يقول الله تعالى:"قَالُواْ
أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (الأعراف:129)
القرآن لم يستعمل مضارعاً للفعل جاء ولم يستخدم إلا الفعل الماضي (جيء، جاء) لم يستعمل لا فعلاً مضارعاً لجاء ولا فعل أمر ولا اسم مفعول ولا اسم فاعل.
إذا أراد أن يستخدم مضارعاً يستعمل الفعل يأتي.
يقولون المجيء بمعنى الإتيان لكن الإتيان أيسر من المجيء، ويستعمل لما هو أيسر أما "جاء" فيستعمل لما هو أصعب.
لا نتوقع أن يأتي مضارع يجيء لأن القرآن لم يستعمل مضارع جاء. إذا كان كما يقول قسم من أهل اللغة أن المجيء فيه صعوبة والإتيان لما هو أيسر وأسهل فعند ذلك هل ما وقع أسهل أو ما لم يقع؟
إذا لم يقع أسهل وما وقع أصعب فـ (جاء) لما وقع و (يأتي) لما لم يقع. فرق بين الماضي والمضارع، جئتنا ماضي وتأتينا مضارع. هذا عموم استعمال جاء ويأتي، وهذا لم يقع بعد فيكون أيسر، هذا من حيث جاء ويجيء ويأتي.
تبقى الآية نفسها عندنا فيها أمران كما يقول د.فاضل السامرائي:
استعمل الماضي للفعل (جاء) في (من بعد ما جئتنا) جئتنا فعل ماض و(تأتينا) فعل مضارع والقرآن لا يستعمل مضارع جاء وإنما قال (تأتينا). هذا أمر. ولم يستعمل فعل أتى بالماضي لأن هذا عذاب وإيذاء، وقلنا المجيء لما هو أصعب من الإتيان فقال أوذينا من قبل ما جئتنا وهذا طبيعي في الاستخدام.
يبقى استعمال (أن) و (ما): ما قال من بعد أن جئتنا وإنما قال (من بعد ما جئتنا) فعل الماضي يأتي بعد (أن) في اللغة كما جاء في قوله:
"مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي" (يوسف:100)،
(مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ (الفتح:24).
لماذا هنا استخدم (ما) وهنا استخدم (أن)؟
(من بعد ما جئتنا) (ما) هذه تحتمل معنيين في اللغة هنا: الأول المصدرية والثانية الموصولة.
هنا توسع في المعنى وتحتمل الأمرين، هي مصدرية بمعنى (الذي) أي من بعد الذي جئتنا به وهو الرسالة.
إذن تحتمل أمرين معنيين:
من بعد مجيئه هو شخصياً ومن بعد الذي جاء به من الرسالة، ولذلك ما قال من بعد أن جئتنا به لتشمل المعنيين ولو قال من بعد أن جئتنا فإنها تعني الموصولة لأنه يصير عائد. فهنا (ما جئتنا) ذكر أمرين لأنه كان مجيئه بالرسالة ومجيئه هو، فجمع معنيين هنا وهذا من باب التوسع في المعنى.
اترك تعليق