في اللحظة التي تفتح فيها عينيك كل صباح، تظن أنك تبدأ يومك من نقطة الصفر. تمد يدك إلى الهاتف، تختار خبرًا، تؤجل رسالة، تشرب قهوتك بالطريقة نفسها التي اعتدت عليها، ثم تمضي إلى عملك أو إلى موعدك أو إلى ذلك القلق الذي ينتظرك منذ الليل. يبدو كل شيء صادرًا عنك. أنت الذي قررت أن تنهض، وأنت الذي اخترت القميص، وأنت الذي قلت لنفسك: سأبدأ اليوم بداية مختلفة. لكن، تمهّل قليلًا. من الذي اتخذ القرار فعلًا؟ أنت، أم العادات التي سبقتك إلى جسدك؟ أم ذاكرة قديمة لا تزال تحركك من وراء الستار؟ أم خوف صغير تعلمت منذ طفولتك أن تسميه «حكمة»؟
نحن نحب فكرة أننا أسياد أنفسنا. تمنحنا هذه الفكرة هيئة نبيلة أمام المرآة؛ تجعل أخطاءنا اختيارات، وانفعالاتنا مواقف، وضعفنا ظروفًا عابرة. غير أن الوعي، ذلك الضوء الذي نفتخر بأنه يكشف الأشياء، قد يكون أحيانًا بارعًا في إخفائها. فهو لا يكتفي بأن يريك ما فعلت، بل يمنحك بعد الفعل قصة مقنعة عن سبب فعلك. كأن في داخلك مخرجًا سينمائيًا يصل متأخرًا دائمًا، فيرى المشهد مكتملًا، ثم يكتب له حبكة توهمك بأنك كنت تعرف منذ البداية إلى أين يتجه.
تأمل غضبك في آخر مشادة خضتها. قبل أن ترتفع نبرتك، كان جسدك قد سبقك: نبض أسرع، عضلات مشدودة، حرارة تصعد إلى الوجه، وكلمات تتجمع في الفم كأنها عثرت على طريقها من تلقاء نفسها. ثم جاء الوعي ليقول: «أنا غاضب لأن الطرف الآخر تجاوز حدوده». ربما كان محقًا، وربما كان يجمّل جرحًا أقدم من تلك المشادة بكثير. ربما لم يكن غضبك دفاعًا عن كرامتك، بل دفاعًا عن صورة تريد أن يصدقها الآخرون عنك، أو عن طفل داخلي لم يتعلم بعد كيف يحتمل أن يُساء فهمه.
هنا تبدأ الحيلة الكبرى. نحن لا نعيش داخل عقولنا كما نتخيل؛ نحن نصل إليها غالبًا بعد أن تكون قد بدأت العمل. الرغبة تظهر قبل تفسيرها، والنفور يسبق حجته، والاختيار يلمع في الداخل قبل أن نكتشف له أسبابًا نرتبها في جملة أنيقة. لا يعني هذا أن الإنسان بلا عقل أو أنه حجر تدفعه الرياح، بل يعني أن الصورة البسيطة التي رسمناها لأنفسنا ــ صورة القائد الجالس في غرفة التحكم ــ قد تكون ناقصة. لعل الوعي ليس الملك الذي يصدر الأوامر، بل الراوي الذي يحاول أن يفهم ما حدث في مملكة مزدحمة، تتقاطع فيها الذاكرة والجسد واللغة والخوف والرغبة.
وإذا كان الأمر كذلك، فكم من قراراتك التي تسميها «أنا» كانت في الحقيقة صدى لأصوات لم تخترها؟ الأسرة التي علمتك ما ينبغي أن تحب، والمدينة التي زرعت فيك تعريفًا معينًا للنجاح، والرفاق الذين جعلوا السخرية من الضعف قانونًا غير مكتوب، والجرح الذي أقنعك بأن القسوة نوع من القوة. أنت لا تدخل العالم حاملًا ذاتًا مكتملة، بل تتشكل في أثناء سيرك، مثل طريق لا يظهر إلا تحت أقدام العابرين. كل خطوة تترك أثرًا، وكل أثر يضيّق بعض المسارات ويفتح بعضها الآخر، حتى تصل ذات يوم إلى مكان تظنه اختيارك الخالص، مع أنه حصيلة تاريخ كامل لم تكتبه وحدك.
قد يبدو هذا الكلام قاسيًا، كأنه ينتزع منك آخر ما تملك: حقك في أن تقول «أنا اخترت». لكنه قد يكون، على نحو مفارق، بداية حرية أكثر صدقًا. فالإنسان لا يتحرر حين يتخيل أنه مستقل عن كل شيء، بل حين يرى الخيوط التي تشده. لا تستطيع أن تقطع حبلًا لا تراه، ولا أن تفاوض خوفًا تصر على تسميته قدرًا، ولا أن تغير عادة ما دمت تدافع عنها بوصفها جزءًا من شخصيتك. الوعي الحقيقي ليس أن ترفع راية الاستقلال في وجه الكون، بل أن تنظر إلى داخلك طويلًا حتى تميز بين صوتك وصدى الآخرين.
حين تعرف أن قرارك يتأثر بجسدك، لا تصبح أقل إنسانية؛ تصبح أكثر انتباهًا. وحين تكتشف أن رغباتك لها تاريخ، لا تفقدها بالضرورة؛ ربما تتعلم للمرة الأولى أن تسألها إلى أين تقودك. وحين تدرك أن اللغة التي تصف بها نفسك ليست بريئة تمامًا، تستطيع أن تفتح نافذة في الجدار الذي بنيته الكلمات حولك. لن تتحول إلى كائن حر حرية مطلقة، فليس هناك إنسان يقف خارج الزمن والجسد والمجتمع والصدفة. لكنك قد تنتقل من كونك دمية تتحرك بخيوط خفية إلى كائن يلمح الخيوط، ثم يختبرها، ثم يختار أحيانًا ألا يطيعها.
لهذا لا تسأل نفسك فقط: «ماذا أريد؟» اسأل سؤالًا أكثر إزعاجًا: «من الذي جعل هذا الشيء مرغوبًا عندي؟» لا تكتفِ بأن تقول: «أنا غاضب». اقترب خطوة واسأل: «أي جرح يتكلم الآن؟» وحين تعلن أنك اتخذت قرارًا حرًا، لا تُسرع إلى الاحتفال؛ انظر خلف القرار، إلى الخوف الذي صاحبه، وإلى العادة التي دفعته، وإلى الصورة التي حاول أن يحميها. قد تكتشف أن الحرية ليست بابًا واسعًا فُتح لك منذ الولادة، بل شق صغير في جدار الوعي، يتسع كلما امتلكت شجاعة النظر.
وربما كانت المفارقة الأجمل أن خديعة الوعي لا تنتهي حين نكتشفها. نحن نظل أسرى جزئيًا، ونظل قابلين للتأثر، ونظل نروي لأنفسنا قصصًا مريحة. لكن الفرق أن القناع، بعدما رأيته مرة، لن يعود ملتصقًا بوجهك تمامًا كما كان. ستبدأ في الشك في يقينك، لا لكي تهدم نفسك، بل لكي تستعيدها قطعة قطعة. وعندها، في تلك المسافة الصغيرة بين الدافع والاستجابة، قد تلمح شيئًا يشبهك حقًا؛ ليس سيدًا مطلقًا على الكون، ولا دمية بريئة في مسرحه، بل إنسانًا يتعلم، للمرة الأولى، كيف يمسك طرف الخيط.
*****************************
بقلم/ محمد جادالله
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
[email protected]