مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

خبراء الآثار والتاريخ القديم: مصر تدخل اليوم عصرا جديدا

كل مليون سائح ..يوفر ٢٠٠ ألف فرصة عمل

الإنجاز الجديد يؤكد قدرتنا على العطاء والتنوير

متحف التحرير لن يغلق .. وسيظل مفتوحاً لاستكمال رسالته

الأحفاد يستكملون .. مسيرة الأجداد

يترقب العالم اليوم السبت المقبل الإعلان عن افتتاح أكبر وأضخم متحف في العالم، "المتحف المصري الكبير"، حيث يزيح الرئيس عبد الفتاح السيسي الستار عن هذا المتحف الأسطوري الذي تتجه أنظار العالم نحوه ليشهدوا الافتتاح الضخم الذي تؤكد الدولة المصرية أنه سيكون مليئًا بالمفاجآت، وسيكون بمثابة جسر العبور إلى عالم الفراعنة العظيم.


وقد استعرضت "الجمهورية أون لاين"مع أهم الخبراء والمتخصصين في الآثار والتاريخ المصري كل ما يشغل المصريين والعالم حول افتتاح المتحف، وماذا سيتحقق لمصر بعد هذا الافتتاح وفتح باب الزيارة الرسمية للمتحف المتواجد في قلب الحضارة المصرية

  الطيب غريب محمود:   

يضم 100 الف قطعة أثرية وتحفة فنية ومعمارية

يقول الطيب غريب محمود، الباحث الأثري  ومدير معابد الكرنك بالأقصر سابقًا:عندما يُتردد الحديث عن الفرق بين المتحف المصري في التحرير والمتحف المصري الكبير، يمكن تعريف المتحف، وفقًا للمجلس الدولي للمتاحف، بأنه: «مؤسسة غير هادفة للربح، تعمل في خدمة المجتمع وتنميته، مفتوحة للعامة، وتقوم بالاقتناء والحفظ والدراسة، وتحقيق التواصل والعرض للتراث المادي وغير المادي للبشرية والبيئة المحيطة، وذلك بغرض الدراسة والتعليم والإمتاع».

إن فكرة وضع نواة إنشاء أول متحف في مصر الحديثة جاءت في عهد محمد علي باشا، الذي أمر ببدء تسجيل جميع الآثار الثابتة ونقل الآثار المصرية والتحف الصغيرة إلى بيت صغير يقع أمام بركة الأزبكية في وسط القاهرة آنذاك، وكان ذلك في حوالي عام 1835م، وسُمّي بعد ذلك بـ «متحف الأزبكية»، في محاولة منه لوقف أعمال تهريب الآثار المصرية القديمة خارج البلاد التي كانت منتشرة في ذلك الوقت.
وبعد ذلك تم تأسيس متحف بولاق كإدارة مركزية، وبدأ يستقبل نتائج أعمال الاكتشافات الأثرية التي كانت تتم في أرجاء القطر المصري كافة، إلى أن تسبب ارتفاع مستوى مياه فيضان نهر النيل في غرقه بكل أسف سنة 1858م.
ثم تم وضع حجر الأساس للمتحف المصري بالتحرير على يد الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1897م، واستمر العمل به حتى تم الانتهاء منه واكتمال البناء عام 1902م، وتم افتتاحه للزيارة لأول مرة في نوفمبر من العام نفسه.
أضاف إن المتحف المصري بالتحرير يُعد أهم المتاحف المصرية قاطبة بسبب تاريخه وما كان يحتويه من قطع أثرية وتحف فنية فريدة من نوعها، ولذلك شددت وزارة السياحة والآثار والمجلس الأعلى للآثار على أنه لن يتم بأي حال من الأحوال غلق متحف التحرير، وسيستمر مفتوحًا لاستكمال رسالته التي أنشئ من أجلها.
ولكن، وبسبب رغبة الدولة المصرية، خاصة في ظل تأسيس الجمهورية الجديدة ولمواكبة التطورات المختلفة حول العالم في فنون وأساليب العرض المتحفي، والتي تطورت خلال السنوات الماضية تطورًا كبيرًا وملحوظًا، ومع ازدياد تدفق الاستثمارات والحركة السياحية العالمية الوافدة، كان لا بد من إنشاء متحف جديد يليق بالحضارة المصرية القديمة وسمعتها العالمية، ويواكب رغبة القيادة السياسية في إنشاء صرح علمي واستثماري وترفيهي ضخم يتناسب مع تأسيس الجمهورية الجديدة، ويواكب أحدث التطورات.
ولذلك كان التفكير في استكمال هذا الصرح العلمي والأثري والتاريخي الهام، باستكمال أعمال إنشاء هذا المتحف، الذي يُعد الأكبر من نوعه على مستوى العالم.
وقد بدأت مراحل إنشاء وتشييد هذا الصرح الكبير على عدة مراحل مختلفة منذ ذلك الحين، إلا أنها توقفت بكل أسف بسبب أحداث ثورة 25 يناير، ثم عادت الأعمال للاستمرار مرة أخرى عام 2014م في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، حتى تم الافتتاح التجريبي له في 16 أكتوبر عام 2025م لبعض القاعات والأماكن به، إلا أنه تم غلقه مؤقتًا تمهيدًا للافتتاح الرسمي، الذي تحدد له الأول من نوفمبر لعام 2025م، في احتفالية .
وقد أُقيم هذا المتحف الضخم، الذي يُعد أكبر متحف أثري في العالم، على مساحة 117 فدانًا، أي ما يقارب 500 ألف متر مربع.
تقع مباني المتحف على مساحة 100 ألف متر مربع، منها 45 ألف متر للعرض المتحفي، وتشمل المساحة المتبقية مكتبة متخصصة في علم المصريات، ومركزًا للمؤتمرات، ومركز أبحاث، ومعامل للترميم، وسينما ثلاثية الأبعاد، وأماكن مخصصة لخدمة الزائرين مثل المطاعم، ومحال بيع المستنسخات والهدايا، ومواقف لانتظار السيارات.

