مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

نجوم في سماء الدعوة

أسيد بن الحضير الأوسي (1)

أسيد بن الحضير الأوسي، أبويحيى.. صحابي، كان شريفا في الجاهلية والإسلام، مقدما في قبيلته (الأوس) من أهل المدينة.. ويعد من عقلاء العرب وذوي الرأي فيهم. وكان يسمى الكامل.. شهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار.. وكان أحد النقباء الاثني عشر، وشهد أحدا فجرح سبع جراحات وثبت مع رسول الله حين انكشف الناس عنه، وشهد الخندق والمشاهد كلها. وفي الحديث: نعم الرجل أسيد بن الخضير.. وله 18 حديثا.


حينما قدم الفتى المكي مصعب بن عمير إلى "يثرب"، في أول بعثة تبشيرية عرفها تاريخ الإسلام نزل على أسعد بن زرارة أحد أشراف الخزرج، واتخذ من داره مقاما لنفسه، ومنطلقا لبث دعوته إلى الله.. أخذ أبناء يثرب يقبلون على مجالس مصعب بن عمير إقبالا كبيرا. وكان يغريهم به عذوبة حديثه، ووضوح حجته، ورقة شمائله والقرآن الذي كان يتلو عليهم بين الفينة والفينة بعضا من آياته البينات؛ بصوته الشجي الرحيم، ونبراته الحلوة الآسرة، فلا ينفض المجلس إلا عن أناس أسلموا وانضموا إلى كتائب الإيمان.

وفي ذات يوم، خرج أسعد بن زرارة بضيفه الداعية مصعب بن عمير؛ ليلقى جماعة من بني "عبد الأشهل"، ويعرض عليهم الإسلام.. فاجتمع على مصعب جماعة قد أسلموا وآخرون يريدون أن يسمعوا، فانطلق يدعو ويبشر، والناس إليه منصتون، وبروعة حديثه مأخوذون.

فجاء من أخبر أسيد بن الحضير، وسعد بن معاذ وكانا سيدي "الأوس" بأن الداعية المكي قد نزل قريبا من ديارهما، وأن الذي جرأه على ذلك أسعد بن زرارة.. فقال سعد بن معاذ لأسيد بن الحضير: لا أبا لك يا أسيد، انطلق إلى هذا الفتى المكي الذي جاء إلى بيوتنا ليغري ضعفاءنا، ويسفه آلهتنا، وازجره وحذره من أن يطأ ديارنا بعد اليوم.. ولولا أنه في ضيافة ابن خالتي أسعد بن زرارة، وأنه يمشي في حمايته لكفيتك ذلك.

أخذ أسيد حربته، ووقف على الجمع، والتفت إلى مصعب وصاحبه وقال: ما جاء بكما إلى ديارنا، وأغراكما بضعفائنا؟!… اعتزلا هذا الحي إن كانت لكما بنفسيكما حاجة.. فالتفت مصعب إلى أسيد وقال له: يا سيد قومه، هل لك في خير من ذلك؟.. تجلس إلينا وتسمع منا، فإن رضيت ما قلناه قبلته، وإن لم ترضه تحولنا عنكم ولم نعد إليكم.. فقال أسيد: لقد أنصفت، وركز رمحه في الأرض وجلس.

فأقبل عليه مصعب يذكر له حقيقة الإسلام، ويقرأ عليه شيئا من آيات القرآن؛ فانبسطت أساريره وأشرق وجهه وقال: ما أحسن هذا الذي تقول، وما أجل ذلك الذي تتلو!!! كيف تصنعون إذا أردتم الدخول في الإسلام؟!.. فقال له مصعب: تغتسل وتطهر ثيابك، وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتصلي ركعتين.. فقام إلى البئر فتطهر بمائها، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وصلى ركعتين.. وقد كان إسلامه سببا في إسلام سعد بن معاذ وفي أن تسلم جموع غفيرة من "الأوس".

أولع أسيد بن الحضير بالقرآن، فكان لا يرى إلا مجاهدا غازيا في سبيل الله، أو عاكفا يتلو كتاب الله.. وكان رخيم الصوت، مبين النطق، مشرق الأداء.. وكان الصحابة الكرام يتحينون أوقات قراءته، ويتسابقون إلى سما سماع تلاوته.. وقد استعذب أهل السماء تلاوته كما استعذبها أهل الأرض.. ففي جوف ليلة من الليالي كان أسيد جالسا في مربده، وابنه "يحيى" نائم إلى جانبه، وفرسه التي أعدها للجهاد في سبيل الله مرتبطة غير بعيد عنه.. فتاقت نفسه للقرآن، فانطلق يتلو بصوته الرخيم الحنون فإذا به يسمع فرسه وقد جالت جولة كادت تقطع بسببها رباطها، فسكت؛ فسكنت الفرس وقرت وتكرر ذلك أكثر من مرة فخاف على ابنه "يحيى" أن تطأه، فمضى إليه ليوقظه، وهنا حانت منه التفاتة إلى السماء، فرأى غمامة كالمظلة لم تر العين أروع ولا أبهى منها قط وقد علق بها أمثال المصابيح، فملأت الآفاق ضياء وسناء، وهي تصعد إلى الأعلى حتى غابت عن ناظريه.. فلما أصبح مضى إلى رسول الله ﷺ، ووقص عليه خبر ما رأى، فقال له النبي: "تلك الملائكة كانت تستمع لك يا أسيد ولو أنك مضيت في قراءتك لرآها الناس ولم تستتر منهم".

 





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق