مساكن أسوان.. صداقة للبيئة بدون خيار
إن مساكن أهل أسوان الكائنة أعلى التلال لهي صداقة للبيئة وإعمار استنشقت حروفه الهواء النقي فصارت ملهمة لكل محب للنقاء والجمال ومدرك لعظمة المتعايشين مع ظروفهم القاسية..
إن الذي يرتحل إلى أرض أسوان الطيبة التي تختلط بطينتها نقاء وسمرة أهلها الطيبين، ليجد خلال رحلته إليها تلالاً موازية على طول السكة الحديد، وخاصة على بعد أميال من مدينة أسوان..
إن الطبيعة الوعرة تلك وعدم وجود متنفس من السهول والأراضي المنبسطة، جعل لا خيار لأهلها إلا أن يسكنوا ويشيّدوا بيوتهم أعلى هذه التلال..
إن الطبيعة القاسية، وعدم توفر مساحات من الأرض جعل الأهالي مضطرين أن يسكنوا ويتعايشوا مع بيئتهم، فصاروا أصدقاءً للبيئة، وهم في ذلك يتفردوا بهذه النعمة وهذه العطية..
نعم؛ هم متفردون وأصبحوا بدون خيار أصدقاءً للبيئة، فهم لم ينتهكوا حرمة أرض زراعية، وأصبحوا أهلاً لنقاء الهواء..
وبالرغم من أن هؤلاء الأهالي قد يكونوا مجبرين أن يقيموا في تلك الطبيعة، إلا أنهم كان في مقدرتهم النزوح عنها إلى أرض منبسطة أخرى لكنهم في رباط مع أرضهم الطيبة، فلقد امتزجوا بها وامتزجت بهم في رباط مقدس..
لقد أثارني واستوقفني مشهد تلك البيوت وتفرده، ولقد صرت منبهراً أثناء رحلتي بالقطار إلى أسوان منذ شهور..
فبينما ترى الناس يتعدون على الأراضي الزراعية، فإن هؤلاء هم أصدقاء للبيئة الوعرة..
من لم يتوقف أمام تلك المشاهد فلقد فاته الكثير..
هنيئاً لمن يصير صديقاً لبيئته، وتحية لكل من يلازم صخور بلدته..
انني أهيب بالدولة أن تنظر إلى هؤلاء المواطنين وتمنحهم نيشاناً، فهم دليل وبرهان على ملازمة الأرض التي ولدوا ونشأوا فيها فصاروا منها ولها وبينهم ميثاق مقدس، وهم مثال يحتذى به، فهم حماة للبيئة، وحماة لمأكلك..
إن المهتمين بالجغرافيا الطبيعية تستهويهم تلك المناطق، لما فيها من تضاريس طبيعية وتفاعل ايكولوجي لأهلها..
ما أجمل أن تتفاعل مع بيئتك، وتتكيف مع ظروفك، بل وتسخرها وتتعايش معها لا أن تثور عليها..
وفي ظل الضغوط الاقتصادية التي نعيشها تلك الأيام نتيجة الصراع الروسي الأوكراني الذي طفت توابعه الاقتصادية سريعاً إلى السطح، وخاصة مشكلة نقص الواردات من القمح.. الأمر الذي يجعلنا نعرف قيمة الأراضي الزراعية، وضرورة عدم التعدي عليها، لأنه ببساطة نحتاج إلى ثمار كل شبر فيها..
ما أصعب أن يكون غذاؤك بعيدا عن موطئ قدمك.. ولابد أن ننتبه لضرورة الحفاظ على الرقعة الزراعية، وتعمير الصحراء، والتكيف مع بيئاتنا، والبعد عن التلوث والازدحام والتمتع بالبيئة النقية..
إن بوصلة الأولويات ذات المؤشر المنطقي والمثبتة داخل عقل الانسان الواعي قادرة على أن ترشده بسهولة إلى كيفية استثمار بيئته ومواردها وما هو الطريق الأمثل لترشيد المتاح واختيار اللحظة الأنسب وما هو أولى وأنفع..
إن الأمة التي تعيقها تضاريسها ووعارتها أو نضرة مواردها أن تحقق نهضتها لهى فاقدة بوصلة التعايش والأولويات والوحدة مع البيئة والمجتمع..
إن المشوشة بوصلتهم فلا يعرفون ما هي الأولويات لهم فاقدي دليلهم الطبيعي للإعمار والنهضة وهم وبال على الحياة !
بقلم د. محمد السيد السكي - الكاتب والروائي واستشاري التحاليل الطبية