مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

"النصف من شعبان".. ليلة البراءة والغفران

العلماء: تحويل القبلة.. قمة الولاء وحب الأوطان

الاتجاه للكعبة ربط قلوب المؤمنين بالبيت العتيق

اغتنموا هذا الدعاء لنيل الخير والرزق ومغفرة الذنوب

قوموا ليلها وصوموا يومها وابتعدوا عن الفرقة والشحناء

ليلة النصف من شعبان ليلة مباركة كرم الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم بتحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام استجابة لرغبته الشديدة وحبه لمكة التي ولد وتربى فيها وكان يشتاق إليها فؤاده وتهفو نفسه لها بعد أن هاجر إلى المدينة مرغما وابتعادا عن بطش قريش.. فأراد الله أن يعوضه فأمره بتحويل القبلة حتى يطمئن قلبه.


وهذه الليلة نفحة إلهية تأتي كل عام كإحدى الليالي التي تحظى بمكانة خاصة في قلوب المسلمين، لما تحمله من معانٍ إيمانية وروحية عميقة، فهي ليلة تسبق شهر رمضان، وكأنها محطة إيمانية لمراجعة النفس وتجديد العهد مع الله.. وقد أجمع كثير من علماء الأمة على أن ليلة النصف من شعبان لها فضل خاص، مستدلين بما ورد في عدد من الأحاديث النبوية، منها قول النبي ﷺ: "يطّلع الله إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن".

حول فضل هذه الليلة المباركة يقول د. أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر قال الله – عز وجل – (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً...).. والمتأمل بحق، والمتدبر بصدق بسلامة الإدراك في مسألة تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام يجد حكماً جليلة، ولطائف جميلة، تشرف في ثنايا الحدث، فذكر بمناهج قويمة، تهدي العقول وترشدها، إلى أحكام التشريع الإسلامي وسموه، حيث للحدث صلة بأمور عقائدية وعملية وسلوكية أهمها: أولا.. في المجال العقائدي أن إقفال الله سبحانه وتعالى بمحض الإلهية والقدرة والنفاذ والاستيلاء، دل على ذلك صريح قوله تعالى (قل لله المشرق والمغرب) فإنه تعالى علل جواز النسخ –تحويل القبلة– بكونه مالكاً للمشرق والمغرب، والملك يرجع حاصله إلى القدرة، لا إلى الحكمة، وعلى هذا فمحال أن تكون أفعاله –جل شأنه– بالدواعي والأغراض.. فالعرش قبلة الحملة، والكرسي قبلة البررة، والبيت المعمور قبلة السفرة، والكعبة قبلة المؤمنين، والحق -جل وعلا– قبلة المتحيرين، لذلك قال (فأينما تولوا فثم وجه الله).

إن الله –سبحانه وتعالى– شرع للمسلمين بمكة التوجه إلى بيت المقدس ليتميزوا عن المشركين عبدة الأصنام حول الكعبة، فلما هاجروا إلى المدينة وبها يهود أمروا بالتوجه جهة البيت الحرام ليتميزوا عن اليهود، وأن ذلك من وسائل تنقية جماعة المؤمنين عن مهزوزي وضعاف الإيمان ومن المنافقين، دل على هذا قوله –تقدست أسماؤه –(وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول من ينقلب على عقبيه).

إن الهداية إما أن يكون المراد منها: الدعوة أو الدلالة أو تحصيل العلم فيه، والأولان باطلان لأنهما عامان لجميع المكلفين، فينبغي حمله على الوجه الثالث وذلك يقتضي أن الهداية والإضلال من الله –تعالى– (يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم).. كما أن الله –عز وجل– أظهر حبه لرسوله صلى الله عليه وسلم بواسطة أمره باستقبال الكعبة، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يتمنى ذلك مدة لمصالح الدعوة الحقة من مخالفة اليهود، ومعرفة الموافق من المنافق، واستقبال أول بيت وضع للناس للذي ببكة بعد زوال العلة بالهجرة فانتفى حرج موافقة المشركين، فتلك مصالح دينية لأجلها قلب وجهه في السماء، فاستجاب –تعالى– لما في قلبه ووجدانه، وعقله، فحول القبلة لأجله على جهة التحقيق (فلنولينك قبلة ترضاها) ولم يقل أرضاها.

