لم يكن مسلسل الاختيار في جزئه الثالث مجرد عمل درامي أريد به إمتاع المشاهد وتسليته بل إنه فوق ذلك عمل للتاريخ وشهادة أراد بها صانعوه أن يقدموا رسالة وعي وتنوير للناس حتى يعرفوا حقيقة ما جرى في تلك الفترة الصعبة من عمر الوطن وما ارتكبته جماعات الإرهاب من جرائم آخرها ما قامت به مجموعة من العناصر التكفيرية بالهجوم على نقطة رفع مياه غرب سيناء، وتم الاشتباك والتصدي لها من العناصر المكلفة بالعمل في النقطة؛ مما أسفر عن استشهاد ضابط و10 جنود، وإصابة 5 أفراد، وتأتي هذه العملية الإرهابية الغادرة بعد أن حوصر الإرهابيون لعامين وتم تحجيمهم وفشلوا خلالهما فى تنفيذ أى عمليات تستهدف جيشنا العظيم فى سيناء..ولست أستبعد ما يقوله البعض أن تلك الجريمة النكراء إنما جاءت كرد فعل لما حققه مسلسل الاختيار من نجاح كبير في كشف وتعرية الإرهاب وجماعاته وجرائمه البشعة، وأيضاً لوقف حركة التنمية والعمران التي تشهدها سينا حالياً.
هذا المسلسل بأجزائه الثلاث هو من نوعية الأعمال الدرامية الوطنية إن صح التعبير؛ وهي أعمال فنية نحتاج للإكثار منها لتحصين وعي المواطن في مواجهة تيارات جارفة للتشكيك والطعن في كل شيء من جانب قوى الشر التي تتربص بمصر سوءاً؛ تارة بالشائعات، وتارة بأخبار وتحليلات مضللة تستهدف ضرب الاقتصاد وتخريبه ودفع البلاد نحو الخراب الذي ندعو الله تعالى أن يجنب مصر شرورهم، وأن نتمسك بوعينا سلاحا، وألا نصغي لما يردده هؤلاء الكاذبون الذين لا يعرفون للوطن قيمة ولا حرمة ولا يريدون مصلحته بأي حال.
الاختيار مسلسل وطني بامتياز يبث الحقائق مشفوعة بالأدلة الموثقة صوتاً وصورة؛ لتعميق الشعور بالانتماء للوطن وخصوصاً لدى أجيال لم تعش تلك اللحظة وهي المستهدفة الآن من جماعات الشر التي تحاول تشويه وعيها وحرفها عن مسار الوطن وغاياته وصالحه.
ومن ثم كان طبيعياً أن يلقى هذا المسلسل انتقاداً وهجوما من جانب أعضاء تنظيم الإخوان ومن لف لفهم بعد أن فضحهم وكشف عن جرائمهم وكيف كانوا يدبرون لإحداث فوضى لهدم وحرق مصر..وكان طبيعياً أيضاً أن يثير هذا العمل الدرامي جدلاً أثبت، من حيث لا يدري هؤلاء المجادلون، نجاح هذا العمل ووصوله لقاعدة كبيرة من الناس والتأثير فيهم.
وكم كانت التسريبات التي حواها المسلسل والتي بلغت نحو 25 تسريباً معظمها لاجتماعات ولقاءات سرية لقيادات التنظيم وأنصارهم ، كم كانت كاشفة لحقيقة قيادات الإخوان الذين كان شغلهم الشاغل أن يحكموا مصر بالدم والنار لأعوام طويلة قادمة..وإلى أي مدى بلغت كراهيتهم للجيش والشرطة والقضاء والإعلام بحسبانهم أركان الدولة وأعمدتها الأساسية..بل كانوا ليدبرون لإنشاء جيش مواز على غرار الحرس الثوري الإيراني يكون بمثابة ذراع عسكرية لجماعة الإخوان ثم يتخلصون تدريجياً من من جيش مصر وشرطتها.
المسلسل تابعته الغالبية العظمى بشغف ولهفة لمعرفة ما قدمه رجال الجيش والشرطة من تضحيات وبطولات لافتداء وطنهم الغالي الذي ما زال مستهدفاً في أعز ما يملك.