  أمناء المتحف   

أكد أن المتحف في العصر الحديث له العديد من الأهداف المرجو تحقيقها، وهو يناسب تعريف المتحف المتفق عليه، حيث إن الغرض الرئيسي من إقامة المتحف هو المساهمة في تنمية المجتمع بمختلف الأشكال، وله دور كبير وأساسي في تنمية ورفع مستوى الوعي لدى الأطفال والشباب، وربط حاضرهم بماضيهم المجيد، خاصة وأن لديهم من التاريخ ؟
لا خلاف في أن أحد الأدوار الرئيسة التي يقوم بها المتحف هو كونه منارة للإشعاع الثقافي والحضاري، ليس فقط داخل محيطه المحلي، بل والإقليمي والعالمي.
فوفقًا للثورة التكنولوجية الحديثة، أصبح العالم قرية صغيرة تتفاعل مع بعضها البعض على كل المستويات والمجالات، مما يؤدي إلى التأثير والتأثر بين الدول.
ولذلك كان من الأهداف الهامة والحيوية لبناء وتشييد المتاحف حول العالم أن تكون مراكز حضارية وثقافية متكاملة، تعكس صورة الدولة المنشأ بها، وتكون خير سفير لها حول العالم في نشر ثقافتها وحضارتها، وبعث رسالة أمان وسلام وطمأنينة لكل البشر، خاصة السائحين والزائرين الذين يتجولون في أرجاء هذا البلد الأمين في أمن وأمان واستقرار، مصداقًا لقوله تعالى:
«ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين».
ويُعد نشر الثقافة المصرية أحد الأهداف الرئيسية والحيوية المرجوة من بناء هذا الصرح الوطني العظيم، فالعالم كله ينظر إلى بلدنا الحبيب نظرة إكبار وإجلال وهيبة واحترام، وأحد هذه الأسباب هو وجود الحضارة المصرية القديمة التي علمت العالم وسبقت عصرها بآلاف السنين، وظلت شامخة بما أنشأته وشيدته من آثار عظيمة ما زالت قائمة تشهد على عظمة هذا البلد.
ولذلك لم يكن من الغريب أن يقوم الأحفاد باستكمال مسيرة الأجداد ببناء مثل هذا المتحف العظيم، ليتم عرض جزء من تاريخ وذاكرة الحضارة المصرية بين أروقة وجنبات متاحفها، وعلى رأسها المتحف المصري الكبير، بسبب ما يحويه من تحف فنية وآثار تاريخية ونفائس قلّ أن يجود الزمان بمثلها، من تماثيل ومسلات ولوحات وتوابيت سيتم عرضها جميعًا بأحدث الوسائل والتقنيات الحديثة.
فقد تم نقل أكثر من 56 ألف قطعة أثرية حتى الآن، وقد صُمم هذا المتحف ليستوعب حوالي 100 ألف قطعة أثرية وتحفة فنية ومعمارية.
ويتوقع أن يزور هذا المتحف في العام الواحد حوالي 5 ملايين زائر، وهو المكان الوحيد في العالم الذي يجتذب مثل هذا العدد، وكلهم سيعودون إلى بلادهم سفراء للتاريخ والثقافة والحضارة المصرية القديمة.

