الخبير الدولي و الأستاذ بجامعة حلوان و رئيس شعبة الميكانيكا
يمثل قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإلغاء مذكرة التفاهم (الاتفاق الإطاري) مع طهران تحولاً جوهرياً في مسار التفاعلات الإقليمية والدولية. هذا الإجراء يتجاوز كونه مجرد تراجع عن تفاهمات سياسية، ليصبح خطوة استراتيجية تعيد صياغة قواعد الاشتباك والمناورة بين واشنطن وطهران من جهة، وبين الإدارة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين من جهة أخرى.
اختيار ترامب لقمة الناتو في أنقرة كمنصة لتقويض الاتفاق الإطاري يحمل دلالات رمزية وعملية بالغة الأهمية. فهو يعني تحويل الملف الإيراني إلى تحدٍ أمني مباشر يمس صلب العقيدة الأمنية والاقتصادية للحلفاء، وأن حالة عدم الاستقرار في مضيق هرمز سوف تتصاعد. هذه الإشارة تضع الحكومات الأوروبية أمام واقع مرير يتلخص في أن أمن الطاقة لديهم سيتعرض لتهديدات مستمرة.
فواشنطن عبر هذا الضغط الاقتصادي والأمني تحاول إبلاغ الحلفاء أن ثمن الحياد أو الرفض سيكون باهظاً جداً على أمنهم القومي واقتصاداتهم، وأن عليهم مراجعة حساباتهم والالتحاق بالاستراتيجية الأمريكية الرامية لتطويق النفوذ الإيراني.
ربما هناك أيضاً جانب شخصي فيما يتعلق بسلوك ترامب الذي يعتمد على مبدأ المعاملة بالمثل في العلاقات الدولية والتحالفات العسكرية. حيث جاء هذا الإعلان وكأنه تصفية حسابات مع الأوروبيين الذي اتسم موقفهم بالخذلان من وجهة النظر الأمريكية خلال الحرب الأخيرة على إيران.
إلغاء الاتفاق يمثل تحولاً جذرياً من الدبلوماسية التقليدية إلى سياسة حافة الهاوية والضغط الخشن. ويسعى ترامب إلى تحويل أزمة الشرق الأوسط إلى معضلة أوروبية داخلية، رابطاً بين أمن الطاقة في مضيق هرمز ومدى استجابة العواصم الأوروبية للمطالب الاستراتيجية الأمريكية، بما يعيد ترتيب موازين القوى والالتزامات داخل حلف الناتو.
من منظور البراغماتية السياسية للإدارة الأمريكية فإن تفكيك المعضلة الإيرانية واستعادة زمام المبادرة يعتمد في المقام الأول على التخلص من الاتفاق الإطاري الذي تسبب في انقسامات حادة في الداخل الأمريكي وكذلك بين ترامب وحليفه بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني. وفي المقام الثاني إعادة توزيع مسؤولية الملفين الرئيسيين، "النووي" و"مضيق هرمز"، وإسناد إدارتهما إلى الأطراف الأكثر ارتباطاً بهما، حيث أصبح الأول في عهدة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما تسعى واشنطن إلى إلقاء عبء الثاني على دول الاتحاد الأوروبي.
يترتب على ذلك تحرر الإدارة الأمريكية من الالتزامات المقيدة لها، وأنها لم تعد مضطرة لربط جميع الملفات ضمن إطار تفاوضي واحد، وهو ما يمنحها مرونة أكبر في التعامل مع كل ملف على حدة، وإعادة توزيع أعبائه السياسية، والأمنية، وفقاً لأولوياتها، ومصالحها.
على الجانب الإيراني، سيكون لخطوة ترامب انعكاسات سلبية داخل أجنحة الحكم المتصارعة، فإلغاء التفاهمات يمثل ضربة مباشرة لفرص بناء الثقة المفقودة بين طهران وواشنطن، مما يُحدث ارتدادات سريعة على هيكل صنع القرار في إيران.
وأخطر تلك الارتدادات إضعاف الجناح الدبلوماسي الأكثر انفتاحاً على مسار التفاوض، الذي يمثله الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته، حيث ستسبب له حرجاً سياسياً بالغاً. هذا الإلغاء يظهره بمظهر العاجز عن انتزاع ضمانات دولية مستدامة، ويقلل من جدوى المسارات الاستراتيجية القائمة على التهدئة والدبلوماسية.
في الوقت نفسه يعزز القرار موقف التيار المتشدد، حيث يمنح الحرس الثوري مبررات قوية للتصعيد تستند إلى سردية قديمة ومتجددة مفادها أن الإدارات الأمريكية لا يمكن الوثوق بتعهداتها، مما يدفع نحو مواقف أكثر راديكالية تجاه الحرب والمواجهة العسكرية واستهداف القواعد الأمريكية والغربية في منطقة الخليج.
وفي تلك الأجواء ستزداد احتمالية انتقال أطراف وشخصيات من المعسكر المعتدل إلى الجناح المتشدد، نتيجة القناعة السائدة هناك بعدم جدوى تقديم تنازلات دون مقابل مضمون، في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية.
خطوة ترامب سيكون لها أيضاً أبعاد دراماتيكية على المشهد الإقليمي، حيث يؤسس إلغاء مذكرة التفاهم لسيناريو جيوسياسي جديد يعيد توزيع الأدوار الأمنية والكلفة العسكرية في المنطقة.
مع التصعيد المحتمل حول مضيق هرمز، سيكون هناك حاجة إلى صياغة معادلة لأمن الطاقة الأوروبي، بما في ذلك إجبار حلف الناتو على الانتقال من دور المراقب أو الحليف الخلفي إلى الانخراط المباشر لحماية مصالحه الحيوية، مما يجعله في خط المواجهة الأول مع إيران ويخفف في الوقت نفسه من العبء العسكري والمالي عن واشنطن.
تداعيات هذا التطور ستضع أيضاً دول الجوار تحت ضغط مباشر ومستمر من الجناح الإيراني المتشدد، بما يرسخ الحاجة إلى مظلة حماية خارجية أو ترتيبات دفاعية جديدة. وستكون دول الخليج، على وجه الخصوص، أمام ضرورة إعادة صياغة تفاهماتها الأمنية والعسكرية، والبحث عن شركاء إقليميين لمواجهة التجاوزات الإيرانية، بما يقلل تدريجياً من اعتمادها اليومي والمباشر على القوات الأمريكية في الأوقات الاعتيادية.
لكن لا يعني هذا السلوك تراجعاً أو تخلياً أمريكياً عن الحلفاء، بل هو تطبيق عملي لعقيدة "أمريكا أولاً"؛ حيث تترك واشنطن الأطراف الأخرى (الناتو، الشركاء الإقليميين، إيران) تستنزف قدراتها سياسياً وعسكرياً، لتتدخل الإدارة الأمريكية فقط في "اللحظة المناسبة" لحسم الأمور وفق شروطها وبأقل كلفة سياسية وبشرية ممكنة.
وتدرك معظم الأطراف المنخرطة في هذا الصراع (سواء في طهران أو عواصم المنطقة أو بروكسل) أن أي ترتيبات مؤقتة أو تحالفات ناشئة لا يمكنها فرض حل نهائي، وأن مفاتيح الحسم الاستراتيجي، صعوداً نحو الحرب أو هبوطاً نحو تسوية كبرى، تظل إلى حد كبير في يد البيت الأبيض عندما يقرر التدخل مستنداً إلى تفوقه العسكري المطلق.
في الحقيقة فإن خطوة إلغاء مذكرة التفاهم لم تكن مجرد أداة ضغط اقتصادي أو سياسي تقليدية قد تفشل في تحقيق أهدافها، بل هي إعادة تموضع استراتيجي. تهدف هذه الخطوة إلى تبرئة ذمة الإدارة الأمريكية من قيود الاتفاقيات، وتحميل الأطراف الدولية (الأوروبيين والنظام الإيراني) الكلفة المباشرة لأي تصعيد قادم.
المشهد الجديد الذي يخطط له ترامب يعتمد على "هندسة الأزمات وتوزيع أعبائها" وليس الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران مجدداً. فبدلاً من التورط في اتفاق إطاري يقيد حركته، أو الدخول في حرب منفردة ومكلفة، قام بتدويل كلفة المواجهة مع إيران. وبذلك، تصبح أوروبا وحلف الناتو مجبرين على دفع ثمن حماية أمنهم، وتصبح دول المنطقة مدفوعة لترتيب دفاعاتها ذاتياً، بينما تحتفظ واشنطن بدور "الحكم الاستراتيجي" الذي يملك وحده القدرة على صياغة المشهد الختامي وفرض شروط التسوية النهائية في الوقت الذي يخدم مصالحها القومية.