مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

فى الترشيد.. حياة

ترشيد الطاقة.. خط الدفاع الأول عن الاقتصاد الوطنى

ما نهدره اليوم ندفع ثمنه غدا.. والمواطن شريك أساسى فى نجاح الإجراءات
الأزمات الإقليمية وتضاعف فاتورة استيراد المنتجات البترولية.. تزيد الضغوط
مواجهة سرقات التيار وتعديل السلوكيات اليومية.. جزء من حل الأزمة

في أوقات الاضطراب الإقليمي، لا تصل الحروب إلى الدول المجاورة عبر الجبهات وحدها، بل عبر الأسواق أيضا، فبينما تقاوم الدولة المصرية ضغوطًا اقتصادية ممتدة، من تكلفة التمويل إلى نقص العملة الأجنبية وارتفاع الأسعار، تأتي الأزمات الجيوسياسية الكبرى وفي مقدمتها «الحرب على إيران» لتضيف عبئًا جديدًا على الاقتصاد المصري، حتى وإن كان عنوانها المعلن عسكريًا، إلا أن انعكاساتها الفعلية تمر عبر مسارات اقتصادية خالصة: النفط، الشحن، التأمين، وسلاسل الإمداد، قبل أن تصل في النهاية إلى فاتورة المواطن اليومية.


فمع تضاعف فاتورة استيراد المنتجات البترولية من 1.2 مليار دولار إلى 2.5 مليار دولار خلال شهرين، لا تتوقف التداعيات عند حدود الموازنة أو الضغط على الدولار، بل تصل سريعًا إلى المستهلك باعتباره الحلقة الأخيرة التي تتحمل الكلفة. فزيادة أسعار الوقود ترفع نفقات النقل والإنتاج والتوزيع، ثم تنعكس تباعًا على أسعار الغذاء والخدمات والسلع الأساسية، بما يغذي التضخم، ويستنزف دخول الأسر، ويضعف قدرتها الشرائية، ويدفع شريحة أوسع من المواطنين إلى خفض استهلاكهم والضغط على احتياجاتهم اليومية.

غير أن الهدر لا يأتي من الخارج وحده، بل من الداخل أيضًا. فسرقات التيار الكهربائي، على سبيل المثال، ليست مخالفة فردية معزولة، بل نزيف اقتصادي تتحمل كلفته المنظومة بأكملها. وعندما تقدر خسائرها بنحو 42 مليار جنيه خلال عام واحد، فإن هذه الأموال لا تختفي في الفراغ، بل تعود في صورة ضغوط على الشبكات، وتراجع في جودة الخدمة، وأعباء إضافية يتحملها المواطن الملتزم الذي يسدد فاتورته كاملة. المعادلة هنا واضحة: ما يُسرق من الشبكة لا يدفعه السارق وحده، بل يدفعه الجميع.

من هنا، لم يعد ترشيد الطاقة مجرد حملة توعوية أو نصائح منزلية عن إطفاء المصابيح، إنه سياسة اقتصادية متكاملة تبدأ من تحديث شبكات الكهرباء وتقليل الفاقد، وتمر بتحسين كفاءة الصناعة، ولا تنتهي عند تطوير النقل الجماعي والبدائل الأقل تكلفة، في عالم لا يمكن فيه التحكم في أسعار النفط أو مسارات الصراع، تبقى الكفاءة الداخلية هي خط الدفاع الأول، وإذا استمر الهدر، فلن تبقى التكلفة في تقارير الحكومة وحدها، بل ستظهر في الفاتورة والأسعار وفرص الحياة.

د. محمد أبونار الخبير الاقتصادى:
يحمى الاستقرار النقدى ويكبح جماح التضخم
ينعكس مباشرة على تقليل الطلب على الدولار وتحسين ميزان المدفوعات
تقليل الهدر ورفع الكفاءة ضرورة لتخفيف الضغوط المالية وإتاحة موارد

يقول الدكتور محمد أبو نار، الخبير الاقتصادي والمصرفي، إن ملف ترشيد الطاقة في مصر يجب النظر إليه باعتباره أداة اقتصادية مباشرة لحماية الاستقرار النقدي وكبح الضغوط التضخمية، وليس مجرد إجراءات تستهدف خفض الاستهلاك فقط.

أوضح أن تصريحات الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بشأن ارتفاع تكلفة استيراد الوقود من 1.2 مليار دولار في يناير إلى 2.5 مليار دولار في مارس، تكشف حجم الضغط الواقع على العملة الأجنبية، مؤكدًا أن أي خفض في الاستهلاك المحلي ينعكس مباشرة على تقليل الطلب على الدولار وتحسين ميزان المدفوعات.

