تشهد إثيوبيا على مدار الشهور التسعة الماضية، حربا أهلية بين القوات التابعة لحكومة " أبى أحمد" ومقاتلى التيجراى. ومنذ اندلاع النزاع المسلح في إقليم تيجراي الشمالى في 4 نوفمبر 2020، تتأرجح البلاد الواقعة في منطقة القرن الأفريقى على شفا حرب أهلية شاملة، تحمل أصداء مخيفة للإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، عندما وقفت إفريقيا والعالم متفرجين على مقتل ما يقرب من مليون شخص، وتحول الصراع الجارى في شمال إثيوبيا إلى وصمة عار في ضمير الإنسانية لم يعد بإمكان الاتحاد الأفريقي ولا العالم تجاهله
الحسم العسكرى.. التسوية السلمية.. جمود الصراع
وشهد الصراع فى أثيوبيا مؤخرا تطورين مهمين أولهما، امتداد الحرب إلى خارج حدود الإقليم، وتحديداً باتجاه أمهرة وعفر. أما ثانيهما، فيتمثل في رفض أديس أبابا فتح ممرات لوصول المساعدات الإنسانية لإقليم تيجراي عبر السودان، على الرغم من إعلان الأمم المتحدة أن 400 ألف يعيشون في ظروف المجاعة فى تيجراى، وإن 90٪ من السكان يحتاجون إلى مساعدات غذائية طارئة.
وتصاعدت الأزمة الإثيوبية مع سعي "التيجراي" للسيطرة على محاور استراتيجية، حيث تقدمت قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي نحو إقليم عفر، وذلك في محاولة لقطع الطريق والسكك الحديدية التي تربط بين إديس أبابا وجيبوتي، والتي من خلالها تحصل إثيوبيا على حوالي 95٪ من التجارة غير الساحلية.
كما أنها تمكنت كذلك من التوغل في إقليم أمهرة، ونجحت في 6 أغسطس في الاستيلاء على بلدة لاليبيلا التاريخية، وهو ما يمكنها من الاقتراب بصورة أكبر من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، ورفضت الجبهة الدعوات للانسحاب من منطقتي عفر وأمهرة ما لم تلغ الحكومة الإثيوبية القيود المفروضة على إيصال المساعدات الإنسانية.
وأعلنت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي أن جيشها لن يوقف هجومه ضد القوات الفيدرالية الإثيوبية حتى ترفع حصارها عن المنطقة، بالإضافة إلى إعلانها يوم 31 يوليو، أن المعارك والحروب لن تتوقف حتى سقوط حكومة آبي أحمد، في إشارة إلى ارتفاع سقف المطالب في ضوء النجاحات التي تمكنت الجبهة من تحقيقها مؤخراً.
وأعلنت الحكومة الإثيوبية وقف إطلاق النار من جانب واحد، في 28 يونيو، وذلك عقب خسارتها ميكيلي عاصمة تيجراي، غير أن الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي رفضت، وأعلنت أنها ستواصل القتال.
ودفع هذا الأمر حكومة أبى أحمد والقادة الإقليميين المتحالفين معها لحشد المواطنين من جميع أنحاء البلاد للانضمام إلى الحرب ضد قوات التيجراي، وذلك منذ أواخر يوليو، خاصة مع تقدم قواتها في إقليمي عفر والأمهرة، ووصولها إلى ما يقرب من 80 كيلومتراً من جوندار، العاصمة التاريخية لإثيوبيا.
ورفضت حكومة أبى أحمد دعوات المنظمات وهيئات الإغاثة الغربية، في 3 أغسطس، فتح أي ممرات للمساعدات الإنسانية إلى إقليم "تيجراي" عبر الحدود السودانية، معتبرة أن هذه المطالب غير منطقية. وأكدت أديس أبابا أن الممر الوحيد لإدخال المساعدات سيكون عبر إقليم عفر الإثيوبي ودولة جيبوتي.
ويأتي ذلك في الوقت الذي تتهم فيه الحكومة الإثيوبية بخنق شعب تيجراي عبر منع وصول المساعدات الإنسانية، واستخدام الجوع سلاحاً في الحرب، وذلك على الرغم من تأكيد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، أنّ 5.2 مليون شخص، أو 91٪ من سكان تيجراي، يحتاجون إلى مساعدات غذائية طارئة.
