كتب أحد الباحثين المصريين وهو طالب دراسات عليا بأحد الجامعات المصرية، تعليقا على صورة لأحد الباحثين في ألمانيا وهو يناقش رسالة الدكتوراه، وقد لاحظ أن القاعة خالية تمامًا من باقات الورد التي تستقبلك من خارج القاعة وداخلها وعلى جوانبها، وأمام هيئة التحكيم، وأن الطالب وحده على المسرح يشرح مضمون رسالته، وأن هيئة المحكمين جالسون في الصف الأول يستمعون ومعهم بعض أساتذة القسم المهتمين بالموضوع، وقال إن المناقشة هناك تكون في المضمون العلمي للرسالة لا على المسافات بين الأسطر ولا في أبناط الخطوط وحجمها، وأن كل أسئلة المناقشة، منصبة في موضوع الرسالة والغرض منها، علما بأنه مسموح للحاضرين من الجمهور أن يطرحوا أسئلتهم على الباحث لأن الغرض هو التعلم لا إحراج الباحث أو التنمر عليه.
وبعيدًا عن ملاحظات الباحث ومئات الآلاف من الأبحاث العلمية حبيسة الأدراج أو تلك التي تكسوها الأتربة على أرفف مكتبات مراكز الأبحاث والهيئات العلمية الأكاديمية دون أية فائدة عملية لها. فإن رسائلنا العلمية ربما تجدها على سور الازبكية بعشرة جنيهات للرسالة، لمن يريد الاقتباس والنقل وربما السرقة دون عناء التجديد.
الباحث في مقارنته بين مناقشة الرسائل العلمية في بلاد تقدر العلم والبحث العلمي والعلماء، مثل ألمانيا وبين ما قد يحدث عندنا من مظاهر أصبحت مع الوقت شبه بروتكول رسمي، حتي تم استمراء الأمر، وتم إضافة أعباء أخرى فيها مبالغة شديدة مثلما يحدث في جهاز العرائس في الريف وبعض مناطق الحضر التي تتجاوز حدود المنطق والمعقول، مثل تخطي مظاهر الضيافة المقبولة من توزيع عصائر وشيكولاتة على الحضور إلى وجبات سابقة التجهيز في علب تضم سندويتشات فراخ ولحوم بارده وكفتة وأنواع من الجبن كل حسب مقدرته وبعد حصول الباحث على درجته العلمية التي غالبًا لن يستفيد منها المجتمع في شيء وقد كلفته أموالًا طائلة في مظاهر بالية ينتهي الأمر بعزومة محترمة لهيئة المحكمين والدائرة المقربة في أفخر المطاعم على سبيل الكرم والاحتفال.
من حسن حظي أني سافرت إلي جامعات المانيا الكبرى أكثر من مرة بدعوة من الجامعة الألمانية بالقاهرة حيث جامعات أولم، وشتوت جارد، وبرلين، لايبزيج، وغيرها وفي الحقيقة لم أصادف مثيلًا لما يحدث عندنا من مبالغات شكلية قد تطغى على أصل الموضوع خاصة في المناقشات العلمية، "وعصر " الباحث في الشكليات وربما تعمد إحراجه والتنمر عليه كما أشار الباحث وفي النهاية يحصل على الدرجة العلمية التي سعى لها.
أعلم أيضا أن ثمة باحثين يقومون بشراء الأبحاث جاهزة ويذهبون لأداء مناقشة شكلية، بل وأزيدكم من الشعر بيتًا أني في بداية عملي الصحفي تم تكليفي بتغطية مناقشة أحد الرسائل العلمية وكان د. أحمد فتحي سرور رئيسًا للجنة المناقشة وكان وقتها رئيسًا لمجلس الشعب وحين تعجبت من عنفه الشديد على الباحث وكان شخصًا ذا حيثية ومكانة سياسية في ذلك الوقت، أسر لي أحد المقربين جدًا من الدكتور فتحي سرور إنه قبل مناقشة الرسالة لأسباب سياسية وأنه يعلم أن الرجل لديه فريق من الباحثين الشباب يقومون بإعداد الرسائل العلمية له وهو فقط يضع عليها اسمه ويأتي ليناقش ويحصل على الدكتوراه لتضاف إلى رصيده ويسبق اسمه حرف الدال.
أعلم ان لدينا عقبات ومشاكل جمة تقنية وأكاديمية وقانونية ومالية ولا يجوز المقارنة بأي حال من الأحوال بين البحث العلمي في أوروبا وأمريكا والدول المتقدمة وبيننا، وأعلم ان لدينا قامات علمية يشار لها بالبنان في الخارج تدير جامعات أوروبا وكندا، وقامات في الداخل تنأى بنفسها واسمها عما يحدث من ممارسات سلبية على أرض الواقع، لكن هذا لا ينفي أن ثمة أوضاعًا تم إقرارها بحكم العادة وبدعوى كرم الضيافة، أو غيرها من الأسباب لكنها من وجهة نظري لا تليق.
يجب مصارحة أنفسنا بضرورة أن يكون الإصلاح من الداخل كما يحدث في جهاز القضاء، ويجب أن يشارك أعضاء هيئات التدريس برؤيتهم في ذلك الإصلاح، وكما تمت تعديلات علي قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 في يناير الماضي تمنح وزير التعليم العالي تعديل نظام الامتحانات في ظل فيروس كورونا لوضع بدائل أو أكثر للتقييم بما يضمن استكمال العملية التعليمية، فإن البحث العلمي والرسائل العلمية وما أصابهم من أمراض اجتماعية أولى بالتدخل السريع.