أضاف أن العلاقة بين أسعار الوقود والتضخم تُعد من أكثر القنوات تأثيرًا على معيشة المواطنين، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ثم ينتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع الغذائية والخدمات، مشيرًا إلى أن أي زيادة في أسعار الوقود قد تضيف ما بين 2% و3% إلى معدل التضخم السنوي.

وتطرق إلى عبء الدعم على الموازنة العامة، موضحًا أن تكلفة دعم الطاقة تقدر بنحو 120 مليار جنيه خلال العام المالي 2026-2027، ما يعني أن تقليل الهدر ورفع الكفاءة لم يعودا مجرد مسألة فنية، بل ضرورة لتخفيف الضغوط المالية وإتاحة موارد لأولويات أخرى.

وفي ما يخص بؤر الاستهلاك، أوضح أن الضغط الأكبر يتركز في الكهرباء والصناعة والنقل، إلى جانب الفاقد في الشبكات وضعف كفاءة الاستخدام، وهو ما يجعل توجيه جهود الترشيد إلى هذه القطاعات أكثر جدوى من الإجراءات العامة.

أضاف أن المؤشرات الحالية تؤكد أن برامج الترشيد في مصر لم تقتصر على خفض الاستهلاك فقط، بل نجحت أيضًا في رفع كفاءة استخدام الطاقة وتحقيق وفر حقيقي في الوقود، مشيرًا إلى إعلان وزارة الكهرباء عن تحقيق وفر في استهلاك الكهرباء بلغ 18 ألف ميجاوات-ساعة خلال أسبوع واحد، إلى جانب توفير 3.5 مليون متر مكعب من الوقود، كما أسهم تطبيق نظام العمل عن بُعد في تحقيق وفر يومي قدره 4700 ميجاوات-ساعة، وتوفير 980 ألف متر مكعب من الوقود.

وتابع بأن الأداء التشغيلي يعكس تحسنًا ملموسًا في الكفاءة، إذ سجلت المنظومة خفضًا في استهلاك الوقود بنسبة 2.1% خلال شهر مارس، رغم زيادة الطاقة المنتجة بنسبة 3.3% مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس قدرة أعلى على إدارة الموارد المتاحة بكفاءة أكبر.

واقترح الخبير الاقتصادي أن تركز المرحلة المقبلة على تحديث الشبكات، والتوسع في العدادات الذكية، ورفع كفاءة الصناعة، والتوسع في النقل الجماعي، ومشروعات الطاقة المتجددة، ومحاربة سرقة التيار باعتبارها الأدوات الأعلى أثرًا والأسرع عائدًا اقتصاديًا.

واختتم بالقول: المعادلة بسيطة: كل وحدة طاقة يتم توفيرها اليوم قد تعني ضغطًا أقل على الدولار، وتضخمًا أقل غدًا.

 

د. ياسر حسين الخبير الاقتصادى:
الموارد المهدرة عبء على الموازنة والاستقرار الاقتصادى
224 مليار جنيه دعما للكهرباء والمواد البترولية فى «2026-2027»
سرقات التيار جزء من الأزمة.. والخسائر 42 مليار جنيه خلال 15 شهرا
نجاح سياسة الترشيد يتطلب تغييرا ثقافيا وتعديل السلوكيات اليومية
زيادة تكلفة الوقود أو الكهرباء تنتقل للمستهلك عبر الغذاء والخدمات والنقل

أكد الدكتور ياسر حسين، الخبير الاقتصادي، أن حجم الموارد المهدرة بات عبئًا مباشرًا على الموازنة والاستقرار الاقتصادي، موضحًا أن تقديرات دعم الكهرباء في موازنة 2026-2027 تبلغ نحو 104 مليارات جنيه، فيما يُقدر دعم المواد البترولية بنحو 120 مليار جنيه، وهي أعباء مالية ضخمة تجعل رفع الكفاءة وخفض الفاقد ضرورة اقتصادية لا خيارًا إداريًا.

وأضاف أن الهدر لا يرتبط بالاستهلاك فقط، بل يمتد إلى خسائر غير مشروعة داخل المنظومة، مشيرًا إلى أن تقديرات سرقات التيار الكهربائي خلال الفترة من يوليو 2024 إلى سبتمبر 2025 بلغت نحو 872 مليون دولار، بما يعادل قرابة 42 مليار جنيه. ويرى أن هذه الأرقام تكشف أن جزءًا معتبرًا من أزمة الطاقة يرتبط بالتحصيل والرقابة والانضباط التشغيلي، وليس فقط بحجم الإنتاج أو الأسعار.

وأكد أن استمرار هذا الوضع ينعكس مباشرة على الأسعار؛ لأن الطاقة تدخل في كل حلقات النشاط الاقتصادي، من تشغيل المصانع إلى نقل المواد الخام والسلع النهائية. وبالتالي فإن أي زيادة في تكلفة الوقود أو الكهرباء تنتقل تدريجيًا إلى المستهلك النهائي عبر الغذاء والخدمات والنقل، بما يعزز الضغوط التضخمية ويضغط على القوة الشرائية للأسر.

أشار إلى أن ترشيد الطاقة في معناه الصحيح لا يعني الحرمان أو تقييد الاستخدام، بل تحقيق أعلى استفادة ممكنة من كل وحدة طاقة بأقل تكلفة وأدنى فاقد؛ فالقضية، بحسب وصفه، ليست استهلاكًا أقل بقدر ما هي استهلاك أكثر كفاءة.

وفي ما يخص الأولويات العملية، يرى الخبير أن العائد الأسرع سيتحقق عبر تحديث الشبكات، والحد من الفاقد الفني، والتوسع في العدادات الذكية، وتحسين التحصيل، ورفع كفاءة الاستهلاك في القطاعات الأعلى استخدامًا للطاقة مثل الصناعة والنقل والمباني الحكومية. كما شدد على أهمية التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مع تسهيل الإجراءات أمام الاستثمارات الجديدة.

وأضاف أن نجاح أي سياسة للترشيد يتطلب تغييرًا ثقافيًا موازيًا، يبدأ من المؤسسات العامة ثم يمتد إلى المنازل والمدارس وأماكن العمل، عبر سلوكيات يومية بسيطة مثل الاستخدام عند الحاجة، والاستفادة من الإضاءة الطبيعية، وتقليل الهدر غير الضروري.

وشدد على ضرورة تيسير إجراءات تركيب الطاقة الشمسية للمنازل؛ حيث يمثل أداة سريعة وفعالة للترشيد؛ لأن كل منزل ينتج جزءًا من احتياجاته يخفف الضغط على الشبكة ويقلل استهلاك الوقود. وأكد أن تبسيط التراخيص، وخفض الرسوم، وتسريع الربط، وتوفير تمويل ميسر، يمكن أن يحول المنازل من مستهلك للطاقة إلى شريك في إنتاجها، بما يحقق وفرًا للأسر ويخفض أعباء الدولة.

واختتم بالقول إن أمن الطاقة أصبح أحد مرتكزات الأمن القومي الاقتصادي، وإن نجاح الإصلاح سيُقاس بقدرة الدولة على تحويل الطاقة من بند تكلفة متصاعد إلى رافعة للنمو والاستدامة.

د. أحمد خالد أستاذ الاستدامة وكفاءة استخدام الموارد:
الاعتماد على الدعم التقليدى أقل فاعلية وأكثر كلفة
التبريد والتدفئة أكبر مصدر للهدر فى المنازل.. والمبانى الخضراء تقلل الاستهلاك 40%
يجب تخفيض رسوم تراخيص المشروعات الموفرة للطاقة

يرى الدكتور أحمد خالد، أستاذ الاستدامة وكفاءة استخدام الموارد بجامعة عين شمس، أن التحولات العالمية واضطراب سلاسل إمداد الطاقة جعلا الاعتماد على الدعم التقليدي أقل فاعلية وأكثر كلفة، بينما يصبح الاستثمار في ترشيد الاستهلاك المسار الأكثر استدامة لحماية الاقتصاد ورفع كفاءة استخدام الموارد.

يوضح أن توجيه الإنفاق العام نحو خفض الهدر وتحسين الكفاءة يحقق عائدًا أطول أثرًا من دعم الاستهلاك المباشر؛ لأنه يقلل الطلب على الطاقة من الأساس بدلا من تمويل ارتفاع تكلفتها. وأضاف أن القطاع السكني يمثل نقطة انطلاق مهمة، إذ استحوذ على نحو 17.9% من إجمالي استهلاك الطاقة النهائي في مصر عام 2023، ما يجعله أحد أكبر المجالات القابلة لتحقيق وفر سريع إذا طُبقت إجراءات كفاءة الطاقة داخل المباني.

ولفت إلى أن تجارب المباني الخضراء تشير إلى إمكانية خفض الاستهلاك بنسب تتراوح بين 30% و40%، وقد تتجاوز 50% في المشروعات عالية الأداء مقارنة بالمباني التقليدية. وأوضح أن أكبر مصدر للهدر داخل المنازل يرتبط بالتبريد والتدفئة، اللذين يمثلان عالميًا ما بين 40% و50% من استهلاك المنزل للطاقة؛ لذلك فإن تحسين العزل الحراري، وتقليل تسرب الهواء، واستخدام نوافذ عالية الكفاءة، يمكن أن يخفض ساعات تشغيل أجهزة التكييف ويقلل الفاتورة والانبعاثات في الوقت نفسه.

أكد أن بعض الحلول لا تحتاج استثمارات كبيرة، مثل استخدام الإضاءة الموفرة LED، وضبط درجات التكييف عند مستويات معتدلة، وإغلاق النوافذ أثناء التشغيل، والاستفادة من الإضاءة الطبيعية نهارًا.

أشار إلى أن طلاء الأسطح والواجهات بألوان فاتحة، خاصة الأبيض، يعد من أسرع الإجراءات منخفضة التكلفة؛ لأنه يقلل امتصاص الحرارة ويخفض الأحمال الحرارية على المبنى.

وفي ما يتعلق بالأولوية الاستثمارية، يرى الخبير أن تحسين كفاءة المباني قد يكون في كثير من الحالات أكثر جدوى من بناء محطات كهرباء جديدة؛ لأن خفض الطلب على الطاقة أرخص وأكثر استدامة من التوسع المستمر في الإنتاج، خاصة مع تقلب أسعار الوقود وارتفاع تكاليف الإنشاء والتشغيل.

أشار إلى أن تسريع هذا المسار يتطلب حوافز واضحة، تشمل قروضًا ميسرة، ودعمًا جزئيًا لتقنيات الكفاءة، وتخفيض رسوم التراخيص للمشروعات الموفرة للطاقة، ومكافآت للمؤسسات الأكثر كفاءة. فالمعادلة، بحسب وصفه، أن الجنيه المستثمر في تقليل الاستهلاك قد يحقق عائدًا أعلى من الجنيه المنفق على إنتاج طاقة إضافية. واختتم بالقول إن أمن الطاقة لا يتحقق فقط بزيادة المعروض، بل أيضًا ببناء اقتصاد يستهلك الطاقة بذكاء وكفاءة، وهو ما يجعل الترشيد أحد أهم استثمارات المستقبل.

حين يرتفع سعر برميل النفط عالميًا، لا يدفع المواطن المصري الثمن فقط في محطة الوقود، بل يدفعه مرة ثانية في فاتورة الكهرباء، وثالثة في أجرة المواصلات، ورابعة في أسعار الغذاء المنقول بالشاحنات. وفي بلد يتجاوز عدد سكانه 110 ملايين نسمة، يصبح أي هدر صغير في الطاقة نزيفًا كبيرًا في الموازنة العامة.

خلال الشهور الأخيرة، أعلنت الحكومة خفض مخصصات دعم الطاقة في مشروع موازنة 2026-2027 إلى نحو 120 مليار جنيه، مقابل نحو 150 مليارًا في العام السابق، بينما تضاعفت فاتورة واردات الطاقة تحت ضغط الأسعار العالمية وتراجع الإنتاج المحلي من الغاز. السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى الترشيد؟ بل: أين يضيع الاستهلاك، ومن يتحمل التكلفة، وكيف يمكن تحويل الترشيد من عبء إلى فرصة؟

3 أولويات تحكم إجراءات الحكومة فى ملف الطاقة
تأمين الكهرباء للمواطن.. حماية استقرار الاقتصاد.. والتكيف مع الصدمات العالمية

د. جمال القليوبى أستاذ هندسة الطاقة:
صيف الأحمال المرتفعة.. يستنزف 38 ألف ميجاوات
إعادة توزيع الغاز بين القطاعات.. مع أولوية للكهرباء
900 مليون دولار شهريا فاتورة الطاقة.. تفسر قرارات الترشيد

يقول الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة الطاقة، إن إجراءات الحكومة في ملف الطاقة ليست استجابة مؤقتة، بل تعكس ثلاث أولويات استراتيجية: تأمين الكهرباء للمواطنين، حماية استقرار الاقتصاد، والتكيف مع صدمات أسواق الطاقة العالمية.

ويضيف أن المواجهة جرت عبر ثلاثة مسارات متوازية؛ الأول: خفض الاستهلاك السريع للكهرباء من خلال ترشيد الإنارة العامة، تقليل الإضاءة في الشوارع والمباني الحكومية، تقليص ساعات العمل ببعض الجهات، والتوسع في استخدام لمبات LED بالمؤسسات والمنازل، إلى جانب ضبط تشغيل التكييفات ونشر ثقافة الاستخدام الرشيد.

أما المسار الثاني فكان إدارة الطلب التجاري والخدمي عبر تقليل ساعات تشغيل بعض الأنشطة، وخفض استهلاك الإعلانات المضيئة والواجهات الخارجية والمولات والمحال التجارية. ويؤكد أن هذه الإجراءات، رغم محدودية أثرها الفردي، تحقق وفرًا كبيرًا حين تُطبق على نطاق واسع؛ لأنها تستهدف الأحمال غير الضرورية وقت الذروة.

المسار الثالث تمثل في إدارة الغاز الطبيعي باعتباره المورد الأكثر حساسية. ووفق تقديره، تبلغ فاتورة الغاز والسلع الوقودية نحو 900 مليون دولار شهريًا، ما يجعل أي وفر له أثر مباشر على ميزان المدفوعات. لذلك أُعيد توزيع الغاز بين القطاعات، مع أولوية للكهرباء ومنع الانقطاعات، مقابل خفض الإمدادات لبعض الصناعات كثيفة الاستهلاك مثل الأسمدة والبتروكيماويات عند الضرورة.

يشير إلى أن نحو 78% من كهرباء مصر تُوّلد بالغاز الطبيعي، فيما يعتمد الباقي على المازوت ومصادر أخرى. وفي بعض الفترات، يصبح المازوت بديلًا لتخفيف الضغط على الغاز وتقليل فاتورة الاستيراد نسبيًا، بالتوازي مع إعادة تنظيم ترتيبات تقاسم الإنتاج مع الشركاء الأجانب لضمان استمرار الإمدادات المحلية.

ويؤكد أن الحل المستدام يكمن في التوسع السريع بالطاقة النظيفة، إذ تستهدف مصر إضافة نحو 39 ألف ميجاوات من الطاقة المتجددة خلال ثلاث سنوات، تشمل 28 ألف ميجاوات رياح و11 ألف ميجاوات شمسية، إلى جانب مشروعات جديدة بقدرات تقارب 2500 ميجاوات تدخل الخدمة خلال الأشهر المقبلة.

ويشدد على أن الالتزام بالجداول الزمنية وتذليل العقبات التمويلية والتنظيمية لم يعد ترفًا، بل ضرورة اقتصادية لتقليل الاعتماد على الغاز مرتفع الكلفة.

وفي موازاة ذلك، يلفت إلى أهمية رفع كفاءة المحطات القائمة؛ فالمحطات العاملة بنظام الدورة المركبة يمكنها خفض استهلاك الغاز بنحو 40% مقارنة بالمحطات التقليدية، ما يجعل الصيانة والتحديث مسارًا لا يقل أهمية عن إنشاء قدرات جديدة. كما تبقى واردات الغاز المسال خيارًا احتياطيًا خلال الصيف، خصوصًا من يونيو إلى سبتمبر مع بلوغ الأحمال ذروتها.

ويعود إلى مفهوم إدارة الأحمال، موضحًا أن تجاوز الاستهلاك مستوى 37.5 إلى 38 ألف ميجاوات، بينما تدور المتوسطات الطبيعية صيفًا حول 33 إلى 34 ألف ميجاوات، يعني دخول الشبكة منطقة ضغط تستلزم تدخلًا سريعًا. ورغم امتلاك مصر بنية تحتية تصل إلى 58 ألف ميجاوات، فإن الاستخدام الفعلي تحدده كميات الوقود المتاحة. فالكميات الحالية من الغاز الموجهة للكهرباء، والبالغة 3.3 مليار قدم مكعب يوميًا، تنتج نحو 37 ألف ميجاوات.

ويشرح أن أي زيادة إضافية للكهرباء تأتي على حساب قطاعات أعلى ربحية في استخدام الغاز؛ فقطاع الأسمدة يتيح تصدير 5.5 مليون طن ويوفر نحو 3.4 مليار دولار سنويًا، بينما ينتج قطاع البتروكيماويات 4 ملايين طن بعائد يقارب 1.6 مليار دولار. لذا فإن توجيه الغاز بالكامل للكهرباء قد يحل أزمة لحظية، لكنه يخلق خسائر أكبر في النقد الأجنبي والصناعة.

