منذ سنوات ليست بالبعيدة لم تكن قضية الزواج تشكل عبئا ماديا كبيرا على الأسرة المصرية ولم يكن المجتمع يلقي بالا للتفاخر والمغالاة في المظاهر المادية بل كانت أغلب فئات المجتمع تسعى لتيسير الزواج لشبابه وفتياته بأقل التكاليف تحقيقا لهذا الهدف السامي, لكن هذا المجتمع نفسه شهد تغيرات جذرية في العقود الأخيرة وارتبطت معه عملية الزواج بالإمكانيات المادية بصورة مباشرة, الأمر الذي أصبح حجر عثرة أمام رغبة القطاع الأعرض من الشباب في إكمال نصف دينه- كما جاء في الأثر-, ولا شك أن تكاليف الزواج الباهظة أصبحت ظاهرة سلبية تهدد تداعياتها السلام الاجتماعي والاستقرار العائلي بسبب العراقيل والعقبات التي تسببت فيها هذه الظاهرة من تعطيل تحقيق واحدة من أهم السنن الكونية وهى بناء الأسرة وإعمار الكون, ومن جانب آخر تسببت هذه الظاهرة في ارتفاع نسب الطلاق بسبب الخلافات التي تفجرها هذه التكاليف المبالغ فيها بين أهل العروسين في كل مراحل الإرتباط من الخطوبة وحتى عقد القران وإتمام الزواج, كما أدت من جانب آخر إلى ارتفاع أعداد الغارمات حيث تضطر الأم إلى شراء العديد من الأجهزة ومستلزمات الزواج لمجرد إرضاء الطرف الآخر, وهو الأمر الذي رصدته- حسب المركز الإعلامي بمجمع البحوث الإسلامية- تقارير لجان الفتوى المنتشرة بمختلف محافظات الجمهورية فضلا عن موقع الفتاوى الإلكترونية الذي يستقبل تساؤلات المواطنين واستفساراتهم, حيث لاحظت اللجان تكرار السؤال والشكوى من تكاليف الزواج.
وحسنا فعل الأزهر الشريف باعتباره أكبر مؤسسة دينية في العالم الإسلامي بوقفته الجادة وتصديه الحاسم لهذه الظاهرة من خلال إطلاق مجمع البحوث الإسلامية لمبادرة (لتسكنوا إليها) في الثاني عشر من الشهر الجاري بداية من اختيار اسمها المميز الذي يرجع سنة الزواج إلى أصلها الإيماني والروحاني امتثالا لقول الله تعالى" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" صدق الله العظيم, ووضعت للمجتمع ما يمكن أن نسميه منهجا واقعيا لتيسير الزواج والتخفيف عن كاهل العوائل والشباب الذي يرغب في تكوين أسرة في حدود إمكانياته والتقليل أو إلغاء بعض العادات والطقوس المصاحبة للزواج خصوصا في ظل الظروف الاقتصادية التي يمر بها المجتمع بل العالم كله, لذلك نصت وثيقة الزواج التي أقرها الأزهر الشريف على ضرورة اتفاق أسرة الطرفين (الشاب والفتاة) فقط على تفاصيل الجهاز وعدم إشراك العائلة فيه حتى لا تتعرض الأسرة للوقوع في فخ المفاخرة والمنافسة بين الأقارب والتي تؤدي إلى شراء جهاز يفوق قدرات الطرفين لمجرد المنافسة والتفاخر المجتمعي.
المبادرة عالجت المشكلة في مراحلها الثلاث فنصت في مرحلة الخطوبة على قصر مراسمها على قراءة الفاتحة في حضور درجات القرابة الأولى وتقديم دبلة ذهبية فقط, وضبط اللقاء شرعيا بين المخطوبين بحضور الأهل, وعقد جلسة نقاشية أسبوعية بين الجانبين في إدارة أسرة المستقبل, التقليل من الهدايا المتبادلة لتظل رمزا للمودة لا للمفاخرة ولا لتكون ضغطا على أحد الطرفين, وعدم إطالة فترة الخطوبة بشكل يؤدي إلى وقوع الخلافات والمشاكل, وأخيرا الإتفاق النهائي على كل مصروفات وتكاليف الزواج خلال فترة الخطوبة وقبل عقد القران.
