليات الدورة الـ14 لـ"بريكس" وما مدي تأثيرها علي هيمنة الدولار الأمريكي علي النظام الاقتصادي العالمي. أكد رشاد عبده أن دول بريكس الذين يشكلون قرابة نصف سكان العالم. ويمتلكون ثلث الناتج المحلي العالمي. يمكنهم تهديد مكانة الدولار. حال نُفذوا ذلك باستراتيجية بعيدة المدي. لا سيما في ظل رغبة بعض الدول للانضمام لبريكس. ومن بينهم بعض البلدان العربية علي رأسها مصر.
"بريكس".. قوة اقتصادية صاعدة
متابعًا أن أمريكا تصورت في البداية أن العقوبات الاقتصادية علي روسيا الذي ستوقعها في فخ وتكسر أجنحتها لكنها لم تؤثر كثيرا علي الاقتصاد الروسي بل أدت إلي نتائج عسكية ملقية بظلالها علي معدلات التضخم في البلدان الأوروبية.
زعماء مجموعة "بريكس"
هل تنجح روسيا والصين في صياغة نظام اقتصادي غير قائم علي هيمنة أمريكا والدولار فقط؟
الدولار قاد بعض البلدان لديون ومجاعات
يري المحلل الاقتصادي تعدد قطبية النظام العالمي أمرًا محمودًا. مستشهدًا بأن الخاسر الأكبر في نزاعات الدول الكبري هي الدول النامية. التي باتت مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية ومع رفع الفيدرالي الأمريكي للفائدة مهددة بمقصلة الاقتراض ومن ثم دوامة خدمة الدين وتصاعد معدلات التضخم وصولًا للانزلاق إلي أزمات غذائية ومجاعات.
إقرأ أيضاً