وفي ملف أمن الإمدادات، يشدد على حاجة مصر إلى مخزون استراتيجي لمدة ستة أشهر، مع طاقة تخزينية تتجاوز 280 مليون برميل من الخام والمنتجات، مستفيدة من وجود 9 معامل تكرير محلية. ويخلص إلى أن القضية لم تعد إنتاج مزيد من الكهرباء فقط، بل إدارة كل وحدة غاز وكل ميجاوات بأعلى عائد اقتصادي واجتماعي؛ فالفارق بين اقتصاد قادر على الصمود وآخر هش هو كفاءة الإدارة.

د. ثروت راغب أستاذ هندسة البترول والطاقة:
ترشيد الاستهلاك توجه عالمى فرضته اضطرابات أسواق الطاقة
اليابان والصين وفرنسا أعادت ترتيب سياساتها بين التقليل والتوسع فى مصادر بديلة

يشير الدكتور ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إلى أن ترشيد الاستهلاك لم يعد خيارًا محليًا مرتبطًا بأزمة عابرة، بل أصبح توجهًا عالميًا فرضته اضطرابات أسواق الطاقة وتراجع الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والشحن.

ويقول إن دولًا صناعية كبرى، من اليابان إلى الصين وفرنسا، أعادت ترتيب سياساتها الطاقية بين خفض الاستهلاك والتوسع في مصادر بديلة، بينما اتجهت فرنسا إلى تعزيز قدراتها النووية لضمان أمن الإمدادات على المدى الطويل.

ويضيف أن مصر تتحرك في الاتجاه نفسه، لكن بدوافع أكثر إلحاحًا ترتبط بالفجوة بين الإنتاج المحلي والطلب المتزايد، خصوصًا في الغاز الطبيعي خلال فترات الذروة الصيفية.

ووفق تقديره، فإن إجراءات الترشيد الحالية تهدف إلى عبور هذه المرحلة الانتقالية لحين دخول اكتشافات جديدة وزيادة الإنتاج. وفي الوقت ذاته، تتبنى الدولة استراتيجية أوسع لتنويع مزيج الطاقة، تشمل التوسع في الطاقة الشمسية، والمشروع النووي، والهيدروجين الأخضر، بما يقلل الاعتماد على الوقود التقليدي مستقبلاً.

ويلفت إلى أن جانبًا مهمًا من الإصلاح يرتبط بالكفاءة التشغيلية داخل القطاع نفسه، موضحًا أن بعض الحقول كانت تعتمد على مولدات ديزل مرتفعة التكلفة لتشغيل الطلمبات، بينما يجري الآن التوسع في استخدام الطاقة الشمسية لتغذية هذه العمليات، وهو ما يخفض المصروفات التشغيلية ويقلل استهلاك الوقود.

ويرى أن إجراءات مثل العمل عن بُعد، وتوليد الكهرباء الشمسية فوق المباني والمنازل، يمكن أن تسهم أيضًا في خفض الطلب الإجمالي على الشبكة بنسب ملموسة إذا جرى تعميمها.

حسن نصر رئيس شعبة المواد البترولية:
الدولة تتحمل العبء الأكبر لتأمين الاحتياجات المحلية
تحديث أساطيل النقل والتوسع فى تحويل المركبات
للعمل بالغاز الطبيعى.. لخفض الاستهلاك

يقول المحلل الاقتصادي حسن نصر، رئيس شعبة المواد البترولية باتحاد الغرف التجارية، إن الضغوط التي يواجهها سوق الطاقة في مصر لا تنفصل عن موجة أوسع من ارتفاع أسعار الوقود عالميًا، وصعود الدولار، وزيادة تكلفة الاستيراد، ما يجعل أي وفر في الاستهلاك ذا قيمة مباشرة للاقتصاد.

ويضيف أن الدولة تتحمل أعباء كبيرة لتأمين احتياجات السوق المحلية؛ ولذلك فإن إجراءات الترشيد الحالية يجب النظر إليها باعتبارها أدوات إدارة أزمة وليست مجرد قرارات إدارية مؤقتة.

