مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي، باتت الطفولة تعيش واقعًا مختلفًا تتداخل فيه الحدود بين الحقيقي والافتراضي، وتتشكل فيه الخبرات الأولي داخل مساحات إلكترونية واسعة لا تخضع دائمًا للرقابة أو التوجيه، لم تعد الألعاب الإلكترونية نشاطًا هامشيًا يُمارَس لتمضية الوقت، بل تحولت إلي عوالم متكاملة تؤثر في البناء النفسي والاجتماعي للأطفال،
وتعيد صياغة مفاهيم التفاعل والانتماء والهوية، ومع الانتشار اللافت لمنصات تفاعلية مثل "روبلكس"، أصبح الطفل جزءًا من مجتمع رقمي مفتوح، يصنع فيه شخصيته الافتراضية، ويقيم علاقاته، ويتعرض في الوقت ذاته لمؤثرات قد تفوق قدرته على الفهم أو الحماية الذاتية.. وبين ما تحمله هذه الألعاب من فرص للتعلم والإبداع. وما تنطوي عليه من مخاطر نفسية وسلوكية واجتماعية، تتزايد الحاجة إلي قراءة متأنية للظاهرة، تستند إلي آراء الخبراء والمتخصصين، وتبحث عن مقاربة متوازنة تضمن حق الطفل في اللعب، وتحمي وعيه ومستقبله من آثار عالم رقمي لا يعترف بالعمر ولا بالحدود.
يري الدكتور عمرو فتوح أستاذ تكنولوجيا المعلومات بجامعة الوادي الجديد، أن الألعاب الإلكترونية لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت بيئة بديلة للطفولة، يعيش فيها الطفل مشاعر الانتماء والتفاعل، بعيدًا عن الواقع الاجتماعي التقليدي، وتأتي لعبة ريبلوكس كنموذج واضح لهذا التحول، حيث لا تقدم لعبة واحدة، بل تخلق عالمًا افتراضيًا مفتوحًا يسمح للطفل ببناء هويته الرقمية، في مساحة بلا حدود زمنية أو اجتماعية.
لكن خلف هذه الشاشات تظهر سلبيات مقلقة.. أبرزها سهولة تعرض الأطفال لمحتوي غير مناسب لأعمارهم أثناء اللعب، وضعف الرقابة على التفاعلات بين اللاعبين، ما يفتح الباب أمام التنمر والابتزاز الإلكتروني، والاستدراج النفسي، وبناء علاقات افتراضية غير آمنة، كما يبرز البعد الاستهلاكي داخل اللعبة عبر الشراء الرقمي والعملات الافتراضية، بما يغرس أنماطًا استهلاكية مبكرة، ويحول اللعب من متعة بريئة إلي ضغط نفسي مستمر للامتلاك والتحدبث.
هذا الواقع ينعكس على النفسية الطفولية من خلال القلق، وضعف التركيز، والتوتر، والارتباط الشديد بالشاشة، إلي جانب تحولات سلوكية مثل العزلة الاجتماعية، وضعف التواصل الواقعي، ومع الوقت، يبدأ الصراع بين الهوية الرقمية التي يصنعها الطفل داخل الألعاب الإلكترونية والهوية الواقعية التي يعيش بها في أسرته ومدرسته.
الأخطر هو ما يمكن وصفه بالإدمان الرقمي والاعتمادية النفسية، حيث تتحول اللعبة إلي ملاذ نفسي بديل، وتصبح العلاقات الافتراضية أكثر حضورًا من العلاقات الإنسانية المباشرة، وهنا تتراجع أدوار الأسرة، وتضعف وظيفة المدرسة التربوية، بينما يظل الإعلام أسير الخطاب الترفيهي أكثر من كونه خطابًا توعويًا.
إن المواجهة لا تكون بالمنع بل بالحماية الرقمية الواعية، وبناء ثقافة توازن نفسي بين العالمين الواقعي والافتراضي، عبر دور تكاملي للأسرة، والمدرسة، والإعلام، حتي لا تتحول الألعاب - وريبلوكس تحديدًا - من وسيلة متعة إلي أداة تشكيل خفي للعقول والسلوكيات، ويُترك مستقبل الطفولة رهينة للعالم الرقمي بلا وعي ولا توجيه.
