مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>
إدمان الشاشة..قلق لا يتوقف

«النوموفوبيا» تفرض نفسها.. الخوف من فقدان الهاتف ظاهرة تتسع بصمت

خبراء: الإشعارات لم تعد تنبيهات تقنية بل محفزات نفسية

من نافذة على العالم إلى امتداد للذات.. كيف أعاد الهاتف تشكيل وعينا؟

التعلق أم الإدمان؟ الخط الفاصل الذي أصبح أكثر هشاشة

العلاقات الإنسانية في مرمى الشاشات.. حضور جسدي وغياب ذهني

الإعلام الرقمي وصناعة القلق المستمر عبر إيقاع المحتوى السريع

لم يعد القلق في العصر الحديث مرتبطًا فقط بضغوط المعيشة أو الأزمات السياسية والاقتصادية، بل بات يتسلل بهدوء من شاشة صغيرة لا تفارق أيدينا. هاتف ذكي نتحقق منه فور الاستيقاظ، ونطمئن حين نجده مشحونًا ومتصلًا، ونشعر باضطراب خفي إذا ابتعد عنا لدقائق أو انطفأت شاشته فجأة. في هذا العالم الرقمي المتسارع، لم يعد الهاتف مجرد وسيلة اتصال، بل تحول إلى رفيق دائم، وذاكرة متنقلة، ومنصة للأخبار والعلاقات والعمل والترفيه، حتى أصبح جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية والهوية الشخصية للأفراد.


ومع هذا الحضور الطاغي، ظهرت ظاهرة «قلق الانفصال الرقمي» أو ما يُعرف علميًا بـ«النوموفوبيا»، كأحد أخطر ملامح العصر الرقمي، حيث يتحول الاعتماد الطبيعي على التكنولوجيا إلى تعلق نفسي قد يصل حد القلق والهلع عند فقدان الهاتف أو انقطاع الاتصال بالإنترنت. شعور لا ينبع من غياب الجهاز ذاته، بقدر ما ينبع من الخوف من الانفصال عن العالم، وفقدان المتابعة، والانقطاع عن سيل الإشعارات والتنبيهات التي أصبحت تمنح كثيرين إحساسًا زائفًا بالأمان والانتماء.

الإشعارات لم تعد مجرد أصوات أو اهتزازات، بل صارت محفزات نفسية تعيد تشكيل السلوك والوعي، وتخلق حالة دائمة من الترقب والانشغال الذهني، تجعل الفرد حاضرًا بجسده وغائبًا بعقله. ومع الوقت، بدأ هذا التعلق يترك آثاره الواضحة على الصحة النفسية، والعلاقات الإنسانية، والإنتاجية، حيث تراجع الحوار الحقيقي، وتقلصت المسافات الجسدية دون أن تتقلص المسافات النفسية، لتنشأ حالة من العزلة المقنّعة داخل عالم يبدو ظاهريًا أكثر اتصالًا من أي وقت مضى.

بين نعمة التكنولوجيا ومخاطر الإفراط في استخدامها، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: هل ما زال الإنسان يملك زمام السيطرة على أدواته الرقمية، أم أصبحت الشاشات الذكية تعيد تشكيل وعيه، وتحدد إيقاع يومه، وتتحكم في مشاعره وعلاقاته؟

هذا التقرير يفتح ملف «قلق الانفصال عن الهاتف»، من خلال آراء خبراء في التكنولوجيا والإعلام وعلم النفس والخدمة الاجتماعية، لرصد أبعاد الظاهرة، وكشف آثارها النفسية والاجتماعية، والبحث عن سبل استعادة التوازن بين الإنسان وعالمه الرقمي، حتى تظل التكنولوجيا أداة لخدمة الإنسان لا مصدرًا دائمًا للقلق والتوتر.

قال الدكتور عمرو حسن فتوح، أستاذ تكنولوجيا المعلومات بجامعة الوادي الجديد، أن الهاتف الذكي تجاوز كونه مجرد وسيلة اتصال، ليصبح عنصرًا أساسيًا في الحياة اليومية، بل ومصدرًا خفيًا للقلق النفسي لدى شريحة واسعة من المستخدمين. لذلك فإن ما يُعرف بـقلق الانفصال عن الهاتف لم يعد سلوكًا هامشيًا، بل ظاهرة متنامية تعكس عمق التعلق النفسي بالتكنولوجيا، حين يتحول غياب الهاتف إلى شعور بالضيق والارتباك وربما الذعر.