وأياً ما تكن الانتقادات التي يكيلها البعض ل"الاختيار" وخاصة من جماعة الإخوان التي ترى أنه جاء لتجميل النظام، وبصرف النظر عما أثير حوله من جدل أراه صحياً في بعض جوانبه، وهو ما يحسب للمسلسل لا عليه.. رغم هذا وذاك فإن "الاختيار 3"، ومن قبله الجزآن الأول والثاني، حقق نجاحاً متتالياً وكبيراً ,اسهم في بناء وعي حقيقي لدى المواطن، ويكفيه أبقى الذاكرة الوطنية متقدة واعية بتفاصيل ما جرى في أيام سوداء حكم الإخوان خلالها مصر حتى خرج عليهم شعبها وتخلص من حكمهم بمعاونة جيشه العظيم في أيام مجيدة وهو بهذا المعنى دراما وطنية تغني عن مئات الحوارات والكتب والمقالات، ويصل لكل بيت في مصر.
"الاختيار 3 " كان أفضل وسيلة لتوعية المصريين بحقيقة هذا التنظيم وتلك الجماعة العصابة.. كما كشف لأعضاء التنظيم ومؤيديه حقيقة قياداته الذين دانوا لهم بالطاعة العمياء وفضح تآمرهم على الجميع بمن فيهم تيار الإسلام السياسي نفسه، وتآمرهم على مكونات الدولة المصرية، كما أعاد تذكير الرأي العام، والذكرى تنفع المؤمنين، بجرائم الجماعة التي لن تسقط أبداً بالتقادم.
فكيف يستساغ أن يكون رئيس الجمهورية وهو آنذاك محمد مرسي أن يبقى مجرد شخص يقبع على مكتب الرئيس بينما يملي عليه مكتب الإرشاد قراراته ثم لا يملك حيالها إلا التوقيع عليها فقط دون نقاش ولا مراجعة ..وكيف يكون مقبولاً أن تهدد تلك الجماعة جيش مصر وتستهدفه وتضمر لهذا الشعب شراً مستطيراً.
خيبة أمل كبيرة أصابت المصريين بسبب حكم الإخوان، وأفقدتهم الثقة في تلك الجماعة التي مارست هدما متواصلاً لكل ما أنجزه؛ ذلك أن الجماعة العصابة أرادت السلطة واستحوذت عليها بدعم من الخارج بلا رؤية ولا مشروع سياسي ولا حتى برنامج يملك حلولاً لمشاكلنا المزمنة ولم تقدم دليلاً واحداً على كفاءتها السياسية أو إيمانها بالوطن أو الدولة الوطنية مما دفع شعبنا للثورة عليها لإدراكه أنها جزء من ماضٍ بغيض آن له أن ينتهي، وأنها لن تكون طريقه للمستقبل الذي يرتضيه لنفسه ويتطلع لتحقيقه.
ومن يسترجع ما جرى في العام الذي سقط فيه الإخوان وتنظيمهم وما يقدمه "الاختيار 3" يدرك بوضوح كيف حفظ الله مصر وقيض لها من أبنائها رجالاً يذودون عنها وعن أمتها العربية والإسلامية ضد قوى البغي والشر، رجالاً يحفظون لها هويتها وتماسكها وبقاءها ويصونون للحضارة الإنسانية كلها إرثاً وتراثاً مشرقاً أسهم في خروج أوروبا من ظلام القرون الوسطى إلى نور العلم والنهضة والتطور الذي تجنى البشرية كلها حصاده اليوم.
مشيئة الله وهبت لمصر رجالاً أفذاذاً افتدوا أمتهم في ساعة الشدة والمحنة واختارت لمصر رجلاً وطنياً هو المشير عبد الفتاح السيسي الذي أنقذ مصر وأمتنا العربية بلا مبالغة من براثن تنظيم الإخوان وتنظيمات الإرهاب التي نبتت على جوانبه واتخذها الاستعمار مطية لتفكيك المنطقة وسلب مقدراتها وخدمة أهدافه الخبيثة ضد الإسلام بأيدي بعض من ينتسبون إليه زوراً وبهتاناً ..ولا ننسى أن بلدنا كاد تضيع هويته وتنفصم عراه ولُحمته بفضل هذا التنظيم لولا انحياز الجيش لإرادة المصريين الذي انتفضت ملايينهم في 30 يونيو لإزاحة حكم المرشد وجماعته وقد تحقق ما أرادوا واستعادت مصر استقرارها ودورها عربياً وإقليمياً ومستقبلها الذي كاد يضيع في معترك احتراب أهلي أنقذنا الله منه.
ولا ننسى هنا دور قضائنا الشامخ وحركة تمرد وجانب من إعلامنا وعلى رأسه توفيق عكاشة وقبل هذا وذاك حزب الكنبة الذي حسم الموقف باحتشاد ملايينه في شوارع مصر من أقصاها لأقصاها حتى تبين للعالم أجمع أن هذا الشعب صاحب قراره ويملك القدرة على تقرير مصيره.
ولعله تأكد لنا أن ما سماه البعض بالربيع العربي كان خريفاً مفزعاً تساقطت فيه الأقنعة، وتبين لنا الحق من الباطل والحقائق من الأوهام التي تبددت حين قيض الله لمصر ابنها البار عبد الفتاح السيسي الذي قرر أن يسبح ضد التيار رغم يقينه بمخاطر التجديف ضد تيار كان جارفاً تدفعه أمواج الإخوان والأمريكان ومن جرى في فلكهما من أنظمة وتنظيمات لكلٍ مآربه وأطماعه التي يسعى لتحقيقها..لقد وضع الرجل روحه على كفه غير آبهٍ بما كان ينتظره من مشانق لو فشلت لا قدر الله مساعيه ..ولم يتوان عن بذل مساعيه لتحقيق الوفاق بين جميع الأطراف وقتها ودعوتهم للجلوس على مائدة الحوار ..لكن المكابرة أفضت لما حدث بعدها ..ولست أدري كيف يتجاهل بعض المنتقدين عمداً أو جهلاً مثل تلك المخاطرة في وقت عصيب تخلت فيه الأحزاب عن دورها في قيادة الجماهير للنضال السلمي بل تقاعست عن أداء هذا الدور مطالبة غيرها بخوض معركتها نيابة عنها على طريقة بني إسرائيل الذين قالوا لموسى عليه السلام "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون".
الأدهى أن بعض النخب وطيفاً من الإعلام تماهت في ذلك الوقت مع أجندة الإخوان وآثرت التكيف والتعايش ومن أراد دليلاً على قولي فليرجع لبرامج التوك شو وقتها ..ومن لزم الصمت منهم وقف موقف المتفرج وكأن الأمر لا يعنيه ولم يعبأ بمحاولات بيع مصر لحساب مشروع وهمي صنعه الغرب وغاصت فيه أقدام الإخوان.
لم يكترث السيسي بمصير مأساوي كان ينتظره لو فشلت ثورة 30 يونيو ضد الإخوان لكنه تحرك بوعي وبصيرة المؤمن الواثق بتأييد الله ومعاونة شعب مصر الذي فوضه قائد الجيش وقتها بالتحرك لإنقاذ مصر من دمار لن يبقي ولن يذر ومخططات تقسيم رأينا إرهاصاتها في سوريا والعراق وقبلهما في السودان وليبيا..!!
"الاختيار 3" قام بتوثيق تداعيات ما بعد خروج الملايين إلى الشوارع ضد الإخوان وهي أحداث نرجو لو يسجلها المؤرخون مستعينين بما جرى نشره ليبينوا للناس كيف واجه السيسي محنة عاصفة ومؤامرة تعددت أطرافها وخاض الرجل ولا يزال حرباً ضروساً توقعها وطالب الشعب بتفويضه لمحاربة إرهاب أعمى أعده الإخوان وجهز له من لا يراعي للأوطان حرمة ولا ذمة ..وخاض السيسي ومن معه من قادة الجيش وجنوده ورجال الشرطة معركة الشرف والوطنية في مواجهة عدو خسيس يلقى دعماً لا محدوداً من أطراف وجهات شتى؛ عدو يجيد التخفي ولا يعدم وسيلة للقتل والإرهاب واستهداف جيشنا وشرطتنا استهدافاً مباشراً مباغتاً تارة أو عبر التفخيخ والتفجير الذي وثقه الاختيار بأجزائه الثلاث.