ويضيف أن تحديث أساطيل النقل، والتوسع في تحويل المركبات للعمل بالغاز الطبيعي، والصيانة الدورية للمحركات وضبط الإطارات، لا تقل أهمية عن أي قرار تسعيري؛ لأنها تخفض الاستهلاك الفعلي وتزيد كفاءة استخدام الطاقة.

وبحسب تقديره، فإن المكاسب المتراكمة لهذه الإجراءات لا تنعكس فقط على فاتورة الوقود، بل تمتد إلى تقليل الضغط على الاستيراد، وخفض تكاليف النقل، والحد من انتقال هذه التكاليف إلى أسعار السلع والخدمات.

ويخلص نصر إلى أن الترشيد في جوهره ليس تقشفًا، بل إدارة أكثر كفاءة للموارد في لحظة ترتفع فيها كلفة الطاقة عالميًا؛ فحين تصبح كل وحدة وقود مستوردة أكثر كلفة، وكل ميجاوات إضافي أكثر عبئًا على الشبكة، يتحول خفض الهدر إلى أحد أسرع الأدوات لحماية الاقتصاد وتخفيف الضغط عن المستهلك.

حجم الاستهلاك والطاقة المنتجة
تمتلك مصر قدرة كهربائية كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل عقد، إذ ارتفعت القدرات المركبة إلى مستويات تقارب 60 ألف ميجاوات وفق بيانات وتقارير رسمية، مع استهداف زيادات إضافية خلال السنوات المقبلة. لكن امتلاك القدرة الإنتاجية لا يعني الكفاءة في الاستهلاك أو خفض الفاقد؛ فجزء معتبر من العبء يأتي من توقيتات الذروة، والشبكات القديمة، وأنماط الاستخدام غير الرشيدة.

دعم المواد البترولية في موازنة 2025-2026، 120 مليار جنيه. وفي الوقت نفسه، قفزت فاتورة استيراد الغاز الطبيعي وحده من نحو 560 مليون دولار شهريًا إلى 1.65 مليار دولار شهريًا في إحدى موجات الصعود الأخيرة للأسعار.

اقتصاد الهدر غير المرئى
في الاقتصادات التي تواجه ضغوطًا على العملة والمالية العامة، لا تُقاس أزمة الطاقة فقط بحجم الإنتاج أو أسعار الوقود، بل أيضًا بما يُفقد يوميًا في مساحات لا تحظى بالانتباه الكافي: منزل يستهلك أكثر مما يحتاج، شارع مضاء بلا ضرورة، سيارة متوقفة في زحام طويل، ومصنع يعمل بتكنولوجيا تجاوزها الزمن.

الهدر هنا لا يظهر دائمًا في بيان رسمي، لكنه يتراكم في صورة فاتورة أعلى، واردات أكبر، وضغط متزايد على الموازنة والأسر.

المنازل.. استهلاك صغير يصنع رقما كبيرا
في آلاف المنازل المصرية، ما تزال لمبات متوهجة أو منخفضة الكفاءة تعمل لساعات يوميًا، رغم أن بدائل LED تستهلك جزءًا محدودًا من الكهرباء لنفس مستوى الإضاءة. الفارق في فاتورة منزل واحد قد يبدو محدودًا، لكن حين يتكرر عبر ملايين الوحدات السكنية، يتحول إلى حمل إضافي على الشبكة الوطنية.

ولا يتوقف الأمر عند الإضاءة؛ فالتلفاز المغلق ظاهريًا، والشاحن الموصول باستمرار، وأجهزة المطبخ على وضع الاستعداد، كلها تستهلك طاقة بصمت. إنه نزيف كهربائي لا يسمعه أحد، لكنه يظهر نهاية الشهر على الفاتورة.

الشوارع.. إنارة أكثر من الحاجة
الإنارة العامة إحدى الخدمات الأساسية للمدن الحديثة، لكنها قد تتحول إلى بند إنفاق مرتفع حين تعتمد على وحدات تقليدية أو تعمل دون إدارة ذكية. في شوارع فرعية وطرق منخفضة الكثافة، تستمر الإضاءة بنفس الشدة ولساعات ثابتة، سواء كان المرور كثيفًا أو شبه منعدم.

في مدن كثيرة حول العالم، تُستخدم حساسات الحركة والإضاءة، أو نظم تخفيض الشدة في الساعات المتأخرة. أما حين تغيب هذه الأدوات، تصبح الكهرباء المستهلكة تكلفة مستمرة بلا عائد.