يري أن القلق الذي ينتاب البعض عند نفاد البطارية أو فقدان الاتصال بالإنترنت لا يرتبط بالجهاز في حد ذاته، بقدر ما يرتبط بما يمثله من نافذة على العالم. ويرى أن الإشعارات الرقمية أدت دورًا نفسيًا بديلاً عن الطمأنينة الإنسانية، حيث أصبحت رسائل التنبيه والتفاعل الافتراضي مصدرًا سريعًا للشعور بالأمان والاهتمام.

ومن وجهة نظره أن السؤال الجوهري في هذا السياق هو: هل ما زلنا نصنع هواتفنا أم أصبحت هي التي تعيد تشكيل وعينا وسلوكنا؟ فإن صعوبة تخيل الحياة بلا شاشة تعكس مدى تغلغل الرقمنة في تفاصيل الحياة اليومية، حتى أصبح الهاتف امتدادًا للذات الرقمية، يحمل الهوية والعلاقات والذكريات في آنٍ واحد.

ويختتم بأن الفاصل بين الاعتماد الصحي والإدمان الرقمي بات هشًا، وأن التعلق المفرط بالهاتف يترك أثرًا واضحًا على العلاقات الإنسانية المباشرة، حيث يتراجع الحوار الحقيقي لصالح التفاعل الافتراضي. ومن وجهة نظره فإن استعادة السيطرة لا تعني رفض التكنولوجيا، بل إعادة ضبط العلاقة معها، عبر الوعي بالاستخدام، ووضع حدود زمنية، وتعزيز التوازن بين العالم الواقعي والرقمي، ليظل الهاتف أداة في يد الإنسان لا مصدر قلق يتحكم في حياته.

 ترى الدكتورة رباب التلاوي، أستاذ الإعلام بجامعة المنيا، أن قلق الانفصال عن الهاتف الذكي لم يعد مجرد حالة نفسية فردية، بل أصبح ظاهرة إعلامية-اجتماعية مرتبطة بطبيعة البيئة الرقمية المعاصرة. ومن وجهة نظرها، فإن الهاتف لم يعد وسيطًا للتواصل فقط، بل تحول إلى منصة دائمة لتدفّق الأخبار والرسائل والصور، ما جعله حاضرًا في تشكيل الوعي اليومي للأفراد.
قالت أن الشعور بالقلق عند الابتعاد عن الهاتف يرتبط بالخوف من فقدان المتابعة، أو ما يُعرف بـ«الخروج من السياق الإعلامي»،

حيث يشعر الفرد أنه معزول عن الأحداث والترندات والتفاعلات الجارية. ومن وجهة نظرها، فإن الإعلام الرقمي عزز هذا الإحساس عبر الإيقاع السريع للمحتوى، وكثافة التحديثات، واعتماد المنصات على الجذب المستمر لانتباه المستخدم.

تري أن الإشعارات لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل تحولت إلى منبّهات نفسية تعيد إنتاج الشعور بالأهمية والانتماء، ما يفسر حالة التوتر التي تصيب المستخدم عند غيابها. ومن وجهة نظرها، فإن الهاتف الذكي أصبح جزءًا من الهوية الإعلامية للفرد، يعكس حضوره الاجتماعي ومكانته داخل الفضاء الرقمى

اوضحت أن هذا التعلّق المفرط يترك آثارًا واضحة على العلاقات الإنسانية، حيث تراجع التواصل المباشر لصالح التفاعل عبر الشاشات، ما أدى إلى نوع من العزلة المقنّعة. ومن وجهة نظرها، فإن الحل لا يكمن في القطيعة مع التكنولوجيا، بل في تعزيز الوعي الإعلامي، وتربية المستخدم على الاستهلاك النقدي للمحتوى، وتنظيم الوقت الرقمي، بما يضمن استعادة التوازن بين الإنسان ووسائطه الإعلامية، حتى تظل التكنولوجيا أداة للمعرفة لا مصدرًا دائمًا للقلق.

