أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، الصحابي المجاهد الشهيد، الذي جمع الله تعالى له بين الشرف والفضل.. أسلم الرجل مبكراً جداً قبل أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم ليدعوَ فيها، ومن عجائب الهداية أنه أسلم على الرغم من أسرته المشركة التي أسرفت في عداوتها للدعوة الجديدة، كان أبوه عتبة وعمه شيبة من سادة قريش.. لكنهما عاشا مشركين محاربين للإسلام، ومسرفين في العداوة والكيد والأذى، وماتا مشركين بسيوف المؤمنين في معركة بدر.
وحين هاجر المسلمون إلى الحبشة مرتين نائِينَ بأنفسهم عن الأذى، كان أبو حذيفة واحداً من المهاجرين في المرتين، وهو موقف آخر له، ينظر إليه المرء في إعجاب، ذلك أن بوسع رجل مثله أن يظل في مكة المكرمة بمنأى العذاب والتنكيل، يحميه من ذلك نسبٌ في قريش أثيلٌ عريق، وسيادة لوالده عتبة يعترف بها الجميع، لكنه مع ذلك هاجر مرتين، ذلك أنه دخل في المجموعة المسلمة الأولى واحداً من مجاهديها الصامدين يحملُ مثل الذي تحمل، ويَجْهَدُ مثل الذي تجهد دون حرصٍ على راحة، أو حذر أو مشقة.
والعجيب أن أبا حذيفة الذي هاجر مرتين إلى الحبشة على الرغم من والده عتبة، هاجرت معه زوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو.. على الرغم من والدها، الذي كان هو الآخر من سادة قريش، وممّن يعادون دعوة الإسلام ويحاربونها.
وجاءت هجرة ثالثة لأبي حذيفة في هجرته إلى المدينة المنورة، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبّاد بن بِشر الذي سارع يُقاسِمُه داره ومتاعه.. وكان المتآخيان الكريمان، الأنصاري والمهاجري، غاية في الشرف والشهامة والأريحية، وقمة في الصدق والإخلاص والصفاء.. ولقد كانت في حياتهما مَشابِهُ كثيرة رائعة نبيلة، وكان ختامها أن تواثقا على الاستشهاد معاً، وشاء الله عز وجل أن يتحقق ذلك بالفعل فإذا بالبطلين المؤمنين يمضيان شهيدين مبرورين في يوم واحد، هو يوم اليمامة كأنهما كانا على ميعاد.. مضيا شهيدين أثخنتهما الجراح.
ومنذ استقر أبو حذيفة في المدينة المنورة، حتى لقيَ وجه ربه عز وجل يوم اليمامة، كان جندياً مؤمناً صادق الإيمان، ينهض بتبِعاتِ المؤمن المجاهد في سبيل الله أحسن نهوض وأصدقه وأكرمه.. ويتحمل مسؤوليته كاملة في بناء المجتمع الإسلامي الأول، وصياغة الجيل الربّاني الفريد.
ودار الزمن مسرعاً يحث خطاه، وجاءت معركة بدر، ووقف أبو حذيفة في الصف المسلم، بينما وقف في الجهة الأخرى حيث الصف الكافر أبو عتبة، وعمه شيبة، وأخوه الوليد.. وكان هؤلاء أول من وقف بين الصفين يطلب المبارزة.. وتصدى لهم ثلاثة من عشيرة الرسول صلى الله عليه وسلم هم عمه حمزة بن عبد المطلب، وابنا عمه علي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث.. ولم يَطُلِ الأمر.. إذ سُرعان ما مزقت السيوف المؤمنة صدور الكافرين الصادّين عن الحق المحاربين للهدى المحالفين للشيطان.
موقفٌ صعب جداً، أن يرى أبو حذيفة دماء أبيه وأخيه وعمه تجري معاً في وقتٍ واحد، موقف شاق وثقيل، لأن أبا حذيفة كان يعرف في أبيه حِلْماً وفضلاً، فكان يرجو له أن يهتدي للإسلام، فلما رأى مصرعه على الكفر تألّم ووقف واجماً حزيناً.. ولَحَظَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الفَطِن النبيل الحكيم، وقدَّر ما دار في نفسه من عواطف فقال له: "يا أبا حذيفة لعلك دخلكَ من أبيك شيء؟".. فقال أبو حذيفة: "لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنتُ أعرف من أبي رأياً وحلماً وفضلاً، فكنتُ أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيتُ ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنتُ أرجو له أحزنني ذلك". عندها ترفَّق به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له خيراً، ودعا له بخير.
شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشهد يوم اليمامة في خلافة إبي بكر الصديق رضي الله عنه سنة اثنتي عشرة من الهجرة، واستُشهِد يومئذٍ، وكان له من العمر ثلاث وخمسون عامًا، وقيل: أكثر من ذلك. فرضي الله عنه.
اترك تعليق