أضاف د. كريمة أنه ثانيا: في المجال العملي فإن من مقاصد تعيين القبلة في الصلاة أن في الإنسان نوازع شتى والمقصود من الصلاة حصول الخشوع وهو لا يحصل إلا بالسكون وهو لا يتأتى إلا بالاتجاه لجهة واحدة على التعيين، كذلك جعل المؤمنين في موافقة وألفة بعيداً عن الفراق والوحشة ومن عوامل ذلك القبلة الواحدة المتعينة.. فالأمة لها الشهادة على من سواها لا لهم أي شهداء على الناس لا الناس لأن قولهم يقتضي التكليف الشرعي إما بقول أو فعل وذلك عليه لا له في الحال.. والتوجه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بالأمر بالتوجه إلى البيت الحرام جهة أو عين الكعبة والراجح أن الأمر بالتوجه إلى القبلة جهة البيت الحرام تيسيراً للناس.. واستقبال القبلة واجب ولا سبيل إلى الاستقبال لغير المشاهد للكعبة إلا بالاجتهاد فدل على أن التكليف بالظن واقع وهو يؤدي إلى وجوب الاجتهاد بشروطه المعتبرة والمعتمدة.

ثالثا: في المجال السلوكي فإن الوسط من كل شيء خياره، ومنهج الشريعة الغراء التوسط في الدين بين المفرط والمغالي والمقصر، فهذه الأمة لم ولن تفرط في أصول وثوابت دينها ولم ولن تغالي ولن تقصر، بل هي قائمة بنهج معتدل لأنها (خير أمة أخرجت للناس).. وأعداء (الدين الحق) في كل زمان ومكان، ينتهزون أية فرصة للتواثب عليه، حقداً وحسداً، فاليهود والمنافقون وعبدة الأوثان شنعوا غداة تحويل القبلة (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) لذلك نعتوا (سيقول السفهاء من الناس) فأعداء الحق فيهم طيش وحماقة، خفة وغباوة، يتصيدون العثرات، فأقوالهم هباء، والله –تعالى- حافظ دينه.

إن الابتلاء يعقبه اصطفاء واجتباء، فتحويل القبلة (لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة على الذين هدى الله) من نتائجه وثماره (فاستبقوا الخيرات)، (ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون).. تلك لطائف مشرقة في حدث (تحويل القبلة) لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ليلة البراءة

أكد د. إبراهيم نجم مستشار مفتي الجمهورية الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن ليلة النصف من شعبان سميت "ليلة البراءة" أو "الغفران" أو "القدر" وجميع هذه التسميات لا مانع منها شرعًا.. فالمعنى المراد من ذلك أنها ليلة يقدر فيها الخير والرزق ويغفر فيها الذنب، وهو معنى صحيحٌ شرعًا، وموافقٌ لما ورد في السنة عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا يَوْمَهَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا، أَلَا كَذَا..؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ".

أضاف أن الله سبحانه وتعالى عظم هذه الليلة حيث ينزل على جميع خلقه مغفرته ورحمته إلا المشرك أو المشاحن.. لذلك ننصح المسلمين في هذه الليلة المباركة أن يبتعدوا عن كل ما يؤدي إلى الفرقة والشحناء التي تفسد الود والمحبة بينهم وأن يكونوا عباد الله إخوانا يتعاملون مع بعضهم البعض بنفس صافية حتى يستقبلوا رمضان بأعمال متقبلة فينالون من نفحاته ويقبلهم الله جل شأنه في رحابه.

أشار إلى أن هناك دعاء يحرص على ترديده كثيرون في ليلة النصف من شعبان وهو: "اللَّهُمَّ يَا ذَا الْمَنِّ وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا ذَا الطَّوْلِ وَالإِنْعَام، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ظَهْرَ اللَّاجِئينَ، وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ، وَأَمَانَ الْخَائِفِينَ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا أَوْ مَحْرُومًا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مُقَتَّرًا عَلَيَّ فِي الرِّزْقِ، فَامْحُ اللَّهُمَّ بِفَضْلِكَ شَقَاوَتِي وَحِرْمَانِي وَطَرْدِي وَإِقْتَارَ رِزْقِي، وَأَثْبِتْنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ سَعِيدًا مَرْزُوقًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرَاتِ.. فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ فِي كِتَابِكَ الْمُنَزَّلِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ الْمُرْسَلِ: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، إِلهِي بِالتَّجَلِّي الْأَعْظَمِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ الْمُكَرَّمِ، الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وَيُبْرَمُ، أَنْ تَكْشِفَ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا نَعْلَمُ وَمَا لَا نَعْلَمُ وَمَا أَنْتَ بِهِ أَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ".