  إشادة منظمة اليونسكو  

وقد أشادت منظمة اليونسكو بالمتحف، مؤكدة أنه سيمنح الزوار فرصة فريدة للانتقال عبر أكثر من خمسة آلاف عام من التاريخ المصري.
فالمتحف بحق ليس مجرد متحف تاريخي فحسب، بل سيكون مؤسسة ثقافية وحضارية عالمية تجمع بين الماضي والمستقبل، بين عبق الحضارات والتاريخ وبين مصر المعاصرة والجمهورية الجديدة كما ينبغي أن تكون.
وأخيرًا، فإن هذا الحدث الاستثنائي سيشهد احتفالية عالمية كبيرة، سيحضرها معظم رؤساء وملوك العالم من شتى البلدان، بالإضافة إلى سفراء وقناصل أغلب دول العالم، وستنقله مئات القنوات الفضائية الدولية ووكالات الأنباء العالمية، لنقل هذا الحدث الاستثنائي الذي يليق باسم مصر والدولة المصرية والجمهورية الجديدة.
أما الدكتور عبد الرحيم ريحان، الخبير الأثري وعضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، فعندما نتحدث عن أهم حدث أثري وتاريخي في العصر الحديث، ويتساءل البعض عن الفرق بين المتحف المصري الكبير والمتحف المصري الحالي في القاهرة،
 .
قال المتحف المصري الكبير، فهو مجمع ثقافي تعليمي سياحي ترفيهي متكامل، مقام على مساحة 500 ألف متر مربع، منها 45 ألف متر مربع مخصصة للمبنى الرئيسي، والباقي للمراكز الخدمية المرافقة له.
يُعد المتحف الكبير صرحًا حضاريًا عالميًا سيزوره كل من يأتي إلى مصر، جنبًا إلى جنب مع زيارة الأهرامات، وسيرتبط عبر مطار سفنكس الدولي بسياحة اليوم الواحد من وإلى شرم الشيخ والغردقة.
ويضم المتحف المصري الكبير أعظم آثار على وجه الأرض، وعلى رأسها مجموعة الملك توت عنخ آمون الكاملة، البالغ عددها 5537 قطعة، من بينها القناع الذهبي الشهير بطول 54 سم ووزن 11 كيلوجرامًا من الذهب الخالص المرصّع بالأحجار الكريمة النادرة.
كما يستقبل الزوار تمثال الملك رمسيس الثاني، الذي نُقل أربع مرات عبر التاريخ. فقد نُحت التمثال في محاجر أسوان منذ أكثر من 3200 عام، واكتشفه عالم المصريات الإيطالي جيوفاني باتيستا كافيليا عام 1820، ثم نقله الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1955 إلى ميدان باب الحديد بعد ترميمه، لينتقل عام 2006 إلى هضبة الأهرامات، ثم إلى موقعه الدائم في بهو المتحف الكبير في 25 يناير 2018.
كما يعرض المتحف أقدم بلطة حجرية يدوية من العصر الحجري القديم، عمرها نحو 700 ألف عام، عُثر عليها في العباسية.
ومن أبرز معروضاته المسلة المعلقة للملك رمسيس الثاني، بوزن 110 أطنان، نُقلت من صان الحجر، وتتيح للزوار المرور أسفلها لرؤية خرطوش الملك بعد 3500 عام.
أما الدرج العظيم، فيمتد على طول 64 مترًا وارتفاع 25 مترًا، ويضم أكثر من 72 تمثالًا تُعرض في سيناريو تاريخي يبدأ بملوك مصر القديمة وصولًا إلى المعبودات.
ويضم المتحف ثلاث قاعات عرض دائمة لمقتنيات تمتد من عصور ما قبل التاريخ حتى العصر اليوناني الروماني، إضافة إلى مركز ترميم يُعد الأكبر في العالم على مساحة 32 ألف متر مربع، يضم 19 معمل ترميم متخصّصًا، منها معمل المومياوات، والأحجار الكريمة، والزجاج، والخشب، والتوابيت، والجلود، وغيرها. ويُعد هذا المركز منارة علمية عالمية في مجال الترميم والتدريب.