التكييفات القديمة.. صيف مكلف
مع كل موجة حر، ترتفع الأحمال الكهربائية سريعًا، ويصبح التكييف أحد أكبر محركات الطلب. لكن الفارق بين جهاز قديم وآخر حديث عالي الكفاءة قد يكون كبيرًا في الاستهلاك.

المشكلة ليست في استخدام التكييف، بل في استخدام أجهزة منخفضة الكفاءة، أو أجهزة لم تخضع للصيانة، أو وحدات تعمل في غرف غير محكمة الإغلاق. وعندما يتكرر ذلك على نطاق واسع، تتحول حرارة الصيف إلى اختبار مكلف للشبكة والاقتصاد معًا.

الزحام.. وقود يحترق بلا حركة
الازدحام المروري يُنظر إليه غالبًا كأزمة وقت، لكنه في الحقيقة أزمة طاقة أيضًا؛ فالسيارة التي تتحرك ببطء شديد أو تتوقف لعشرات الدقائق تستهلك وقودًا دون إنتاجية مقابلة.

في المدن الكبرى، يصبح هذا النمط استنزافًا يوميًا: ساعات عمل مهدرة، شحنات تتأخر، ونفقات نقل أعلى تنتقل في النهاية إلى أسعار السلع والخدمات. الزحام ليس مجرد مشهد مزعج؛ إنه تكلفة اقتصادية متكررة.

المصانع.. أزمة خطوط الإنتاج القديمة
في بعض المصانع، لا تزال خطوط إنتاج قديمة تعمل بمعدات أقل كفاءة من المعايير الحديثة؛ محركات تستهلك كهرباء أعلى، أنظمة تبريد غير محسّنة، وصيانة مؤجلة ترفع الفاقد.

بالنسبة للشركة، يعني ذلك تكلفة إنتاج أعلى، وبالنسبة للاقتصاد، يعني تنافسية أقل واستهلاكًا أكبر للطاقة من أجل نفس الوحدة المنتجة. وفي الأسواق المفتوحة، يصبح الهدر الصناعي عبئًا على الأرباح وعلى فرص التصدير معًا.

الحرارة المفقودة.. الغاز والمياه الساخنة
سخان غير معزول، مواسير مكشوفة، أو شبكة غاز ضعيفة الصيانة قد تبدو تفاصيل فنية صغيرة، لكنها تعني ببساطة أن جزءًا من الطاقة المدفوعة لا يصل إلى المستهلك في صورته المفيدة.

الأسرة هنا لا تشتري فقط ماءً ساخنًا، بل تشتري أيضًا حرارة ضاعت في الطريق.

المبانى.. تصميم يزيد الفاتورة الشهرية
في كثير من المباني، لا يوجد عزل حراري فعّال؛ فالنوافذ تسمح بدخول الحرارة صيفًا وتسرب الدفء شتاءً، والأسطح تمتص درجات حرارة مرتفعة، النتيجة أن السكان يعتمدون أكثر على التكييف أو السخانات لتعويض ما فقده المبنى تصميميًا.

بمعنى آخر، بعض العقارات لا تستهلك الطاقة فقط، بل تصنع الحاجة إليها.

السلوك اليومى.. الاقتصاد يبدأ من العادة
ليست كل أزمة طاقة مرتبطة بمشروعات كبرى؛ أحيانًا تبدأ من قرارات يومية بسيطة: استخدام المصعد لطابق واحد، قيادة السيارة لمسافة قصيرة يمكن قطعها سيرًا، تشغيل التكييف مع نافذة مفتوحة، أو ترك الإنارة في غرفة فارغة.

كل تصرف منفرد يبدو محدودًا، لكن حين يتكرر ملايين المرات، يتحول إلى رقم وطني كبير. هكذا يعمل اقتصاد الهدر: يبدأ صغيرًا، وينتهي مكلفًا.

الخلاصة
الطاقة لا تضيع في مكان واحد، بل في سلسلة طويلة من القرارات المؤجلة والعادات القديمة والبنية غير الكفؤة، والدرس الاقتصادي الأوضح أن أرخص وحدة طاقة ليست دائمًا تلك التي ننتجها، بل تلك التي لا نهدرها من الأصل.

وإذا استمر هذا الهدر، فلن تبقى التكلفة بندًا في الموازنة أو رقمًا في تقارير الطاقة فقط، بل ستنتقل مباشرة إلى حياة الناس: فواتير أعلى، أسعار نقل أغلى، سلع أكثر كلفة، وفرص تنمية أقل، وفي النهاية، حين لا نحفظ مواردنا، نحن من سيدفع الثمن.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق