بقلم/ أحمد سليمان
[email protected]
الإدارة فن وعلم وممارسة، ففى جامعات العالم كله كليات تدرس علم الإدارة، وفنون الإدارة ومكاسب الإدارة الناجحة وخسائر الإدارة الفاشلة، ويأتى فى مقدمة أهم عوامل الإدارة الناجحة توافر الموهبة والقدرة على إدارة منظومة أو مؤسسة أو هيئة أو شركة، أو حتى إدارة رب الأسرة للأسرة بنجاح، ثم تأتى الرؤية الواضحة للمطلوب من المدير، أو المسؤول عن المنظومة المطلوب إدارتها، فالإدارة (ليست فسحة) كما قال السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال كلمته بحفل عيد الشرطة الرابع والسبعين، وأى مسؤول يجد نفسه غير قادر على إدارة المنظومة (يغادر).
ما قاله السيد الرئيس خلال هذا الاحتفال عن كيفية إدارة مؤسسات الدولة وإصلاحها وتطويرها كان درساً مهماً فى فنون الإدارة، يجب أن يكون أساساً عند تقييم أى مسؤول فى أى موقع، ويكون منطلقاً لأى رئيس أو مدير يتولى منصباً، ويكون هدفاً يضعه نصب عينيه، يعمل من خلاله، ويعيد تقييم أدائه ذاتياً كل يوم، ويسأل نفسه :هل أضاف جديداً للمكان الذى يديره؟، هل حقق مكسباً؟، هل أوقف خسارة؟، هل حل مشكلة؟، هل قضى على روتين عقيم يعوق عمله؟.
وكما قال السيد الرئيس خلال حفل عيد الشرطة أيضاً "إن الإصلاح المنشود لأى مؤسسة يأتى بالتدريج، وبهدوء، وبرفق، وبعقل، فقد تم إجراء إصلاح عميق لمؤسساتنا طوال عشر سنوات مضت مع رفق ولين وطول بال على المؤسسات القائمة، فالمدى الزمنى للإصلاح مدى طويل ربما يستغرق سنة أو سنتين أو عشر سنوات، لأننا نتعامل مع كيان قائم وثقافات وعادات عمل موجودة، ويجب تغييرها للأفضل دون أذى".
ثم تأتى بقية العناصر الأساسية الواجب توافرها فى المسؤول ومنها الدراية التامة بكل مشاكل المؤسسة التى يديرها، والعمل على حلها، وكما قال السيد الرئيس خلال حفل عيد الشرطة نفسه إن اى مسؤول عن أى مؤسسة لابد أنه بدأ العمل بها وهو فى عمر العشرينات، واستمر فى العمل حتى تولى مسؤوليتها فى سن الخمسينات تقريباً، أى انه قضى ما يقرب من ثلاثين عاماً فى العمل داخل المؤسسة ذاتها، ولابد أن يكون على دراية كاملة بكل مشكلاتها، واحتياجات العاملين فيها، والعمل على تحقيق المستهدف السنوى منه على مستوى القيادة، وفى الوقت نفسه تحقيق طموحات العاملين معه حتى ينجح فى المهمة الموكلة إليه.
ثم يأتى التطوير المستمر فى أداء المسؤول، وعدم الركون إلى إنجاز واحد تحقق، بل يبحث عن إنجاز جديد، يضاف إلى رصيده من إنجازات عندما يتم تقييمه، فالتوقف عن النجاح فشل، والاكتفاء بالأداء العادى أياً كان نوعه تخلف عن الركب، والامتناع عن التطوير، سواء بقصد أو بدون قصد هو مثل خطوة فى المكان أى "محلك سر"، وتطبيق مبدأ "ليس فى الإمكان أبدع مما كان" هو سقوط فى مستنقع اليأس والإحباط، وخيانة للأمانة والعهد مع الله والدولة والعاملين فى المؤسسة التى يديرها.
يضاف إلى ما سبق حرص المدير المسؤول على التعلم، والاطلاع على أحدث ما وصلت إليه الشركات أو المؤسسات العاملة فى مجاله سواء على المستوى الدولى أو المحلى ودراسة المؤسسات المنافسة، حتى يستطيع وضع خطط ومستهدفات جديدة تواكب المنافسين، بل والابتكار فى مجاله ليتقدم بخطوة أو أكثر، وبالتالى زيادة كفاءة وجدارة وأمانة وشفافية مؤسسته، فبالفهم والإرادة والعمل يتغير الحال للأفضل، كما قال السيد الرئيس.
إن الاستغلال الأمثل لإمكانيات وموارد والأصول غير المستغلة للمؤسسة ـ أى مؤسسة ـ يمثل أحد أهم عوامل نجاح أى مسؤول، أيضاً فإن اكتشاف المواهب وأصحاب القدرات المتميزة وحسن اختيار المعاونين يضيف قيمة كبيرة لأى منصب، فقد يكون المسؤول على درجة عالية من الكفاءة، ولكن اختيار معاون معوِّق (بتشديد وكسر الواو) وغير جدير بالاختيار قد يكون سبباً فى فشل المسؤول الأول، والعكس صحيح تماماً، فكلما كان المعاون أو المساعد أو النائب كفاَ، وعلى درجة كبيرة من الفهم والدراية والوعى كان عاملاً مساعداً، بل وشريكاً فى النجاح.
ثم تأتى "محاسبة النفس" كأحد أهم العناصر الواجب توافرها فى أى مسؤول يتولى منصباً فى الدولة، فقد قال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنُوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم"، وهو أيضاً ما طالب به السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى عندما قال فى حفل عيد الشرطة أيضاً:" أطالب كل مؤسسات الدولة بإجراء نقد ذاتى أمين لأننا كلنا محاسبون أمام الله سبحانه وتعالى، فكل مؤسسة تعرف جيداً ما فيها"، فالفرد سوف يسأل امام الله سبحانه وتعالى عن نفسه، أما إذا كان مسؤولاً عن ناس فإنه سيحاسب عن كل فرد كان مسؤولاً عنه.
لقد ظللنا لسنوات طويلة قبل 2011 نعانى فشلاً إدارياً مريعاً فى مؤسسات الدولة، وكانت خسارة المصانع والشركات والمؤسسات تعود فى أهم اسبابها إلى فشل الإدارة، وصدرت مصطلحات اقتصادية عديدة كان من بينها "الإصلاح الإدارى"،وظهرت لفترة طويلة وزارة الدولة للتنمية الادارية التى كانت مسؤولة عن التنمية المؤسسية والبشرية في القطاع الحكومي لدعم وتحديث الموارد البشرية بالجهاز الإدارى للدولة، وكان واضحاً جداً أن الإدارة هى سبب فشل القطاع الحكومى والدليل أن المؤسسات ذاتها والشركات نفسها كانت تحقق نجاحاً عندما يتم تغيير الإدارة أو بيع المؤسسة للقطاع الخاص.
إن نجاح مؤسسات الدولة يعود فى أهم أسبابه إلى الأمانة والضمير لدى المسؤول عنها، يضاف إلى ذلك ضرورة وأهمية تطبيق فكر القطاع الخاص، الذى يحقق النجاحات والمكاسب ربما باستخدام الامكانيات ذاتها، ففى فكر القطاع الخاص من يعمل يبقى ويكافأ، ومن يرفض العمل أو يتقاعس أو يتحجج أو يتغيب ويرفض التطوير فهو والخصم سواء، ويستحق أن يغادر ولا يكون شريكاً فى النجاح.
إن الدولة حريصة على تشجيع القطاع الخاص، وحققت نجاحات اقتصادية متتالية بفضل فتح المجالات ومنح التيسيرات والتسهيلات لهذا القطاع، الذى أثبت نجاحاً كبيراً لأنه يطبق مبدأ الثواب والعقاب، ومكافأة المجيد ومعاقبة المتخاذل، مع الاستغلال الأمثل للكفاءات والموارد، دون مجاملة، والعمل طوال الوقت على تقليل الخسائر إلى أدنى مستوياتها وتعظيم الأرباح لأقصى مدى، لذلك يبقى النجاح فى اى منظومة مرهوناً بتطبيق فكر القطاع الخاص دون مخالفة للقاعد الحاكمة بعيداً عن البيروقراطية المقيتة، والروتين العقيم الذى يؤخر ولا يقدم، والفكر التقليدى فى التعامل مع الأشياء.
ومع التسليم بأن هناك الكثيرين من أعداء النجاح فى كل مؤسسة وشركة، لا يكتفون بعدم المشاركة فى التطوير والنجاح، بل يعملون على إعاقة هذا النجاح ووضع العراقيل والعقبات أمام تحقيقه، ويسعون بكل السبل لتشويه أى إنجاز، ووقف أى إصلاح أو تطوير، ليس لشئ إلا لأنهم لا يمتلكون الموهبة ولا القدرة ولا الوعى والفهم لمتطلبات المرحلة التى تحتاج من كل فرد فى موقعه ألا يتوقف عن الإصلاح والتطوير والتغيير للأفضل، فإن فكر القطاع الخاص يفتك بالعراقيل، ويواجه التحديات، ويزيل العقبات وينطلق محققاً الإنجازات مهما كان الطريق وعراً.
أعتقد أن كل يوم يمر على أى مسؤول عن مؤسسة أو موقع أو منصب دون أن يضيف جديداً أو يحقق مكسباً أو يحل مشكلة أو يقلل خسارة، هو يوم ضائع من عمره الذى سيحاسب عليه فى ظل منصبه، ويوم مخصوم من رصيده أمام الله سبحانه وتعالى وأمام نفسه وأمام العاملين تحت رئاسته، فلا مجال لإضاعة الوقت فى ظل هرولة الجميع لتحقيق النجاحات وإضافة الإنجازات، ولا حجة أو مبرر بضعف الإمكانيات، فبإعمال الفكر يمكن تدبير موارد، وإضافة مكاسب، وتحقيق انجازات.
اترك تعليق