أما المرحلة الثانية وهى مرحلة" الإعداد للزواج" فقد نصت المبادرة على أهمية حصول الزوجين على دورة مكثفة في التأهيل الأسري, والاقتصار على كتابة المنقولات الفعلية في قائمة المنقولات دون مبالغة, واختيار مسكن الزوجية بالتوافق بين طرفي الزواج حسب القدرة المادية, وكذلك الإتفاق على الشبكة الذهبية بالقيمة وإثباتها في القائمة بالقيمة لا الجرامات , وتأجيل ما يمكن تأجيله من أثاث مع الاقتصار على الأجهزة التي يحتاجها الزوجان فعلا في بداية حياتهما, وإلغاء الأجهزة الكهربائية غير الضرورية.
وأخيرا نصت المبادرة على تفاصيل مهمة في المرحلة الثالثة وهى مرحلة "الزواج" منها إقامة مراسم الأفراح على قدر الاستطاعة بعيدا عن المغالاة في المظاهر حتى أنها أوصت بنقل جهاز العروس على سيارة واحدة قدر الإمكان وبدون مدعوين, وإلغاء عادات تكاليف الضيافة الباهظة أثناء الفرح, ومنها "سيشن" التصوير وشهر العسل وكسوة الأهل من الطرفين, إلى جانب عدم المبالغة في الزيارات اليومية والعزومات والهدايا الباهظة أثناء التهنئة بالزواج.
وحسب المركز الإعلامي أيضا فإن الأزهر خاطب كافة الجهات والمؤسسات المعنية لتضافر الجهود فيما بينها في سبيل الوصول إلى وثيقة شاملة ومتكاملة تضم الجوانب النفسية والإجتماعية ومن ثم توعية المواطنين من خلال مراكز الشباب والجامعات والمؤسسات الأسرية وغيرها على أن تقوم كل وزارة بدعم المبادرة بما يتوافق مع صلاحياتها والهدف المنوط بها, وضرورة حصول الزوجين على دورة تدريبية للمقبلين على الزواج تجنبا لغياب الدور الثقافي لإدارة الأسرة في المستقبل بحيث يمكن إكساب الشباب الخبرة والخلفية الثقافية اللازمة لإدارة الحياة بما يغنيهم عن تدخلات الأهل وتحكماتهم التي قد تصل أحيانا إلى إنهاء الزواج.
يبقى أن تتفاعل القيادات الشعبية والروحية في القرى والأحياء وكافة أشكال التجمعات السكانية لوضع المبادرة موضع التنفيذ والتأكيد على أهمية الإلتزام بكل بنودها, وهو ما بدأت فيه بالفعل بعض القرى التي تواكبت ولانقول سبقت- احتراما لمقام الأزهر الشريف- جهود فعاليتها الشعبية والدينية, ومنها على سبيل المثال إعداد والإتفاق وتسويق ماتم تسميته بوثيقة "تيسير الزواج" التي توافق عليها الجميع في قرية "الصلعا" بمحافظة سوهاج وشهدت أربعا وعشرين بندا تناولت أدق تفاصيل تكاليف الزواج من البداية وحتى إتمام الأمر على أكمل وجه, منها مثلا تحديد سقف مالي لقيمة الشبكة بحيث لا يتجاوز بأي حال عشرين جراما من الذهب,وإلغاء العديد من الطقوس والأعراف الاجتماعية القروية التي ترهق طرفي الزواج مثل خاتم أم العريس وكسوة العروس لأهل العريس وأقاربه, وإلغاء "النيش" نهائيا وكذلك إلغاء حفل ليلة الحنة, بل ذهبت الوثيقة لأبعد من ذلك بوضع تفاصيل وعدد الأجهزة المطلوبة والضرورية وحددت المسئول عنها من بين الطرفين, إلى جانب تحديد الكثير من تفاصيل العفش ومستلزمات البيت في حدود المعقول وبما يتناسب مع الأوضاع المعيشية الحقيقية في المجتمع القروي.