حب الأوطان

حول فضل هذه الليلة المباركة وما يستحب فيها من أعمال يقول د. حمدي طه الأستاذ بجامعة الأزهر، إن الله سبحانه وتعالى أمر بتحويل القبلة ليرد على اللغط الذي كان يروج له اليهود حول قبلة المسلمين.. حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا وهو يتوجه لبيت المقدس بهدف تأليف قلوب أهل الكتاب للإسلام ولكن لما لم يجد استجابة منهم توجه بقلبه إلى السماء وأخذ يقلب وجهه ويتمنى تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة دون أن يطلب ذلك صراحة من الله عز وجل حتى استجاب ربه لرغبته وأمره بتحويل القبلة كي تقر عينه.

أشار إلى أن المسلمين عليهم اغتنام المنة والهبة التي يمنحها الله لهم في ليلة النصف فيكثرون من الدعاء والصيام والصلاة حتى ينالوا مغفرته ورضوانه فعن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يطلع على عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين، ويرحم المسترحمين ويؤخر أهل الحقد كما هم".

يرى د. طه أن تحويل القبلة إن دل على شيء في المقام الأول فإنما يدل على الولاء وحب الوطن فنحن نعلم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قلبه متعلقا بمكة ولذا عندما خرج في الهجرة وقف ونظر إلى مكة وقال "أعلم أنك أحب البلاد إلى الله والله يعلم أنك أحب البلاد إلى نفسي ولولا قومك أخرجوني ما خرجت".. فنزل عليه قول الله سبحانه وتعالى "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد" أي سوف تعود إليها مرة ثانية في يوم من الأيام وقد حدث ذلك عندما فتحها في العام الثامن من الهجرة.

وعندما فرض الله الصلاة على رسول الله في العام العاشر من البعثة أمره بأن يستقبل المسجد الأقصى وهي قبلة المسلمين الأولى وكان النبي إذا أراد الصلاة في مكة يجعل بينه وبين المسجد الأقصى المسجد الحرام حبا وولاء لهذا البيت العتيق قبلة أبيه إبراهيم والأنبياء من بعده.. فلما هاجر النبي إلى المدينة كان إذا استقبل المسجد الأقصى يكون المسجد الحرام خلفه لذلك كان يقلب وجهه في السماء يرجو الله أن يعيده إلى المسجد الحرام ولاء وحبا لوطنه واشتياقا إلى مسقط رأسه وتمجيدا لقبلة إبراهيم وإسماعيل أجداده ومفخرة قومه حيث إن قريشا كانت تتفاخر بأنهم سدنة البيت الحرام القائمين على تطهيره وتعميره للزائرين له.. لذلك كانت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم مشغوفة ومتعلقة بالمسجد الحرام فكان يدعو الله في صلاته أن يتخذ من المسجد الحرام قبلة.. ويقول الله سبحانه وتعالى تسجيلا لما كان يدور في نفس النبي "قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره".

شهر ترفع فيه الأعمال

د. عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، يقول إن شهر شعبان شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله عز وجل, ولهذا فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام فيه, وقد سأله أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن سبب ذلك, فقال: "يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان ؟, قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان, وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين, وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم", وقد رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيامه, إذ روي عن أنس رضي الله عنه قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصوم أفضل بعد رمضان؟, قال: شعبان لتعظيم رمضان", وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان, وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان", وفي رواية أخرى قالت: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرا أكثر من شعبان, فإنه كان يصوم شعبان كله".

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم هذه الليلة ويكثر من الدعاء فيها, ويحض على قيام هذه الليلة وصيام يومها, إذ روي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كانت ليلة النصف من شعبان, فقوموا ليلها وصوموا يومها, فإن الله تبارك وتعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا, فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له, ألا من مسترزق فأرزقه, ألا من مبتلى فأعافيه, ألا كذا ألا كذا, حتى يطلع الفجر".
وهذا كله دليل على عظم فضل هذا الشهر وفضل العبادة فيه مرضاة لله سبحانه واستجلابا لمغفرته ورحمته وعفوه عن كثير من خلقه في هذا الشهر العظيم.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق