أكدت الباحثة الأثرية نادية عبدالفتاح أن الأعياد والاحتفالات الدينية، التي تنبع من تراث الشعوب أو تتصل بدياناته، تعد مؤشرا مهما على مدي تقدم المجتمع.. مشيرة إلي أن الاحتفالات الدينية للمسلمين في مصر لم تقتصر على شهر رمضان والعيدين فقط، وإنما كانت هناك مواسم دينية أخري اتخذ بعضها شكل الاحتفالات العامة.
قالت الباحثة الأثرية- في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط: "إن من أهم هذه الاحتفالات، الاحتفال بـ"ليالي الوقود"، وهي أربع ليال في الشهور الهجرية، وتشمل أول شهر رجب ونصفه، وأول شعبان ونصفه، وليلة الإسراء والمعراج.. موضحة أن أصل فكرة ليالي الوقود يعود، حسب ما ذكره المقريزي، لخلافة سيدنا عمر بن الخطاب، حيث كان أهل مكة يوقدون النار ليلة المحرم حتي يوضحوا الطريق للحجيج، فاقتبس الفاطميون هذه العادة للاحتفال بهذه الليالي بإضاءة المساجد بالأنوار الساطعة".
أضافت أنه في ذلك الاحتفال كان قاضي القضاة يخرج نيابة عن الخليفة في موكب يصل إلي القصر الفاطمي والخليفة جالسا على منظرة "قاعدة مرتفعة تساعد الجالس عليها مشاهدة المناظر من جميع الجهات".
وعن تفاصيل الاحتفال بليالي الوقود، قالت "إن هذه الليالي كانت تعد من أبهج الليالي أيام الفاطميين لما ينال فيها الناس من أنواع البر، وما ينال أهل الجوامع من إكرام، فهم يحتفلون بها كاحتفالهم بشهر رمضان، حيث تضاء جميع المساجد بعد الغروب بالتنانير والقناديل والشموع وتحمل الأطعمة والحلوي إليها، ويطوف المبخرون بمباخر من الذهب والفضة، في الوقت الذي تتلي فيه آيات القرآن الكريم، وتوزع الشموع في هذه الليالي على كبار رجال الدولة".
أضافت أن القاضي كان يخصص 60 شمعة في كل ليلة من هذه الليالي، ويصل وزن الشمعة الواحدة إلي 16 رطلًا، عدا الشموع التي تقدم للمدعوين، حيث يختص كل منهم بشمعة أو شمعتين أو ثلاث على الأكثر، وذلك على حسب رتبة كل منهم، كما يخصص لجامع عمرو بن العاص في كل ليلة 11 قنطارا من الزيت لإضاءته.
أوضحت أن الأسواق في هذه الاحتفالات كانت تكتظ بالناس، وقد عمرت بأنواع الأطعمة والحلوي التي تعلق على الحوانيت "الدكاكين" بخيوط ليشاهدها الجميع، خاصة أنواع الحلوي الجافة المصنوعة من السكر على أشكال تماثيل الحيوانات، وكانت تعم أسواق القاهرة والفسطاط والأرياف ويقبل عليها الناس لشرائها.
وبينت أن الموائد في ليالي الوقود كانت تقدم جميعها في أروقة الجوامع والمساجد وتحتوي على جميع الأصناف والحلويات، مثل حلوي "الخشكاننج"، وهو نوع من الحلوي المصنوع من العجين على شكل حلقة مجوفة تحشي باللوز أو الفستق، أو حلوي "البسندود"، والتي تصنع من الدقيق والبلح.
ولفتت الباحثة الآثرية إلي أن هذه العادات ظلت مستمرة للاحتفال بهذه المناسبات في العصر المملوكي، مع إضافة بعض العادات الجديدة، ومنها أن يقوم الناس بمهاداة أقاربهم وأصهارهم بهذه الحلوي، وفي المساء يجتمع الناس رجالا ونساء حول القراء والمنشدين الذين يقرأون القرآن وينشدون الأغاني الدينية احتفالا بهذه المناسبة.
وبالنسبة للاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، فقالت "إن المسلمين كانوا يجتمعون في أكبر مساجد المدينة، رجالا ونساء، وتعلق في أرجاء المدينة الفوانيس والشموع، وتفرش البسط والسجاد داخل المساجد وتوضع عليها الأواني والأباريق التي امتلأت بالمشروبات، ويستمعون إلي مشاهير قراء عصرهم وهم يرتلون آيات القرآن الكريم".
ونوهت بأن هذه العادات ظلت مستمرة حيت العصر العثماني، إلا أن بعض الأطعمة العثمانية دخلت على ثقافة المجتمع المصرى لتقدم فى هذه المناسبات، مثل الرز باللبن وحلوى الزردة "أرز عليه عسل أبيض وزعفران" حيث يملأون مها قصعا كثيرة للفقراء، ويجتمع في كل بيت الكثير من الفقراء فيتم توزيع الخبز عليهم، ويأكلون من الأرز باللبن والزردة حتي الشبع.
اترك تعليق