تُحيي وزارة الأوقاف اليوم الدولي لحفظ طبقة الأوزون، الذي يوافق 16 من سبتمبر من كل عام، وقد أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار رقم A/RES/49/114 الصادر عام 1994م، إحياءً لذكرى توقيع بروتوكول مونتريال بشأن المواد المستنفدة لطبقة الأوزون عام 1987م، ويأتي الاحتفال هذا العام تحت شعار: «العمل العالمي من أجل كوكب أكثر برودة»، بالتزامن مع مرور عشر سنوات على اعتماد تعديل كيغالي لبروتوكول مونتريال.
ويؤكد الإسلام مسئولية الإنسان عن عمارة الأرض وصيانة مقدراتها وعدم الإفساد فيها، قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]، وقال سبحانه: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، وقال سيدنا النبي ﷺ: «وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ»؛ رواه البخاري؛ بما يؤسس لوعي أخلاقي يجعل حماية البيئة، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وترشيد استخدامها، مسئوليةً إنسانية ومجتمعية تجاه الحاضر والأجيال القادمة.
وتُعد طبقة الأوزون درعًا طبيعيًّا يحمي الأرض من الجزء الضار من الأشعة فوق البنفسجية، بما يسهم في حماية صحة الإنسان والحيوان والنبات والتوازن البيئي. وقد قدم بروتوكول مونتريال نموذجًا بارزًا لقدرة المجتمع الدولي على تحويل المعرفة العلمية إلى سياسات والتزامات قابلة للتنفيذ، من خلال الحد من المواد المستنفدة لطبقة الأوزون والانتقال إلى بدائل أكثر أمانًا واستدامة، فيما جاء تعديل كيغالي عام 2016م ليعزز هذا المسار من خلال التخفيض التدريجي لمركبات الكربون الهيدروفلورية، وهي غازات دفيئة شديدة التأثير، ودعم التحول إلى تقنيات تبريد أكثر كفاءة واستدامة، بما يربط بين حماية طبقة الأوزون ومواجهة تغير المناخ وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، ويعزز مبادئ العدالة المناخية التي تضع الإنصاف وحقوق الإنسان واحتياجات الفئات والدول الأكثر تأثرًا بتغير المناخ في صميم جهود المواجهة.
وتجسد هذه التجربة الدولية أهمية العمل الجماعي القائم على العلم والالتزام والشراكة؛ فقد أصبحت اتفاقية فيينا وبروتوكول مونتريال في عام 2009م أول صكين في تاريخ الأمم المتحدة يحققان التصديق العالمي، بما يؤكد قدرة الإرادة الدولية المشتركة على مواجهة التحديات البيئية الكبرى وتحويل التعهدات إلى نتائج ملموسة.
وتواصل الدولة المصرية التزامها بالجهود الدولية في مجال حماية طبقة الأوزون ومواجهة تغير المناخ، حيث صدقت مصر على تعديل كيغالي في 22 من أغسطس 2023، ودخل حيز النفاذ بالنسبة لها في نوفمبر من العام نفسه، كما تواصل تنفيذ البرنامج المصري لحماية طبقة الأوزون، الذي يشمل قطاعات التبريد والتكييف والثلاجات والفوم والمذيبات وغيرها، إلى جانب تطبيق إجراءات للرقابة على المواد الخاضعة لبروتوكول مونتريال وتعديلاته.
وفي إطار تطوير المنظومة الوطنية، صدر في عام 2026م القرار الوزاري المشترك رقم (232) لسنة 2026م بشأن تنظيم استيراد وتصدير المواد والمخاليط الخاضعة لبروتوكول مونتريال وتعديلاته، بما يعزز كفاءة الرقابة على هذه المواد. كما تعمل الجهات المعنية على استكمال تطبيق نظام رمز الاستجابة السريعة (QR Code) على أسطوانات غازات التبريد، بما يتيح تتبع الأسطوانات والتحقق من بياناتها ومصادرها، والحد من تداول المنتجات غير المطابقة للمواصفات، ودعم إحكام الرقابة على السوق المحلية.
وتأتي استضافة مصر لمؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ COP27 بمدينة شرم الشيخ عام 2022م، وما شهدته من طرح قضايا المناخ والتمويل والتكيف والتحول نحو التنمية المستدامة، في سياق الجهود المصرية الرامية إلى دعم العمل المناخي وتعزيز الوعي بأهمية حماية البيئة وصون الموارد.
ومن هذا المنطلق، فإن حماية البيئة لا تقف عند حدود الإجراءات الفنية أو الاتفاقيات الدولية، وإنما ترتبط ارتباطًا وثيقًا ببناء الإنسان؛ فالوعي البيئي الحقيقي يبدأ من الإنسان، حين يدرك أثر سلوكه في الموارد والصحة والمجتمع، ويتحول هذا الإدراك إلى ممارسة يومية تقوم على ترشيد الاستهلاك، وعدم الإهدار، واحترام الموارد، والالتزام بالقواعد التي تستهدف حماية الحياة وصون حقوق الأجيال القادمة.
وتضطلع وزارة الأوقاف بدورها في بناء هذا الوعي من خلال خطب الجمعة والدروس والندوات والقوافل الدعوية والبرامج التثقيفية والمحتوى الإعلامي والرقمي، بما يرسخ القيم الدينية والوطنية والأخلاقية المرتبطة بحسن التعامل مع البيئة، وعدم الإفساد في الأرض، وترشيد الاستهلاك، وصيانة الموارد، والمسئولية تجاه المجتمع والأجيال القادمة.
ويتكامل ذلك مع جهود الوزارة في بناء الشخصية المصرية من خلال مبادرة «صحح مفاهيمك»، ومحاور عمل الوزارة، التي تتناول مواجهة الإرهاب والتطرف، ومواجهة التطرف الفكري، والتصدي للتطرف اللاديني المتمثل في تراجع القيم والأخلاق، واستعادة وبناء الشخصية المصرية الوطنية من منطلق ديني، والإسهام في صناعة الحضارة؛ بما يجعل الوعي الديني وعيًا قادرًا على تحويل القيم إلى سلوك، والمعرفة إلى مسئولية، والمسئولية إلى عمل نافع.
إن الحفاظ على طبقة الأوزون يقدم نموذجًا واضحًا على أن حماية الحياة وصيانة مقدرات الأرض تبدأ بالعلم، وتترسخ بالوعي، وتتحول إلى واقع بالالتزام والعمل المشترك. وحين يجتمع العلم مع الأخلاق، والوعي مع المسئولية، وحسن عمارة الأرض مع حسن بناء الإنسان، يصبح الحفاظ على البيئة جزءًا من مشروع أوسع لصناعة الحضارة وبناء مستقبل أكثر أمنًا واستدامة.
اترك تعليق