أكرَم الله عزَّ وجلَّ أرضَ الكِنانة وأهلَها بأن جعلها مَمَرَ ومُستقرَّ كثيرٍ من الأنبياء والمُرسلين وآل البيت والصحابة والتابعين والصالحين على مرِّ العصور والأزمنة المختلفة، بل أكثر من هذا، حيث شرَّفها المولَى سبحانه وتعالى بأن اختارها دون سائر بِقاع الدنيا لتحظى بالتجلِّى الأعظمِ حينما طلب سيّدنا موسى- عليه السلام- رؤية الله تعالى، فكانت الرؤية مشروطة ببقاء الجبل واستقراره حين يتجلّى الخالق عزَّ وجلَّ عليه، لكنه تحوَّل إلى رماد مدكوك، "قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ" (الأعراف: 143).
وتاريخ مصر مليئ بالأنبياء والمُرسلين الذين شرَّفوها- سواء بالمولِد أو العَيْش أو المرور بأرضها المباركة- ومن هؤلاء من ذَكَرهم الله فى كتبه المقدّسة، التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، ومنهم من لم يقصصهم علينا، وستظل مصر دائما وأبدا مأوى الأفئدة لكلّ الناس من كلّ الأجناس، وتوافُد الضيوف عليها كلّما ضاقت عليهم بلادهم لأى سبب، أكبر دليل وشاهد على ما أكرمها به الله من مكانة ومنزلة إلهية تجتذب أفئدة الخلائق أجمعين.
وبفضل الله تعالى وكرمه أيضا أنه غَرَس في قلوب أبنائها المُخلصين حبّ أنبيائه وأهلِهم والصالحين من عباده المؤمنين، حيث يُجِلُّونهم ويُقدِّرون منزلتهم فى حياتهم وحتّى بعد انتقالهم، ويُجسِّد هذا الإجلال والتقدير، ذلك الاهتمام الكبير تجاه تعظيم مكانتهم بإحياء سيرتهم والاحتفاء بمسيرتهم وتاريخهم، بل أيضا الاهتمام بمسارِهم ومراقدهم وآثارهم.
وقد تبنَّت الدولة المصرية الحديثة في هذا المجال عدّة مبادرات ومشاريع قوميّة ودينيّة، على رأسها مشروع التجلِّى الأعظم ومسار العائلة المقدّسة وإعادة تطوير وتحديث مساجد ومقامات آل البيت والصحابة والصالحين، ويحرص الرئيس عبدالفتاح السيسى، على المتابعة المستمرة والذاتية منه شخصيا، لهذا التوجّه المصرى القومى الأصيل، فى مسْعَاه لاستعادة الوجه الحضاري والتاريخي لمصرنا الحبيبة.
لذا وجدناه فى فترة قصيرة يحرص على حضور إعادة تحديث وتطوير مساجد ومقامات آل البيت وعلى رأسها مسجد سيّدنا الإمام الحسين ومسجد السيدة نفيسة، ومطلع هذا الأسبوع كان افتتاح تجديدات مسجد السيّدة زينب، رضي الله عن آل البيت أجمعين.
وقد أعلن الرئيس السيسى رؤيته التى تعبِّر عن الإيمان المصري وحُبّ وعشق المصريين لآل البيت والصحابة والصالحين، بتوجيه المسئولين للانتهاء من شمول عمليّات التجميل والتطوير لكل مساجد ومقامات الصالحين، ومنها مساجد الإمام الرفاعي والسُلطان حسن وغيرها.
مع ملاحظة أن هذا التحديث لا يقتصر على المبنى الخارجى فقط وإنما يشمل المعنى الأشمل والأعمّ للتحديث والتطوير مبنىً ومعنىً، بل الجوهر قبل المظهر، بما ينعكس على الدور الدعوى والإصلاحى والمجتمعى والوطنى، للإسهام فى بناء الوطن والمواطن.
ولتبقى دائما وأبدا مصر هى "أُمّ الدنيا" بعقول وسواعد أبنائها المخلصين الأوفياء.