إنَّ التحديات الدولية الراهنة تفرض إعادة النظر في آليات العدالة الدولية وحقوق الإنسان بما يحقق الإنصاف بين جميع الدول. فالعالم يشهد أزماتٍ متلاحقة وصراعاتٍ معقدة، وهو ما يستدعي نظامًا أكثر توازنًا وعدلًا في التعامل مع هذا الملف الحساس.
كما أن بعض الدول تلجأ إلى منطق القوة لتحدي العدالة، وهو ما يضعف الثقة في المنظومة الدولية. ولا يحق لأي دولة أن تُنصِّب نفسها "قاضيًا" لحقوق الإنسان والعدل الدولي، أو أن تدّعي التفوق المطلق واحتكار الحقيقة. فحقوق الإنسان والعدل الدولي لا ينبغي أن يتحولا إلى أداة لتزيين الشعارات أو وسيلة لتبرير الهيمنة، بل يجب أن يبقيا إطارًا جامعًا يعزز الكرامة الإنسانية ويصون سيادة الدول. كما لا يجوز توظيف حقوق الإنسان للتدخل في شؤون الدول الأخرى وانتهاك سيادتها.
لقد سقط القناع الذي كانت تستخدمه بعض الدول لانتهاك سيادة دولٍ أخرى والتدخل في شؤونها الداخلية وبسط نفوذها وسيطرتها على الآخرين تحت شعار حقوق الإنسان والعدل الدولي.
وهذا يبدو واضحًا الآن عندما ننظر إلى القضايا العالمية الراهنة. ففي غزة، يتابع العالم مشاهد مؤلمة من سقوط ضحايا مدنيين ودمار واسع في البنية التحتية. و هذا يطرح كثيرون سؤالًا مباشرًا: هل تُطبَّق معايير حقوق الإنسان هنا كما تُطبَّق في أماكن أخرى؟ وأين الدول التي كان صوتها يدوي في كل مكان تحت شعار حقوق الإنسان والعدل الدولي والقوانين الدولية ؟
أما في جرينلاند التابعة للدنمارك، فتدور نقاشات حول حقوق السكان الأصليين، والتنمية، والحفاظ على الهوية الثقافية، وهو ما يذكرنا بأن حقوق الإنسان لا ترتبط فقط بالحروب، بل تشمل أيضًا العدالة الاجتماعية والاقتصادية.
كل هذه الأمثلة تكشف أن المشكلة ليست في المبادئ نفسها، بل في طريقة تطبيقها. فحين تُستخدم شعارات العدل الدولي وحقوق الإنسان من أجل المصلحة والنفوذ، تفقد قوتها الأخلاقية. إن العدالة الحقيقية تعني المساواة في المعايير، بغض النظر عن المصالح السياسية وموازين القوى.
كما أن حقوق الإنسان والعدل الدولي لا ينفصلان عن التنمية. فالتعليم الجيد، والرعاية الصحية، وفرص العمل، والاستقرار الاقتصادي، كلها عناصر أساسية من كرامة الإنسان، مما يستدعي أحقية الدول في التنمية والتطوير الاقتصادي من أجل حياة أفضل لمواطنيها، وكذلك أحقيتها في بيئة ومناخ أكثر أمنًا من أجل استقرار حياة الإنسان على الكرة الأرضية.
يحتاج العالم إلى التزام عملي لا يكتفي بالشعارات، بل يسعى إلى تحقيق عدالة متوازنة تحترم الجميع. عندها فقط يمكن أن تتحول العدالة الدولية وحقوق الإنسان من ملف خلاف سياسي إلى قيمة إنسانية مشتركة تساهم في بناء عالم أكثر استقرارًا وإنصافًا؛ عالمٍ متحضرٍ في العلاقات بين الدول يكون الأساس فيه احترام السيادة والقانون الدولي، لا السياسات الخشنة من أجل تعميق النفوذ وتحقيق المصالح.
إن العهد الاستعماري انتهى منذ سنوات، ولا نريد أن يعود إلى العالم مرة أخرى، حفاظًا على مقدرات الشعوب والدول، وصونًا لحقوق الإنسان الذي يعيش عليها و تفادياً الخلافات تؤدي الى صراعات و حروب يكون ضحاياها هم بنى الانسان.