ورفضت حكومة أبى أحمد في 5 أغسطس لعب السودان دور الوساطة في أزمتها مع "جبهة تحرير تيجراي"، معتبرة الخرطوم بأنها "ليست طرفاً ذا مصداقية"، في حين أن طرفي الصراع رفضا دعوات الأمم المتحدة لوقف الصراع الدائر بينهما.
ومع احتدام المواجهات العسكرية بين القوات التابعة لحكومة أبى أحمد من جهة، وبين مقاتلى جبهة تحرير تيجراى من جهة أخرى، وضع المراقبون 3 مسارات متوقعة للحرب الأهلية الجارية في إثيوبيا.
يتمثل المسار الأول فى الحسم العسكري.. يعد هذا السيناريو هو السائد حالياً، إذ يصر كل طرف على الاعتماد على الحل العسكري، حتى الآن، لتحقيق أهدافه بصورة كاملة، ويرفضان وقف إطلاق النار، فضلاً عن طرح مطالب تبدو تعجيزية للطرف الآخر. في الوقت الذي يطالب التيجراي بحكومة انتقالية تحل محل آبي أحمد، يصر الأخير على إرسال مجندين جدد لهزيمة مقاتلي التيجراى عسكريا.
ويوجد سيناريوهان فرعيان في إطار هذا السيناريو وهما، الإطاحة بآبي أحمد. إذ يمكن أن تتمكن جبهة التيجراي من تحقيق هدفها الرامي إلى السيطرة على أديس أبابا عسكريا، والإطاحة بآبي أحمد.
أما السيناريو الفرعى الثانى هو هزيمة التيجراى.. لكن يصعب تصور هذا السيناريو نتيجة لتراجع قوة القوات الإثيوبية أمام قوات التيجراي، وانسحاب الأولى في بعض الأحيان من دون قتال، كما في الانسحاب الأخير من بلدة لاليبيلا التاريخية.
ومع ذلك، فإن هذا الخيار سوف يكون مطروحاً في حالة حصول الحكومة الإثيوبية على دعم أجنبي، كما في حصولها على دعم من إريتريا، أو من تركيا. وإذا تمكنت حكومة أبى أحمد من تجويع التيجراي وعرقلة وصول المساعدات الغذائية لهم.
وهناك مسار التسوية السلمية.. ويرى المراقبون أن هذا المسار يمكن أن يتحقق في حالة جمود الصراع، وعجز كل طرف عن تحقيق أهدافه، وتتمثل العوامل التي تساعد على تحققه في التالي، تمتع آبي أحمد بدعم شعبي في مقابل زعماء تيجراي، حيث يرفض الكثير من الإثيوبيين عودة الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي إلى الحكم من جديد، أو تواجه قوات الجبهة مقاومة شعبية مع تقدمها خارج معاقلها في إقليم التيجراي، أو تمارس الإدارة الأمريكية ضغوضا على طرفي الصراع للجلوس للتفاوض، خوفاً من أن يترتب على ذلك انهيار الدولة الإثيوبية، وحدوث أزمة لجوء تمتد آثارها إلى القارة الأوروبية.
ولا يستبعد المراقبون مسار جمود الصراع.. ومن المتوقع أن يتخذ القتال بين حكومة أبى أحمد ومقاتلى اليتجراى هذا المسار، فى حال عجز طرفى الصراع عن تحقيق أهدافه العسكرية، وحدوث نوع من الجمود العسكري، وذلك في الوقت الذي يعجز فيه المجتمع الدولي عن ممارسة الضغوط الكافية لإجبار الأطراف المتصارعة للجلوس إلى طاولة المفاوضات.
وقد يفتح هذا الباب أمام انفصال إقليم التيجراى عن الدولة، خاصة في ضوء المادة 39 من الدستور الإثيوبي، والتي تجيز حق تقرير المصير في بعض الحالات؛ مما قد يترتب عليه تفكك الدولة الإثيوبية، خاصة إذا اتجهت الأقاليم الأخرى إلى السير على خطى إقليم التيجراى.
اترك تعليق