حصل المستشار أحمد محمد محمد فتوح، رئيس المحكمة، على درجة الدكتوراه بتقدير امتياز، عن رسالته العلمية التي تناولت "خصوصية إجراءات التقاضي أمام المحاكم الدولية مقارنة بالقضاء الوطني"، متخذًا من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان نموذجًا تطبيقيًا للدراسة والتحليل.
وتشكلت لجنة المناقشة والحكم والإشراف على الرسالة من نخبة من كبار أساتذة القانون في مصر، ضمت الأستاذة الدكتورة سحر عبد الستار إمام، أستاذ ورئيس قسم قانون المرافعات المدنية والتجارية وعميد كلية الحقوق (السابق) بجامعة مدينة السادات، والأستاذ الدكتور ماهر جميل أبو خوات، أستاذ القانون الدولي العام وعميد كلية الحقوق بجامعة كفر الشيخ.
ويُعد المستشار الدكتور أحمد محمد محمد فتوح من الكفاءات القانونية المتميزة، حيث حصل على ليسانس الحقوق (القسم الإنجليزي) عام 2008، ثم درجة الماجستير في القانون الخاص، إلى جانب حصوله على دبلومي القانون الخاص والشريعة الإسلامية، فضلًا عن سجل مهني حافل بالعطاء والإنجازات القضائية.
واستهل الباحث رسالته برؤية فلسفية وعلمية تؤكد أن العدالة لا تُقاس فقط بنتائج الأحكام، وإنما بالطرق والإجراءات التي تُتبع للوصول إليها، مشيرًا إلى أن الإجراءات القضائية تمثل الضمان الحقيقي لتحقيق العدالة، إذ قد يتحقق الحق موضوعيًا بينما يُهدر إجرائيًا فتضيع العدالة بين النص والتطبيق.
وأوضح المستشار أحمد محمد محمد فتوح أن دراسة إجراءات التقاضي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قواعد تنظيمية جامدة، وإنما كمنظومة قانونية تعكس فلسفة كل نظام قانوني ورؤيته للعدالة وحدود السلطة ومكانة الفرد في مواجهة الدولة، خاصة في ظل التداخل المتزايد بين الأنظمة القانونية عالميًا، وتنامي دور القضاء الدولي في حماية الحقوق والحريات.
وطرح الباحث عددًا من التساؤلات المحورية، أبرزها: هل تختلف إجراءات التقاضي باختلاف مستويات القضاء؟ وهل تمثل الخصوصية الإجرائية أمام المحاكم الدولية، وعلى رأسها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، تطورًا نحو عدالة أكثر إنصافًا، أم أنها قد تفرض تعقيدات إجرائية تعوق الوصول إلى العدالة؟
وأكد المستشار أحمد محمد فتوح أن فرضية الدراسة تقوم على أن خصوصية الإجراءات ليست مجرد اختلاف تقني، بل انعكاس لطبيعة كل نظام قانوني ووظيفته، حيث يقوم القضاء الوطني على اعتبارات السيادة، بينما يسعى القضاء الدولي إلى تحقيق توازن بين احترام سيادة الدول وضمان حماية الحقوق على المستوى الدولي.
وسلطت الدراسة الضوء على المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان باعتبارها نموذجًا متقدمًا في منظومة العدالة الدولية، إذ لا تقتصر وظيفتها على الفصل في النزاعات، بل تمتد لتكون أداة رقابية على الأنظمة القضائية الوطنية، بما يسهم في تطوير المعايير القانونية لحماية الحقوق والحريات.
كما أوضحت الدراسة أن اللجوء إلى المحكمة الأوروبية متاح للأفراد، وهو تطور جوهري في القانون الدولي، غير أن ذلك يخضع لشروط إجرائية دقيقة، من بينها استنفاد طرق الطعن الداخلية، والالتزام بالمواعيد الإجرائية، مع اعتمادها بشكل أساسي على الإجراءات الكتابية، وإتاحة تدخل أطراف ثالثة مثل منظمات المجتمع المدني في بعض الحالات.
وتناولت الدراسة تحليلًا مقارنًا لخصوصية إجراءات التقاضي في عدد من المحاكم الدولية، حيث أوضحت أن محكمة العدل الدولية يقتصر التقاضي أمامها على الدول، ويغلب على إجراءاتها الطابع الكتابي مع تمتع أحكامها بالنهائية، بينما تقوم المحكمة الجنائية الدولية على مساءلة الأفراد مع توازن دقيق بين ضمانات المتهم ومكافحة الإفلات من العقاب، في حين توفر المحاكم الإدارية التابعة للأمم المتحدة نظامًا قضائيًا خاصًا لحماية الموظف الدولي عبر درجتي تقاضٍ.
وفي المقابل، أبرزت الدراسة أن القضاء الوطني المصري يتميز بتنوع إجرائي يعكس طبيعة المنازعات، حيث تختلف الإجراءات بين القضاء العادي والاقتصادي وأمن الدولة والأحوال الشخصية، فضلًا عن خصوصية القضاء العسكري من حيث السرعة والانضباط.
وخلصت الدراسة إلى مجموعة من النتائج، أهمها أن الإجراءات القضائية أصبحت أداة أساسية لضمان الحقوق وليست مجرد قواعد شكلية، ووجود فجوة في بعض الأنظمة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي، إضافة إلى أن تعدد درجات التقاضي قد يؤدي إلى إطالة أمد النزاعات بما يؤثر على فاعلية العدالة.
كما أشارت إلى وجود بطء تشريعي في مواكبة التطورات التكنولوجية، ما ينعكس على كفاءة المنظومة القضائية، وأكدت أهمية تعزيز استقلال القضاء عبر آليات مؤسسية فعالة، إلى جانب تطوير الضمانات الإجرائية في القضاء العسكري لتحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وضمانات العدالة.
واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن تطوير العدالة الإجرائية يتطلب رؤية شاملة تقوم على تحديث التشريعات، وتطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز الثقافة القانونية لدى القضاة والمتقاضين، والتوسع في استخدام الوسائل الإلكترونية لتبسيط الإجراءات وتسريع الفصل في القضايا.
اترك تعليق