تحل علينا ذكري حرب استعادة العزة والكرامة حيث يأتي شهر اكتوبر من كل عام حاملا معه نسائم الانتصار ، تلك الأيام التي نستحضر فيها دروس النصر ونحتفي بالأبطال والشهداء، اثنين وخمسون عام مرت علي انتصار عظيم حققه جيش باسل قهر بصموده وشجاعته مزاعم العدو وغروره ، تعد حرب اكتوبر نقطة تحول استراتيجية في الصراع العربي الاسرائيلي حيث شكلت اختبار حقيقي لقدرة الشعب المصري علي تحويل الحلم الي حقيقة واثبتت كفاءة المقاتل المصري وقدرة الجيش المصري علي تحقيق النصر رغم التفوق العسكري الاسرائيلي والدعم الامريكي المنقطع النظير ، وتظل حرب اكتوبر شاهدا علي هزيمة الكيان المحتل الذي لطالما روجت اسرائيل لأسطورة " الجيش الذي لا يقهر " وزعمت ان قواتها لا تهزم وانها الأقوى في الشرق الاوسط ، ولكن عقيدة الجندي المصري ودهاء القيادة السياسية وعزيمة الشعب المصري شكلت ضربة قاصمة لغرور العدو واستطاعت ان تسقط اسطورة التفوق الاسرائيلي وتغير موازين الصراع في المنطقة منذ هذا اليوم .
لم تكن حرب اكتوبر المجيدة مجرد معركة عسكرية خاضتها مصر وحققت فيها نصرا عظيما ، بل كانت ملحمة عربية جسدت وحدة العرب وقوتهم واثبتت ان التعاون العربي رغم تحدياته يمكن ان يحدث فرقا في الصراع العربي الاسرائيلي ، حيث شاركت السعودية والعراق والجزائر وليبيا والكويت والمغرب وتونس والسودان واليمن بقوات وعتاد عسكري فضلا عن الدعم المادي واللوجستي ، ولم يقتصر التعاون العربي علي المشاركة العسكرية المباشرة فقط شمل الدعم السياسي والاقتصادي الذي قدمته الدول العربية الي مصر وسوريا ، فعلي الصعيد السياسي شنت الدول العربية حملات دبلوماسية قوية في المحافل الدولية لنصرة القضية الفلسطينية وكشف الجرائم الاسرائيلية ودعم مصر وسوريا في حربهم الوجودية ضد الكيان الصهيوني ، اما من الناحية الاقتصادية فقد استخدمت الدول العربية وعلي راسها المملكة العربية السعودية سلاح النفط لأول مره كأداة ضغط سياسية فعالة حيث قامت بخفض الانتاج وفرض حظر نفطي علي الدول التي ساندت اسرائيل مما جعل العالم يشعر بقوة العرب عندما يتحدون .
لقد اثبت التاريخ وبما لا يدع مجالا للشك ان الوحدة العربية قادرة علي تحقيق المعجزات وان الفرقة والانقسام هما آفة امتنا العربية ، ها نحن الان في زمن تتسارع فيه الامم نحو التقدم لكن الوطن العربي وحده يعود الي الوراء تحاصره الحروب والمؤامرات من كل اتجاه ، فلسطين الأبية تباد في صمت وكأن الأقصى لم يعد عربيا وسوريا تاهت بين الجماعات واليمن السعيد انهكته الحروب والعراق مازال يبحث عن عافيته ولبنان الجريح بلا عون ، اما عن السودان وليبيا والصومال فقد اثقلتهم الازمات والصراعات ، انه مصير لم يكتب علينا بل صنعناه بأيدينا حين تفرقنا وتنازعنا وتخلينا عن وحداتنا ، الي الحكام العرب .. اتحدوا فانتم صناع القرار وانتم من تملكون مفاتيح التغيير فمصيرنا لن يكتب بالخطابات الرنانة ، الي الشعوب العربية الحالمة .. ان الضعف العربي ليس قدرا محتوم وان الغد العربي الموحد قادم لا محالة.