قالت الدكتورة دعاء فاروق استاذ علم النفس الاكلينيكي المساعد بجامعة أسيوط، إن الحاجة إلي اللعب والترفيه من الاحتياجات الأساسية لنمو الطفل النفسي والعقلي والاجتماعي ووسيلة أساسية لتعبير الطفل عن مشاعره وتنظيم انفعالاته وبناء علاقات مع الاخرين ومع الانتشار الواسع للتكنولوجيا أنتقل اللعب من الساحات المفتوحة إلي الشاشات والألعاب الالكترونية ورغم أن هذه الألعاب قد يكون لها بعض الفوائد التعليمية والتنموية الا أن الإفراط في استخدامها يثير قلقا متزايد لدي المتخصصين النفسيين خاصة مع الألعاب المفتوحة التي تتيح التفاعل مع لاعبين مجهولين مما قد يعرض الأطفال لمحتوي غير مناسب وتجارب قد تكون مسيئة وتشير الأبحاث النفسية الي أن الألعاب الإلكترونية تحفز نظام المكافأة في الدماغ بنفس الآلية المرتبطة بإدمان المواد ويجعل الطفل يبحث عن اللعب لفترات أطول بشغف أكبر مع انخفاض قدرته على التوقف أو التنظيم الذاتي وأن الاستخدام المفرط للألعاب الالكترونية يرتبط بزيادة مشاكل الانتباه وضعف مهارات التواصل وارتفاع مستويات القلق لدي الأطفال وخاصة عندما تحل الألعاب الالكترونية محل اللعب الحر والتفاعل الإنساني والعلاقات مع الاخرين ومن ثم لا يكمن الحل في المنع التام والتخويف بل في الفهم والاحتواء والمشاركة الأبوية مع تعزيز بدائل تدعم النمو النفسي للأطفال والرقابة الواعية وتحديد وقت الألعاب الإلكترونية ليكون هذا العالم مساحة آمنه تدعم نمو الطفل بدلا من أن تثقل كاهله بأثار نفسية قد تمتد لسنوات، فالطفل لا يُدمن اللعبة بل يُدمن ما تمنحه له نفسيًا.
أوضحت الدكتورة هند فؤاد أستاذ علم الاجتماع المساعد بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أنه في عصر التحول الرقمي، لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولت إلي فضاءات اجتماعية ونفسية تؤثر في سلوكيات الشباب وأنماط تفكيرهم، وتعد لعبة "روبلكس" واحدة من أبرز هذه المنصات، حيث تجمع بين اللعب والتواصل الاجتماعي وصناعة المحتوي في عالم افتراضي واسع، اذ توفر روبلكس مساحة للتعبير عن الذات وبناء الهوية الرقمية، ويستطيع اللاعب تصميم شخصيته الافتراضية الافاتار كما في الميتافيرس والتفاعل مع الآخرين بحرية، ما يعزز الشعور بالتحكم والتمكين والانتماء، كما تسهم اللعبة في تنمية الإبداع والمهارات المعرفية مثل التخطيط وحل المشكلات، خاصة مع إمكانية تصميم الألعاب والبرمجة داخل المنصة.
لكن في المقابل، يحذر خبراء الصحة النفسية من تداعيات سلبية محتملة، أبرزها الإدمان الرقمي واضطرابات النوم وتراجع الأداء الدراسي نتيجة الاستخدام المفرط، كما قد يؤدي الانغماس في الهوية الافتراضية إلي صراعات نفسية بين الذات الواقعية والرقمية، فضلًا عن مخاطر التنمر الإلكتروني والتعرض لمحتوي غير ملائم.
وتشير الدراسات إلي أن الإفراط في الألعاب الرقمية قد يؤثر في العلاقات الأسرية والتفاعل الاجتماعي الواقعي، ويعزز الضغوط المرتبطة بالمقارنة الاجتماعية والمشتريات الافتراضية.
ويؤكد متخصصون ضرورة التوعية الأسرية والرقمية، وتحديد أوقات للاستخدام، وتشجيع الشباب على الأنشطة البديلة، مع التدخل النفسي المبكر في حالات الإدمان أو العزلة الشديدة.. فالتحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية الصحة النفسية للأجيال الشابة.