ورغم الجريمة الغادرة التي اقترفها الإرهاب الخسيس مطلع هذا الأسبوع والتي تحدثنا عنها في صدر هذا المقال فإننا نقول باطمئنان إن السيسي نجح في إدارة المعركة ومكافحة الإرهاب واجتثاثه من جذوره حتى انحسرت العمليات الإرهابية إلا من فلول أو ذئاب منفردة هنا وهناك وهي أعداد لا تكاد تُذكر بل سوف تتلاشى وتنعدم؛ ومن ثم فإن الرئيس استحقق مزيداً من ثقة الشعب لما تحقق على يديه من استعادة مصر لدورها ومكانتها المستحق في محيطها صمام أمان لأمتها ..وهو نجاح لم يأت من فراغ بل دفعت مصر فيه ثمناً غالياً تمثل في استشهاد نحو 3500 ضابط وجندي وإصابة الآلاف ناهيك عما تكبدته البلاد من خسائر باهظة جرى تحملها حتى يستقر الوطن.
وكم أرجو أن تحظى ثورة 30 يونيو بتأريخ منصف لن يعدم كاتبوه أدلة دامغة مشفوعة بالوثائق والأسانيد احتوى "الاختيار 3" على كثير منها بين مشاهدته وحلقاته المميزة، كما سيجدون في تحقيقات النيابة وأحكام القضاء الناصعة ما يعينهم على الكتابة التي لا يأتيها التشكيك أو الطعن من بين يديها ولا من خلفها؛ فهي أحكام كاشفة لما جرى في تلك الفترة من أحداث يشيب لها الولدان.
وأتعجب كل العجب مما يدافع به نفر من الإخوان ومن لف لفهم عن مرسي وكأنه شهيد أو ديمقراطي دون أن يقول لنا هؤلاء ماذا نسمي الإعلان الدستوري الإخواني الذي لا يجوز الاعتراض عليه ويجعل أي قرار يصدره مرسي محصناً لا يقبل الطعن عليه ..فعن أي ديمقراطية تدافعون ..وهل نسيتم أن مرسي هاجم القضاة واصفاً إياهم بالمرتشين في خطاب رسمي ..وكيف جرى حصار المحاكم وانتهاك الحريات والديمقراطية في عهد الإخوان ..كيف تدافعون عمن اعتدوا على المتظاهرين السلميين أمام الاتحادية..أليس ذلك انفصاماً وازدواجية ممقوتة..وهل نسيت أن اليأس لم يعرف طريقه للمصريين كما عرفه أيام الإخوان ..وكيف أحدثوا شقاً للصف الوطني وجرحاً للمشاعر الوطنية وتعكيراً للصفو العام حين جاءوا بقتلة السادات ليجلسوا في الصفوف الأولية للاحتفال بنصر أكتوبر..أرأيت كوميديا أكثر سواداً من تلك المهزلة الإخوانية ..وكيف نقبل والحال هكذا ما يطلبه البعض من إشراك الإخوان في الحوار الوطني ..على أي شيء نتصالح ..ومن يملك حق التنازل عن دماء الشهداء ..وهل هناك تصالح تحت تهديد السلاح وابتزاز الدولة وإهدار إرادة شعبها الذي خرجت ملايينه للشوارع في 30 يونيو لإزاحة تلك الجماعة عن حكم مصر..؟!!
وكيف نتصالح مع من أهانوا الوطن..هل نتصالح مع جحافل الإرهاب والمتطرفين وأرباب السجون الذين زرعهم مرسي وجماعته في سيناء ودفعنا ولا نزال ثمناً باهظاً من دم أبنائنا نتيجة جرائمهم ..وكيف نتصالح مع الإخوان الذين عقدوا صفقات الخيانة للتنازل عن أجزاء غالية من وطننا لإقامة وطن وهمي للفلسطينيين في سيناء وهي الصفقة التي فضحها الرئيس أبو مازن في أحد تصريحاته..
لقد كانت فترة حكم الإخوان التي وثقها "الاختيار" وأحكام القضاء كاشفة فضحت من خان ومن باع وطنه ومن ضحى بنفسه من أجل أن يحيا وطننا بلا وصاية ولا هيمنة من أحد..فهل يمكن أن ننسى كل هذه المآسي بين عشية وضحاها..أفيقوا يرحمكم الله؟!