تُعد مشاركة مصر لأول مرة بشكل رسمي في قمة "بريكس بلس" بقازان الروسية خلال أكتوبر الماضي، نقطة انطلاق لمصر نحو تحقيق دور اقتصادي إقليمي ودولي أكبر، من خلال تعزيز الشراكات مع قوى صاعدة والانخراط في نظام اقتصادي عالمي متعدد الأطراف، مما يساهم في تنمية مستدامة تعود بالنفع على الاقتصاد المصري والأفريقي.
فهذه المشاركة تُعد منصة جديدة لمصر للتعاون مع اقتصادات ناشئة كبرى، مثل الصين وروسيا وغيرها من الدول الأعضاء، مما يمكن أن يفتح أمامها فرصاً جديدة في مجالات الاستثمار، التكنولوجيا، والطاقة. كما أن المشاركة المصرية في بريكس تعزز من مكانتها في القارة الأفريقية وتتيح لها دوراً أكبر في تشكيل السياسات الاقتصادية الإقليمية والعالمية، لاسيما وأن مجموعة البريكس تُشكل نحو 30% من حجم الاقتصاد العالمى، و26% من مساحة العالم، و48% من سكان العالم، بعد انضمام خمس دول جديدة لعضوية المجموعة بداية هذا العام، وهى: مصر والسعودية والإمارات وإثيوبيا وإيران، في ضوء مساعي دول "بريكس" لإنشاء نظام عالمي ديمقراطي ومتعدد الأقطاب، بحيث يكون هذا النظام قائماً على قواعد قانونية واضحة وملزمة. كما تنتج دول بريكس أكثر من ثلث إنتاج الحبوب في العالم، وحسبما ذكر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كلمته في افتتاح قمة قازان، فإن إجمالي الناتج المحلي لـ "بريكس" يزيد عن 60 تريليون دولار، وأن الحصة الإجمالية في الناتج الإجمالي العالمي تتجاوز إجمالي حصة مجموعة السبع وهي في نمو مضطرد.
وفي كلمته أمام القمة، أشار الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى أن محفل "البريكس بلس"، يُعد منصة لدفع التعاون وتعزيز التشاور، بين تجمع البريكس ودول الجنوب. وفى هذا الإطار، أشار سيادته إلي أهمية تعظيم الاستفادة من بنوك التنمية متعددة الأطراف، لتكون أكثر قدرة على تعزيز نفاذ الدول النامية للتمويل الميسر، ومؤكداً على ضرورة استثمار اجتماعات "البريكس بلس" لتعزيز التعاون "جنوب – جنوب"، وتكثيف تبادل الخبرات فى مختلف المجالات، فضلاً عن تنفيذ مشروعات مشتركة لتحقيق المنفعة المتبادلة، ومؤكداً على استعداد مصر لمواصلة جهودها لتنفيذ العديد من مشروعات التعاون الفنى وبناء القدرات مع الدول الراغبة فى ذلك.
وقد ناقشت القمة العديد من القضايا الملحة، مثل الإصلاحات في النظام المالي العالمي، وتعزيز التجارة بين الدول الأعضاء، ودعم الاستثمارات في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية. كما تم التركيز على بناء تحالفات جديدة مع الدول النامية الأخرى لتقوية منظومة بريكس.
وقد تضمن البيان الختامي لقمة بريكس في روسيا مجموعة من الأهداف المحورية التي تهدف إلى تعزيز التعاون بين دول المجموعة وتوسيع دورها على الساحة الدولية. وكان من أبرز هذه الأهداف: التشديد على أهمية تكثيف التعاون التجاري والاستثماري بين الدول الأعضاء، والتأكيد على ضرورة تعزيز التجارة البينية والاستثمارات المشتركة، خاصة في مجالات التكنولوجيا، والتصنيع، والطاقة. وهذا الهدف يعكس رغبة بريكس في تقليل اعتمادها على الاقتصادات الغربية وتطوير شراكات قوية فيما بينها. كما ركزت القمة أيضاً على أهمية إصلاح النظام المالي الدولي وتعزيز دور دول بريكس فيه. كما تم تسليط الضوء على الحاجة إلى إيجاد بدائل لمؤسسات التمويل الغربية التقليدية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. كما تم التشديد على دعم "بنك التنمية الجديد"، الذي يُعد إحدى أدوات بريكس لدعم مشاريع التنمية في الدول النامية، وتعزيز القدرات التمويلية للدول الأعضاء.
كذلك، أكدت القمة على التزام المجموعة بلعب دور أكبر في معالجة التحديات العالمية، بما في ذلك الأمن الغذائي، وتغير المناخ، والمساواة الاقتصادية، حيث تسعى بريكس إلى تعزيز دورها كقوة توازن في مواجهة التأثيرات الاقتصادية والسياسية للدول الغربية.
وفي هذا الإطار، وفي إطار عضويتها في مجموعة البريكس ومشاركتها في قمة قازان، يمكن لمصر التي تمتلك موقعاً جغرافياً مميزاً يجعلها جسراً بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، أن تستغل هذا الموقع لتعزيز التعاون الإقليمي في إطار شراكتها مع دول بريكس، مما يمكنها من لعب دور قيادي في تعزيز العلاقات بين دول بريكس والقارة الأفريقية، خاصة في مجالات البنية التحتية والتنمية المستدامة. كذلك، فإن مصر بوصفها بوابة لأفريقيا يمكن أن تكون وسيطاً هاماً لجذب الاستثمارات الأفريقية في إطار مبادرات بريكس التنموية. علاوة على ذلك، يمكن أن تسهم مصر في تسهيل التبادل التجاري بين دول بريكس والدول الأفريقية، مما يعزز من النمو الاقتصادي في القارة.
كما أن مصر من خلال مشاركتها في مبادرة الحزام والطريق الصينية، يمكن أن تكون مركزاً لوجستياً وتجارياً هاماً في المنطقة. مما يعزز من التكامل مع دول بريكس ويفتح فرصاً جديدة للتعاون في مجالات النقل، والتجارة، والتكنولوجيا.
ليس هذا فحسب، وإنما يمكن لمصر أيضاً أن تستفيد من تعاونها مع دول بريكس لدعم استقرارها الاقتصادي والإقليمي، والتعاون في مجالات الأمن الغذائي والطاقة والتنمية المستدامة، مما قد يسهم في تعزيز قدرات مصر على مواجهة الأزمات العالمية، ويساعد على تعزيز التعاون الإقليمي بين دول الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
وفي حقيقة الأمر، فإن انضمام مصر للبريكس يتيح لها المشاركة في العديد من الفرص والمزايا، خاصة على صعيد التنمية والتجارة والاستثمار والتصنيع. فضلاً عن اعتبارات المكانة الجيوسياسية فى إطار مكانة بريكس في النظام العالمي متعدد الأقطاب. فبالنسبة للفرص والمكاسب المحتملة على الصعيد الاقتصادي والتنموي، فإن عضوية مصر في بنك التنمية الجديد التابع لـ «بريكس» تتيح لمصر تعزيز اتفاق التبادل التجاري مع قرابة 70 دولة تتعامل مع مجموعة البريكس، وبالتالي خلق سوق مشتركة لترويج السلع والمنتجات المصرية في ظل التوازنات المرتقبة على المستوى الدولي والإقليمي المتعدد الأقطاب. كما يمكن لمصر الاستفادة من خدمات بنك التنمية الجديد في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ضمن رؤية مصر 2030، إضافة إلى تعزيز التعاون والتكامل الإقليميين عبر الاستثمار في مجال البنية التحتية بشكل أساسي، والتي تشمل قطاعات البنية التحتية، مثل: الطاقة، والنقل، والمياه، والاتصالات. فضلاً عن أن عمليات البنك تشمل قطاعي الصحة والبنية التحتية الاجتماعية. ولعل من حُسن الطالع ما أعلنته الحكومة المصرية بشأن إنشاء وحدة خاصة تُعنى بالتعاون مع بريكس بعد الموافقة على انضمام مصر للمجموعة، وذلك بهدف تحديد ملفات ومجالات التعاون مع المجموعة في مختلف المجالات.
بيد أنه على الرغم من الفوائد الاقتصادية المحتملة، فإن هناك العديد من التحديات التي قد تواجه مصر في إطار مشاركتها داخل بريكس، فقد تواجه مصر تحديات في ظل التنافس بين القوى الكبرى داخل المجموعة، خاصة الصين وروسيا. مما يتطلب من مصر أن تعمل على تحقيق التوازن بين مصالحها الوطنية وبين علاقاتها الاستراتيجية مع هذه الدول، بالإضافة إلى إدارة علاقاتها مع الدول الأعضاء الأخرى في المجموعة بطريقة فعالة.
كما أنه لكي تلعب مصر دوراً فاعلاً في بريكس، فلا شك أنها ستحتاج إلى استكمال إجراء بعض الإصلاحات الداخلية في مجالات الاقتصاد والإدارة. مما يتطلب تحسين بيئة الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، والسعي بقوة للإنتاج والتصنيع والزراعة حتى تتمكن من الاكتفاء الذاتي والتصدير إلى دول بريكس، إضافة إلى زيادة مرونة النظام المالي لجذب المزيد من رؤوس الأموال والشركات الأجنبية. كما يجب أن تركز مصر على تطوير قطاع التكنولوجيا والرقمنة والابتكار، لضمان قدرتها على المنافسة مع الدول الأخرى في بريكس، وهناك نماذج واعدة يمكن الاستفادة من تجربتها، مثل تجربة الصين في مجال الاقتصاد الذي يعتمد على الابتكار والتكنولوجيا.
خلاصة القول، إن انضمام مصر إلى بريكس يُعد بمثابة فرصة استراتيجية هامة لتعزيز قوتها الاقتصادية والدبلوماسية على المستوى العالمي، كما أنه يمثل أيضاً بداية مرحلة جديدة من الشراكات التي يمكن أن تسهم في استقرار وتنمية البلاد إذا ما أُحسن استثمار هذه الفرصة بشكل كبير، وهو ما يجب أن تعمل الحكومة المصرية على الاستفادة منه بكل جدية.
*المستشار الاعلامي المصري السابق ببكين
والخبير بالشأن الصيني