مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

بالبنط العريض

سلاح مُجرّب في غزة


عندما تقرر شراء سيارة جديدة فأنت بالقطع تقوم بجولة على الشركات و المعارض و تسأل وتتقصى عن جودة وتاريخ السيارة التي عليها العين, وهنا سيتبارى البائعون في أن يخبروك بأن سيارتهم مُجرّبة وحمولة ولا تتعب من السير والمهم أنها "مُجرّبة", لكن إذا ذهبت لشراء سلاح - مع العلم إن اقتناء سلاح يحتاج إلى ترخيص و أوراق قانونية - فهل تتوقع أن يقول لك البائع إنه سلاح حديث وتم تجريبه ميدانيا في القتل أكثر من مرة ولا يتعب من القتل؟! ويقتل الناس بسهولة وأريحية, بالطبع لم يذهب خيالك كمشترى إلى هذه الإجابة أبدا!! ما بالك لو حدثت بالفعل! 
بحسب الكاتبة الإسرائيلية سابير سلوزكر عمران في مقال نشرته صحيفة هآرتس العبرية، تجمع خلال الأسبوع الماضي مئات الأشخاص لحضور معرض تكنولوجيا الدفاع (إسرائيل 2026) وهو أكبر معرض من هذا النوع في إسرائيل منذ بدء حرب الإبادة في قطاع غزة.. تقول الكاتبة وهي قانونية وناشطة في الدفاع عن حقوق الإنسان إنها عثرت على إعلان للمعرض في موقع إخباري اقتصادي، يعلن -من بين أمور أخرى- أن المعرض سيعرض "تقنيات مجرَّبة قتاليا شكَّلت الصراع الأخير".
صياغة الإعلان تؤطر القتال على أنه إنجاز مهني، أما المقصود بأن هذا السلاح "مجرَّب ميدانيا" و"ابتكار تحت النيران"، يعني بوضوح أنه تم اختباره في وضع حقيقي للغاية,  قُتل فيه مئات الأشخاص في يوم واحد، ليرتفع العدد إلى عشرات الآلاف خلال عامين و المقصودبالميدان هنا غزة التي ذاقت كل صنوف القتل لأكثر من عامين على أيدي جيش الاحتلال الإسرائيلي.
الباعة والمصنعون في هذا الإعلان "الشيطاني" الذين يعرضون بضائعهم  يعلنون بلا خجل أن غزة كانت المختبر الذي يمكّنهم من جني المزيد من الأرباح، وأنهم تجار سلاح يربحون من الحرب، وأن الأرقام الوحيدة التي تهمهم هي القيمة السوقية لشركاتهم, و بالطبع لم يذكر الإعلان أي إخفاقات لتلك الأنظمة خلال مرحلة التجربة والخطأ، ولا لأخلاقيات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تقلّص دور الإنسان في اتخاذ القرار وتؤدي إلى قتل غيرالمقاتلين.
اللغة العنصرية, اللا آدمية التي صيغ بها الإعلان في رأيي لاتنفصل عن اللغة السائدة مؤخرا من قبل نتنيياهو وحكومته وتحالفه من اليمين المتطرف, فهؤلاء جميعهم مجرد باعة متجولين للموت في الأراض المحتلة كل بضاعتهم هي القتل بمختلف أنواعه, كما لا تنفصل هذه اللغة أيضا عن الطموحات الاستعمارية المزعومة والروايات الممجوجة عن "إسرائيل الكبرى" و"أرض الميعاد" وما يروجونه عن "أحقية إسرائيل في التهام أراضي جيرانها في الشرق الأوسط" لتتمدد إسرائيل من النيل إلى لفرات,  فلطالما ردد نتنياهو هذه الأماني على أنها مهمة روحية دينية ووطنية ولم يتردد زعيم المعارضة يائير لابيد  في ركوب التريند مؤخرا بمناسبة قرب الانتخابات الإسرائيلية ليتبنى هو الآخر نفس السردية الاستعمارية, بل وصل الأمر إلى أن سفير الولايات المتحدة في إسرائيل القس مايك هاكابي خرج هو الآخر مؤخرا في بودكاست مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون خالعا كل معاطف الدبلوماسية  ليقول أن من حق إسرائيل أن تستولي على الأرض العربية, ضاربا عرض الحائط بكل حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن السلام في المنطقة.  
كل الأديان تعظم حرمة الموت وديننا الإسلامي يعلمنا أن "من قتل نفس بغير نفس فأكنما قتل الناس جميعا" والإنسان بغض النظرعن جنسيته أودينه عند الحديث عن القتل يستحضر كونه إنسان أولا قبل أي شيء, فيتكلم برهبة و خوف, لكن ما فعله المسوقون لهذا المعرض الإسرائيلي يثبت لك بما لا يدع مجالا للشك المعنى الحقيقي ل "الفكرة الشيطانية" ليس فقط في عالم الإعلان, ولكن في الحياة عموما, فكرة ضد كل تعاليم الأديان وقواعد الأخلاق والإنسانية, فأن تقدم قتل عشرات الآلاف في غزة بلا جرم أو ذنب ثلثهم تقريبا من الأطفال على أنه ميزة تسويقية, كأنك تبيع مساحيق تجميل أوأجهزة منزلية, هي فكرة لا يأت بها إلا شيطان رجيم   
الخلاصة: حديث إسرائيل عن التباهي بقتل الفلسطينيين في سلاح معروض للبيع في معرض وتقديمها للقتل بنفس السلاح على أنه حدث بالفعل وهذه ميزة تعزز شراؤه هو نفسه حديثها عن شهيتها الاستعمارية لالتهام الأراضي العربية وتهجيرأصحاب الأرض والحديث عن إسرائيل الكبرى على حساب العرب,إنها نفس العقلية الشيطانية التي لا تعرف سوى الشر.