في زمنٍ يختلط فيه الضجيج بالحقيقة يا عزيزي القارئ، ويُقاس الفكر بعدد الإعجابات لا بعدد الأفكار، خرج من قلب أمريكا رجلٌ قرّر أن يقول لك – ولكل واحد فينا – «لا». لم يكن ثائرًا يحمل سلاحًا، ولا سياسيًّا يطارد سلطة، بل عالم لغويات صامت القسمات، لكنه ممتلئ بأسئلة تُرهق الوعي أكثر مما تُرهق الجسد. ذاك هو نعوم تشومسكي… الاسم الذي تحوّل من مجرد باحث في بنية اللغة إلى ضمير يوقظك كلما حاولت الأكاذيب أن تنام على كتفك.
ولد تشومسكي في فيلادلفيا عام 1928، لأسرة يهودية بسيطة، لكنّه حمل منذ طفولته حسًّا مبكرًا بالرفض. كان يرى الظلم لا في الكتب يا عزيزي، بل في الشوارع، في عيون العمّال والفقراء الذين قد تلمحهم أنت الآن في أي مدينة عربية. وحين شبّ، لم يسأل فقط كيف تتكوّن اللغة، بل سأل – كما قد تسأل أنت الآن – كيف تُستخدم لتزييف الحقيقة وتزيين الطغيان. ومن هنا بدأت رحلته: رحلة الرجل الذي أراد أن يحرّر عقلك يا صديقي، كما تُحرر الكلمة من قيود النحو.
في خمسينيات القرن الماضي، أحدث تشومسكي ثورة فكرية بنظرية «النحو التوليدي»، حين قال لك يا صديقي إن اللغة ليست عادة نكتسبها، بل قدرة تولد معنا، قدرة أصيلة مثل حاجتنا للحرية. وكانت هذه الرؤية مدخلاً لفلسفة أوسع: فإذا كانت اللغة فطرية، فإن حرية التفكير يا عزيزي جزء أصيل من تكوينك لا يحق لسلطةٍ أن تمنحه أو تسلبه.
ومع توسّع شهرته، خرج تشومسكي من المعمل إلى ساحة الوعي، إلى الميادين التي يُصنع فيها رأي الناس يا صديقي. أثناء حرب فيتنام، كتب مقالته الشهيرة «مسؤولية المثقفين» وسأل فيها سؤالًا يشبه ما قد يخطر على بالك: كيف يصمت المثقف أمام جرائم حكومته؟ منذ تلك اللحظة، لم يعد الرجل عالِمًا فقط، بل شاهدًا على التاريخ، يكتب ويصرخ نيابة عنك يا عزيزي، وعني، وعن كل من لا يملك منبرًا.
ومنذ السبعينيات، خاض تشومسكي معارك ضد الإعلام الأمريكي الذي وصفه بـ"آلة صناعة الرضا". كان يقول لك يا صديقي إن الإعلام لا ينقل الحقيقة، بل يصنعها، يختار ما تراه وما تنساه، وما يحقّ لك أن تغضب لأجله وما يجب أن تتجاوزه. هكذا – يا عزيزي – تتحوّل الحرية إلى وهم أنيق، والديمقراطية إلى إعلان طويل.
لم يكن تشومسكي ضد الأمريكيين يا صديقي، بل ضد النسخة الملوّنة من «الحرية الأمريكية» التي تُغلف الهيمنة بالوعود والقيم. انتقد بقوة سياسة بلاده في أمريكا اللاتينية، وغزو العراق، ودعمها المطلق لإسرائيل. كان يرى أن الظلم يا عزيزي واحد، مهما اختلفت الرايات فوقه. قال مرة: «حين تصمتُ عن القتل لأن القاتل يرفع علمي، فأنا شريك في الجريمة».
ورغم شدّة نقده، ظلّ تشومسكي إنسانيًّا حتى آخر حرف. كان يؤمن أن التغيير يبدأ من الفهم، وأن المعرفة ليست رفاهية بل واجب. كان يقول لك: المعرفة هي درعك ضد التلاعب، وسلاحك ضد أن تصبح مجرد رقم في جمهور كبير.
وفي مقابلاته العديدة، كان يبدو كما لو أنه يحكي لك أنت شخصيًا يا صديقي. صوته هادئ، لكن كلماته تشبه شرارات صغيرة تشتعل في رأسك بعد دقائق من القراءة. لم يكن مهووسًا بالشهرة، بل بالحقيقة، وكان يقرأ التاريخ بعين الأخلاق يا عزيزي، لا بعين الغالب.
واليوم – وبعد قرن تقريبًا من عمره – لا يزال يكتب ويحاضر، بعقلٍ لم يتعب من السؤال. في عالمٍ يغرق في التضليل، يذكّرك تشومسكي يا صديقي بأن المثقف الحقيقي ليس من يملك الإجابات، بل من يجرؤ على السؤال. هو الضمير الذي لا يصمت، واللغوي الذي حرّر اللغة من السلطة، والإنسان الذي علّمك – ويعلمني – أن الفكر مقاومة، وأن الكلمة حين تُقال بصدق... تعيد تشكيل العالم.
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
[email protected]