أوضح الدكتور أسامة مصطفى خبير تكنولوجيا المعلومات أنه في مشهد يتكرر يومياً، نمد أيدينا بشكل تلقائي بحثاً عن الهاتف عند الاستيقاظ، ونشعر بموجة من الذعر إذا لاحظنا انخفاض شحن البطارية، أو إذا غاب الجهاز عن متناول اليد للحظات. لقد تجاوز الهاتف الذكي كونه مجرد أداة اتصال، ليتحول إلى رفيق دائم، وأرشيف للذكريات، ونافذة على العالم، مما جعل الانفصال عنه يشبه فقدان امتداد لأنفسنا.

هذا القلق، الذي أُطلِق عليه علمياً اسم "نوموفوبيا" (رهاب فقدان الهاتف)، ليس مجرد شعور عابر. إنه إحساس حقيقي بالقلق والعزلة ينتج عن الخروج من المنزل دون الهاتف، أو نفاد البطارية، أو فقدان الاتصال بالإنترنت. وتعمل الإشعارات المتلاحقة كجرعات صغيرة من الدوبامين، تمنحنا إحساساً وهمياً بالطمأنينة والأهمية، فنصبح في حالة ترقب دائم لهذه التنبيهات.

الخطورة تكمن في تحول هذا الاعتماد الطبيعي إلى شكل من أشكال الإدمان السلوكي، حيث تُستنزف طاقتنا الذهنية، وتتأثر علاقاتنا الواقعية. فقد يحضر الجسد في لقاء اجتماعي بينما يسبح العقل في فضاءات رقمية متعددة، مما يفقد اللحظة الإنسانية حميميتها وقيمتها.

لكن السؤال الأهم: كيف نعيد السيطرة؟

تبدأ المواجهة بالوعي أولاً: كم ساعة نقضيها أمام الشاشة؟ وما الدوافع الحقيقية وراء الإمساك بالهاتف (ملل، قلق اجتماعي، هروب)؟ يمكننا بعدها اتخاذ خطوات عملية: تحديد أوقات "صمت رقمي" خالية من الشاشات (كالوجبات والعشاء)، وإيقاف الإشعارات غير4 الضرورية، وشحن الهاتف خارج غرفة النوم، وممارسة أنشطة "حقيقية" تشغل اليدين والعقل، كالقراءة الورقية أو الهوايات الإبداعية.

الهدف ليس التخلي عن الهاتف الذكي، فهو نعمة تكنولوجية لا غنى عنها، بل إعادة تعريف علاقتنا به. لنصنعه أداةً نتحكم فيها، لا سيداً يتحكم بنا.

أكد الدكتور تامر شوقي أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس أن الهواتف الذكية أصبحت واسعة الانتشار في جميع جوانب الحياة المعاصرة، وزاد اعتماد الأفراد عليها لدرجة أنه أصبح من المستحيل الاستغناء عنها لما توفره من مزايا عديدة مثل تصفح الإنترنت، وسهولة الوصول الى الأخبار فور وقوع الأحداث، فضلا عن استخدامها لأغراض الترفيه من خلال الاندماج في تطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة، أو  الألعاب الإلكترونية أو مشاهدة الأفلام أو المسلسلات أو  استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل الشات جي بي تي وغيرها. كما يستخدمها الطلاب على نحو واسع في التعلم عن بعد وفي الوصول الى المنصات الرقمية 
 

وبالرغم من المزايا العديدة للهواتف الذكية، فإن لها تأثيرات سلبية، وخاصة عندما يصل الفرد في استخدام الهاتف إلى مرحلة 
التعلق بالهاتف  الذكي او ادمان الهاتف نتيجة لرغبات قهرية، بل ويستخدم الهاتف حتى لو لم يكن متصلا بالإنترنت  مما قد يجعله يشعر بالقلق المفرط حال احساسه بالبعد عن الهاتف، وشعوره بعدم  التركيز، بل  وبالاكتئاب، وضعف العلاقات الإجتماعية   مع الأخرين  ونقص الانتباه،  والقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب كما قد يصاب بالتشتت الرقمي ، وفيه تحل الأنشطة الترفيهية محل مهام العمل أو الدراسة ، وبالتالي يقل  إنجاز الفرد، ويحدث ضعف في مستويات دافعيته ويهدر وقته ، ويحدث تشويش على القدرات  المعرفية فضلا عن ضعف قدرة الفرد  على التحكم في  الانفعالات. ورغم وعي الفرد بهذه العواقب السلبية الا انه يصر على الاستمرار في استخدام الهاتف الذكي بل أنه يستمتع بتأجيل المهام الأساسية، وأداء مهام فرعية على هاتفه، وينتج ذلك الاصرار عن أسباب متعددة منها:

. شعور الفرد بالمتعة من استخدام الهاتف في ضوء ما قد يتلقاه من إعجابآت أو مشاركات أو تعليقات إيجابية على منشوراته

. خوف الفرد من تفويت أي فرصة للإطلاع على أي مستجدات قد تحدث 

.إدمان الفرد مواقع التواصل الاجتماعي أو الألعاب الإلكترونية التي تستهلك وقتا كبيرا 

. خلو حياة الفرد من المعنى أو الغرض 

. افتفاد الفرد لأي مهارات أو مهارات أو مواهب في الحياة 

. ميل الفرد إلى الوحدة والانعزال  

.معاناة الفرد من مشكلات في علاقاته مع الاخرين  

.ملل أو صعوبة المهام المطلوبة من الفرد   
 

كيف نعيد السيطرة على علاقتنا بالهاتف؟

.اعتراف الفرد بوجود مشكلات وتأثيرات سلبية ناتجة عن افراطه في استخدام الهاتف الذكي، مما قد يدفعه إلى البحث عن علاج أو حل لذلك 

.تدريب الفرد على تقليل ساعات  استخدامه الهاتف الذكي يوميا 

.اندماج الفرد في أنشطة حياتية مفيدة مثل القراءة أو الرياضة أو غيرها 

.تحديد أهداف قصيرة وطويلة المدى وسعيه إلى تحقيقها في الوقت المخطط له 

.استخدام الهاتف بشكل مفيد مثل التعلم أو الحصول على  معلومات مفيدة في أي مجال 

.توعية وسائل الإعلام بمخاطر الإدمان الرقمي 

.توعية دور العبادة الأفراد على ما قد ينتج عن الإفراط في استخدام الهاتف الذكي من عواقب سلبية.

اكدت الاستاذ الدكتور  هيام شاكر خليل  استاذ العمل مع الجماعات  كلية الخدمة الاجتماعية  جامعة العاصمة أنه منذ أصبحت الهواتف الذكية  وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي تغيرت أنماط الحياة فى كل جوانبها،فعلى الرغم من اهميتها  لمتابعة أمور الحياة اليومية التى تتعلق  بالمهام ومتابعة الابناء وإنجاز بعض الاعباء الوظيفية، الا انها تحولت إلى مصادر للازعاج وعدم الراحة النفسية  والقلق ،وخاصة عندما ينحرف  هذا الاستخدام  عن وضعه الطبيعى ،إلى الاستخدام  والاعتماد المفرط، وهنا قد يصاب الفرد يالقلق الشديد عند نفاذ بطارية الهاتف  ،وهو مايسمى  علميا بالنوموفوبيا، أو الهلع ،أو  الرهاب، وهذا قد ينعكس سلبا على الصحة  النفسية والعقلية  للفرد، إضافة إلى ذلك قد يستخدم الفرد بعض التطبيقات غير المفيدة التى تدعو إلى نهم الشراء والاصراف فى غير موضوعه،  أو قد يشعر الفرد بشيء  من الحسرة لعدم قدرته الشرائية على التعامل مع مثل هذه  المواقع ،إضافة  إلى ذلك فإن منصات التواصل  قد تصيب بعض الأفراد بالغيرة من الاخرين عندما لاينال نفس الإعجاب والتقدير الذى يحصلون  عليه، ولذا أصبحت  هذه الوسائل  بمثابة مرأه  لتقدير الذات الانسانية ،على خلاف الواقع، ولذا يجب علينا أن نتخذ الحيطة والحذر عند استخدامنا لوسائل  التواصل الاجتماعى،  لأن الإستخدام  المفرط لها قد يترتب عليه بعض المشاكل  الصحية، النفسية الاجتماعية، وعلى الفرد أن يدرب نفسه على كيفية التعامل الصحيح لشاشات الهاتف المحول، وأن يحدد الوقت المناسب للاستخدام،  وأن يدرب نفسه  على غلق الهاتف بعض الوقت ،وأن يحذف بعض التطبيقات غير الهامة والمضيعة للوقت، عليه أن يخصص وقت للاسرة والتفاعل العاءلى، وأن يعود للحياة الطبيعية بعيدا عن القلق والتوتر الذى بسببه الهاتف المحول.

 





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق