عشر ذي الحجة : نفحات إلهية تجتمع فيها أمهات العبادة
أنت تسأل ودار الإفتاء تجيب
ترد إلي دار الإفتاء المصرية يوميا آلاف الفتاوي سواء علي موقعها الإلكتروني أو بصفحتها علي فيس بوك ويجيب عنها فضيلةُ الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية. رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم.
* ما فضل العشر الأول من شهر ذي الحجة وكيف يمكن الاستفادة منها؟
** العشر الأُول من شهر ذي الحجة أيام مباركة بثَّ الله خلالها نفحات إلهية وأشاع فيها الرحمة العامة. وهي تمتاز باجتماع أمهات العبادة فيها بكيفية لا تتأتي في غيرها كالصلاة والصيام والحج والصدقة والحث علي فعل الخير والاجتهاد في الطاعة» ولذلك يستحب المبادرة إلي اغتنام هذا الوقت الفضيل والتعرض لهذه النفحات بمزيد من العمل الصالح وإتقانه. والمشاركة الإيجابية في تنمية المجتمع والنهوض به. ومواساة الفقراء. ومساعدة أصحاب الحاجات وغير القادرين» فهي أعمال أرجي في القبول وأجزل في الثواب» وذلك لكون هذه الخصال من العبادات المتعدية النفع. ولما اختصَّ الله تعالي هذا الزمان بالمزية والتفضيل حيث يفضَّل فعل أي عمل صالح فيه علي فعله في سائر أيام السنة في الأجر والثواب.
* ما شروط الاستطاعة لأداء فريضة الحج؟
** الحجَّ فرض علي كل مكلَّف مستطيع في العمر مرَّةً» قال الله تعالي: "وَلِلَّهِ عَلَي النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيّى عَنِ الْعَالَمِينَ".. والاستطاعة تتحقق -كما ضبطها الفقهاءُ- بقوَّةِ البدنِ وتحمُّلِه. وبأن يأمنَ الحاجُّ الطريقَ. ويُمكِّنه الوقتُ من أداء الحج. وبأن يملك المكلف من الزاد والراحلة ما يمكنه من أداء الفريضة دون تقتير أو إسراف. وأن تكون نفقة الحج فاضلة عن احتياجاته الأصلية ومن يعول من مسكن. وثياب. وأثاث. ونفقة عياله. وخَدَمه. وكسوتهم. وقضاء ديونه. وكذلك عدم وجود موانع من إجراءات منظمة أو قوانين.
* ما حكم الحج بالتقسيط؟
** من المقرَّر شرعًا أن ملكية نفقة الحج أو العمرة -وهي المُعَبَّرُ عنها في الفقه بالزاد والراحلة- إنما هي شرط وجوبي لا شرط صحة. بمعني أن عدم ملكية الشخص لها في وقت الحج لا يعني عدم صحة الحج. بل يعني عدم وجوبه عليه. فإذا لم يَحُجَّ حينئذي فلا إثم عليه. أما إذا أحرم بالحج فقد لزمه إتمامه. وحَجُّه صحيحى. وتسقط به عنه حجة الفريضة. ولكن لماذا يفتعل المسلم تحقيق شروط الحج. فالمسلم الذي لا يملك نفقة الحج كاملة لن يحاسبه الله عزَّ وجلَّ علي عدم قيامه بالحج. فالله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
* أيهما أولي الحج مرة أخري نفلا أم مساعدة المحتاجين؟
** المفتَي به في هذه الآونة أن كفاية الفقراء والمحتاجين وعلاج المرضي وسد ديون الغارمين وغيرها من وجوه تفريج كرب الناس وسد حاجاتهم مقدَّمة علي نافلة الحج والعمرة بلا خلاف. وأكثر ثوابًا منها. وأقرب قبولا عند الله تعالي. وهذا هو الذي دلَّت عليه نصوص الوحيين. واتفق عليه علماء الأمة ومذاهبها المتبوعة. وأنه يجب علي أغنياء المسلمين القيام بفرض كفاية دفع الفاقات عن أصحاب الحاجات. والاشتغال بذلك مقدَّم قطعًا علي الاشتغال بنافلة الحج والعمرة.
ولا يجوز للواجدين إهمال المعوزين تحت مبرر الإكثار من النوافل والطاعات» فإنه لا يجوز ترك الواجبات لتحصيل المستحبات. ولا يسوغ التشاغل بالعبادات القاصرة ذات النفع الخاص وبذل الأوقات والأموال فيها علي حساب القيام بالعبادات المتعدية ذات المصلحة العامة. وعلي مريد التطوع بالحج والعمرة السعيُ في بذل ماله في كفاية الفقراء وسد حاجات المساكين وقضاء ديون الغارمين قبل بذله في تطوع العبادات. كما أن تقديم سد حاجات المحتاجين وإعطاء المعوزين علي التطوع بالحج أو العمرة ينيل فاعلها ثواب الأمرين معًا.
* ما رأي الدين في تقديم الزواج علي الحج أو الحج علي الزواج؟
** يجب دراسة كل حالة علي حدة. فربما يكون تقديم أحدهما أنفع لصاحبه في حالة دون أخري. كما أنصح مَن عليه دَين أن يسده قبل قيامه بالحج إبراءً للذمة.
* قامت والدتي بتقديم أوراق الحج قبل وفاة والدي. وبعد الوفاة حصلت علي التأشيرة وقامت بدفع الرسوم. ولن تستطيع استردادها حال عدم ذهابها.پمع العلم أنَّ والدي لم يمانع من سفرها إلي الحج»پفما حكم خروجها لأداء الحج أثناء العدة؟
** يجوز لوالدة السائل أنپتسافر للحج في العدةپما دامت قد سدَّدت رسوم الحج ونفقاته. ولم يَعُدْ بإمكانها استردادُها» لأنَّ اختيارها والإذن لها بالسفر ودفعها لنفقات الحج الباهظة التي لا تُسْتَرَدُّ هو بمثابة دخولها في السفر ومُضِيِّها فيه. ولاسيما أنها قد دخلت في مقدماته في حياة الزوج وبإذنه.پولاشك أن درء المشقة الحاصلة من تفويت الحج أعظم من جلب مصلحة الاعتداد في المنزل. لذا كان تقديم الحج أَوْلَي.
* هل يجوز للمُحْرِم أن يمسَّ شيئًا من الطيب؟
** مسُّ الطيب للمُحرِم مُحرَّم» فالمُحْرِم ممنوعى من استعمال الطيب في بدنه. أو في إزاره. أو ردائه. وجميع ثيابه. وفراشه. ونعله. حتي لو عَلِق بنعله طِيبى وجب أن يبادر لنزعه. ولا يضع عليه ثوبًا مسَّه الوَرْسُ أو الزعفران -نوعان من الطيب-. أو نحوهما من صبغ له طيب. كذلك لا يجوز له حمل طِيب تفوحُ رائحته» فقد أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قام رجل فقال: يا رسول الله. ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبي صلي الله عليه وآله وسلم: "لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ وَلا السَّرَاوِيلاتِ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلا الْبَرَانِسَ إِلّا أَنْ يَكُونَ أَحَدى لَيْسَتْ لَهُ نَعْلاَنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ. وَلا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانى وَلا الْوَرْسُ".. فمتي طيَّب مُحْرِمى ثوبه أو بدنه أو شيئًا منهما» حرُم وفَدَي.
* أبلغ مِن العمر اثنين وثمانين عامًا. وأريد تأدية فريضة الحج. لكن أُعالَجُ مِن مرض القلب وأتعاطي له العلاج علي الدوام.. فهل يجوز لي أن أُنِيبَ غيري لأداء الفريضة؟
** ما دمتَ غير قادري صحيًّا علي الحج -وهو ما يُسمِّيه الفقهاء بالمعضوب-. فإنه يجوز لكَ شرعًا أن تُنِيبَ مَن يحج عنكَ مِمَّن يكون قد حجَّ عن نفسه» سواء أكان ذلك بأجري أم بغير أجري.
* ما حكم الجمع بين نية العقيقة والأضحية. أو بين نية الشكر علي النعمة التي تحصل للإنسان وبين الأضحية؟
** يجوز الجمع بين الأضحية والعقيقة في بقرة أو بدنة علي ألا يقل نصيب كل واحدة منهما عن سُبع الذبيحة. ولا مانع لمن لا يملك ثمن العقيقة والأضحية معًا أن يجمع بينهما بنية واحدة في ذبيحة واحدة إن وافق وقت العقيقة وقت الأضحية» تقليدًا لمن أجاز. ومن فقهاء الشافعية من جوز الجمع بين الأضحية والعقيقة. ورأي ذلك وجيهًا» تخفيفًا علي من لا يملك ثمن العقيقة والأضحية معًا. ولا يريد أن يُقَصِّر فيما شرعت الشريعة من نسك.
* هل يجبُ الحجُّ بمجرد وجود الاستطاعة. أم يجوزُ التأجيل؟ وما حكمُ من مات غنيًّا ولم يؤدِّ فريضةَ الحج؟
** علي المستطيعِ للحج ماليًّا وبدنيًّا المبادرةُ والتعجيلُ إلي ذلك علي سبيلِ النَّدْبِ والاستحباب. فإن غلب علي ظنِّه السَّلامةُ والاستطاعةُ بعد ذلك. جاز له تأخيرُه ولا إثْمَ عليه. وإن أدَّاه وقع أداءً لا قضاءً. ويتضيق هذا الوجوب بسبب غلبة الظن بالموت بظهور المرض أو الهَرَم.
أما من كان مستطيعًا وماتَ قبل أدائه فلا يخلو من أن يكونَ قد مات عن وصيَّةي وله ترِكَةى» فيُحَجُّ عنه وجوبًا من ثُلُث ماله علي ما ذهب إليه الحنفيَّة والمالكيَّة. ومن جميعِ ماله علي ما ذهب إليه الشافعيَّةُ والحنابلةُ.. أو يكون قد مات من غير وصيَّةي وكان له ترِكَةى» فلا يلْزَمُ ورثَتَه الحجُّ عنه. بل يستحبُّ» خروجًا من الخلاف. ومثله من مات ولم يكن له تركَةى ولم يوصِ.