أكد الدكتور أحمد فخري أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس، أن الميتافيرس هو عالم افتراضي ويعتبر من الاشياء الممتعه خاصه لدي فئات الاطفال والمراهقين لان تلك المراحل العمريه الخيال والاحلام والنظره للمستقبل تكون في مرحله التشكيل وتكوين الاتجاهات والهويه الشخصيه والاجتماعيه لدي الاولاد والبنات في مرحله المراهقه ويساعد العالم الافتراضي رسم شخصيات من الخيال تسمح بخلق بيئه خبره نفسيه تساعد الاطفال والمراهقين على خلق علاقات افتراضيه بدون تعقيدات الواقع وخاصه لما يتسمون بالخجل والشعور بالانسحاب الاجتماعي ولكن من سلبيات تلك الخبره انها غير واقعيه ولا تطبق على ارض الواقع فيعيش الانسان في العالم الافتراضي ويكتفي بالخيال دون ممارسه الواقع فيشعر بالاطمئنان وحماية الذات ونجد ان الشخص يعيش مع افاتار خيالي اكثر قبولا اجتماعيا وبالشكل الذي يمناه في الخيال وليس على ارض الواقع.
فالفرد يعيش في مرحلة التمني دون التخطيط والجد والعمل لتحقيق اهدافه بل يكتفي بالخيال فقط دون التحقق من ارض الواقع وتكوين الخبرات بالممارسه والتفاعل ويحدث لدي الانسان نوع من تمزق الهويه الذاتيه بين ما هو واقعي وافتراضي، بين الحقيقه والخيال وبالتالي غياب التجربه الواقعيه والبقاء في العالم الافتراضي بتخيلاته مما يودي لهشاشه في البناء النفسي والحد من الخبرات الحياتيه المعاشه.
ونجد ان تلك الالعاب تخلق نوع من التعويض من الألم النفسي الذي يتلاقاه الفرد من خلال ما يتعرض له من رفض في العلاقات او عدم قبول فيظل في التمسك بسلوك الانسحاب الاجتماعي وتعويضه من خلال تلك الالعاب والميتافيرس والافاتار الذي يخلقه لنفسه ويعيش بداخله، ونجد ان الاستمرار لمدد زمنيه في ادمان تلك الالعاب يؤدي الي فقدان الاحساس بالوقت بلاده انفعاليه تجاه الاشخاص والاحداث والمواقف بلاده انفعاليه تجاه الواقع تشوش العلاقه بين ما هو واقع وما هو افتراضي مما يودي الي تشوش الادراك بالواقع والزمن.
هناك جوانب ايجابيه لتلك الالعاب والعالم الافتراضي تتم من خلال متابعة المتخصصين لتنميه الثقه بالنفس وعلاج الخجل الاجتماعي والمهارات الاجتماعيه بشرط ان تتم تحت اشراف متخصصين في العلاج النفسي.
الالعاب والميتافيرس سلاح ذو حدين اما تشجع على خلق مساحه للتعلم والتجريب الصحي وتنميه بعض المهارات او تعمل على خلق واقع هروبي يساعد على الانعزال والانفصال وشيوع الاضطرابات السلوكيه والنفسيه من قلق واكتئاب وانسحاب اجتماعي وعزله.
لابد من خلق بيئات طبيعيه لتشجيع الاطفال والمراهقين على التعامل الجسدي مع البيئه من خلال الرحلات والصيد والرياضه والسفاري والمعسكرات الصيفيه وللجامعات والمدارس دور كبير وهام لخلق بيئات واقعيه جاذبه للاطفال والمراهقين يمارسوا فيها الانشطه المتنوعه لربط الفرد بالبيئه بشكل جاذب.
ولمؤسسة الاعلام دور كبير في خلق برامج والعاب تناسب المراحل العمريه وتخاطب تلك الفئات باسلوب شيق ولها جوانب معرفيه وسلوكيه ترتبط مع ثقافة المجتمع وتقاليده.
قال الدكتور إسلام قناوي الفقيه الدستوري، أن روبلوكس هي منصة ألعاب عبر الإنترنت تسمح للمستخدمين بلعب ملايين الألعاب التي أنشأها لاعبون آخرون، بالإضافة إلي إنشاء ألعابهم الخاصة ومشاركتها، وهي مجانية وتوفر مساحة للمطورين لتحقيق الربح من إبداعاتهم، وقد أقامت ولاية لويزيانا الأمريكية دعوي قضائية تتهم فيها شركة روبلوكس بتسهيل استغلال الأطفال .
وتزعم الدعوي التي أقامتها المدعية العامة لولاية لويزيانا، أن شركة روبلوكس، تُسهّل توزيع مواد إباحية للأطفال واستغلال القاصرين.
كما أن "منصة روبلوكس مليئة بالمحتوي الضار والمتحرشين بالأطفال، لأنها تُعطي الأولوية لنمو عدد المستخدمين والإيرادات والأرباح علي سلامة الأطفال".
وتتهم الدعوي القضائية روبلوكس بالتقصير "عن علم وعمداً" في تطبيق ضوابط السلامة الأساسية لحماية الأطفال.
ويستخدم ما يقرب من 82 مليون شخص روبلوكس يومياً، أكثر من نصفهم دون سن 18 عاماً، وفقاً للدعوي.
أشار الدكتور إسلام قناوي، إلي أن هناك توجيهاً من القيادة السياسية بحظر استعمال الاطفال قبل سن معينة لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، ولكن رغم نبل الغاية، الا ان التطبيق صعب، لان من الممكن ادعاء الطفل بلوغه سنًا معينة للدخول واستعمال تلك المنصات والمواقع، واري ان الحل الوحيد هي الرقابة الأسرية واشغال النشء بالقيم الدينية وحفظ القرآن الكريم وممارسة الرياضة، فلا قانون يصلح لمنع استخدام تلك المواقع، وسيكون حبر على ورق.. ابدي الرئيس السيسي استياءه الشديد وقلقه من استخدام الأطفال للالعاب ومواقع التواصل الاجتماعي دون رابط او ضابط ، لأجل ذلك طالب بإصدار تشريعات تحد من استخدام الهواتف المحمولة حتي عمر معين، بسبب اضرارها الكبيرة على وعي الأطفال وتكوينهم النفسي والسلوكي.
ومن هذا المنطلق اعلنت لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، أن التعامل مع الملف اصبح امرا ملحا، مع وعد بالاسراع بجلسات نقاشية لإعداد مشروع قانون لحماية الأسرة المصرية من مخاطر التكنولوجيا الحديثة، وتقنين التعامل مع التكنولوجيا بالنسبة لصغار السن.
وذلك بسبب معلومات عن وجود تطبيقات إلكترونية محظورة تستهدف الأطفال وفي مقدمتها منصة Roblox.. أضاف أن خطورة المنصة تكمن في انها تتيح تفاعلا مباشرا بين المستخدمين، وتمكن الأطفال من إنشاء محتوي دون رقابة مسبقة كافية، فضلا عن استخدامها الواسع بين من هم دون الثالثة عشرة.
مما ادي الي تصاعد القلق المجتمعي والتربوي بشأن طبيعة المحتوي المتداول، وأنماط التواصل غير المنضبط. والتأثيرات النفسية والسلوكية، إلي جانب الأبعاد الاقتصادية المرتبطة بأنظمة الشراء داخل اللعبة.
فهناك رؤية قومية رسمية تستند إلي اعتبارات تقنية وقانونية تبني حلول متوازنة، من بينها دراسة إتاحة باقات أو شرائح اتصالات مخصصة للأسر، تتيح التحكم في نوع المحتوي، وساعات الاستخدام، ونوعية الأجهزة، حيث يعمل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات حاليا، وبتوجيهات واضحة، على دراسة هذه الحلول التقنية، في إطار تحقيق توازن دقيق بين الحماية والتنظيم وحرية الاستخدام والتطور التكنولوجي.
كما أن الحجب الكامل يواجه صعوبات عملية، وقد يؤدي إلي نتائج عكسية، لذا كان الاتجاه نحو البحث عن حلول بديلة أكثر توازنا، تشمل التحكم الأبوي، والتواصل مع الشركات المالكة، وحملات التوعية.
كما ان القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلي لتنظيم الإعلام، يتضمن تصنيفات واضحة للمحتوى، ويميز بين ما هو قانونى وغير قانونى، وشرعى وغير شرعى، ضمن منظومة أكواد متخصصة تشمل كود الطفل، والأديان، والأمن القومى وغيرها، بما يوفر أدوات تنظيمية شاملة لحماية مختلف الفئات.
اترك تعليق