للبشر وجوه كثيرة ولكن أسوأ وجه فيهم على الإطلاق هو وجه الإحباط، وأغلبهم مع الأسف ينظرون لنصائحهم المُحبطة للآخرين وكأنها ستنقذك وتعيد إليك عقلك المليء بالتفاهات، وسيأخذك للأرض وواقعها بدلًا من طوافك الغبي حول أحلامك في السماء.
وفي النهاية لن يستطيع هؤلاء الحالمين السير في طريقهم كما خططوا وسيُجبرون على التخلي عن أحلامهم لأن مع الأسف "الزن على الودان أمر من السحر"، وكل حديث لي معكم يكمن وراءه قصة وعِبرة أريدكم أن تعرفوها، والقصة اليوم ستتحدث عن تجربتي الذاتية وعن تجربة صديق من دولة أخرى؛ فكلانا تعرضنا لنفس الموقف تقريبًا، وهو فخ الاختيار بين أحلامنا وبين طريق المال، ولنبدأ بقصتي والتي بدأت بتمسكي بالصحافة باعتبارها مجال دراستي، والذي أُجبرت عليه بعدما حصلت على 85% فقط في ثانية ثانوي؛ لذا اضطررت لتحويل دراستي لأدبي، وبالرغم من حصولي في ثالثة ثانوي على 99.9% إلا أني لم أدخل بمجموع العامين كلية الألسن، وأخذتني الأقدار لآداب عين شمس قسم علوم الاتصال والإعلام، وهناك قررت أن أدخل صحافة بعدما تذكرت أن هوايتي كانت قراءة الصحف، خاصة مُلحق دموع الندم التي كانت تصدره الجمهورية أسبوعيًا، وبعد تخرجي في مايو 2011 كانت مصر تعاني من توابع ثورة يناير؛ لذا أكملت عملي في مجال التسويق، والذي بدأته في عامي الثالث بالجامعة وبالفعل كانت حالتي المادية جيدة جدًا حتى قررت التخلي عن كل شيء والتركيز في الصحافة، وبالتالي تدهورت حالتي المادية، وفي تلك الفترة ظل الكثيرون يشككون في قراري وينصحوني بالتخلي عن الساعات التي أصرفها أمام شاشة الحاسوب من أجل الكتابة واستغلالها في عمل أخر بعائد مادي كبير، وهذا بالضبط ما حدث مع صديقي في الصين؛ فبالرغم من تخصصه في مجال هندسة الفضاء إلا أنه درس الاستثمار والإدارة المالية، وبالرغم من عمله في معهد البحوث الفضائية إلا أن دخله السنوي من المعهد لا يقارن إطلاقًا بعمله في الاستثمار والتجارة، ولذلك وقف مثلي بين شقي الرحى؛ فمن ناحية إغراءات المال التي تُلقي بظلالها على أفكاره، ومن ناحية أخرى أحلامه في التنافس مع أمريكا على لقب ملوك الفضاء، ولكنه في النهاية اختار حلمه.
والسؤال هنا لماذا يواجه الحالمون تلك العقبات، ولماذا يجب عليهم الاختيار في حين أن أحلامهم ستفيد البشرية أكثر من سعيهم وراء المال؛ فهذا الصديق سيفيد بلده في مجال الفضاء أكثر من وجوده في مجال الاستثمار، وأنا حتى الآن مقتنعة أن تغيير الأفكار والتأثير في الآخرين بإيجابية مفيد أكثر من جني الآلاف كل شهر في مجال التسويق؛ لأن ببساطة كِلانا يُضحي برفاهيته المالية من أجل مساعدة مجتمعه، ولهذا أجيبوني هل فعلًا المال يستحق أن يتخلى البشر عن أحلامهم من أجله؟!! أعتقد أن أكبر ندم ممكن أن يشعر به المرء في حياته هو ندمه على الشيء الذي لم يفعله-رغمًا عن عشقه له-من أجل جني المال، وأتمنى ألا ينظر أيّ شخص لماضيه ويقول أسفي على الحلم الضائع.
بقلم - هبه مرجان:
اترك تعليق