2. كيف يمكن أن يشكّل المتحف قاعدة لترويج السياحة الثقافية المصرية عالميًا؟

يرى د. ريحان أن المتحف سيصبح منارة للمعرفة تُضيء للعالم أجمع، وأن افتتاحه يمثل ميلادًا جديدًا للحضارة المصرية.
فإذا كان اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 قد أشعل شغف العالم بالحضارة المصرية، فإن افتتاح المتحف المصري الكبير عام 2025 سيجدد هذا الولع لدى الأجيال الجديدة في الداخل والخارج.
ويؤكد أن من الضروري استثمار هذا الاهتمام العالمي لجذب الشباب في الخارج لزيارة مصر، من خلال التواصل الثقافي والدعاية الرقمية الحديثة، والاستفادة من المؤثرين ومنظمي الرحلات السياحية والفنانين ومشاهير العالم لتعزيز الحضور المصري في أسواق السياحة العالمية.
كما شدّد على أهمية الحفاظ على جمال العاصمة ومشهدها البصري، لأن السائح أول ما يلفت نظره هو المظهر العام، مؤكدًا أن الأثر مهما كانت قيمته لا يحقق أثره المرجو دون بيئة بصرية جميلة وموقع متكامل الخدمات.

3. ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المتحف في التعليم والثقافة للأطفال والشباب؟

يوضح د. ريحان أن الأمن والبنية التحتية هما الدعامة الرئيسية للسياحة، مشيدًا بما وفّرته الدولة من استقرار شامل ومشروعات عملاقة في مجالات الكهرباء والمياه والتحلية، ومشروعات التجلّي الأعظم في سيناء لتعظيم السياحة الروحية، فضلًا عن إحياء مسار العائلة المقدسة ومسار آل البيت في القاهرة التاريخية.
ويتوقع أن يجذب افتتاح المتحف أكثر من 3 ملايين سائح إضافي سنويًا، ضمن خطة الدولة للوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030، موضحًا أن كل مليون سائح يوفّر نحو 200 ألف فرصة عمل وينشّط أكثر من 70 قطاعًا اقتصاديًا متصلًا بالسياحة

   يعزز مكانة مصر   

أما الدكتورة إيناس بهي الدين، أستاذة السياحة والآثار المصرية، فتقول إن المتحف المصري الكبير يُعد أداة استراتيجية لترويج السياحة الثقافية المصرية على المستوى العالمي، لأنه يجمع بين التراث والحداثة في تجربة واحدة. فبدل أن يكون المتحف مجرد مكان لعرض القطع الأثرية، أصبح منصة سرد حضاري تقدم قصة مصر من خلال التكنولوجيا والعرض المتحفي المتطور.
أولاً، موقع المتحف نفسه عند هضبة الأهرام يخلق تكاملاً سياحياً غير مسبوق، لأن الزائر يستطيع أن يشاهد الأهرامات ثم يدخل المتحف في اليوم نفسه، في رحلة زمنية تجمع بين الآثار الحية والمعروضة.
ثانياً، المتحف يخدم كمركز ثقافي عالمي، وليس مجرد مكان عرض، لأنه يضم قاعات تعليمية، ومناطق للبحث والترميم، ومسارح، ومناطق عرض مؤقتة. وهذا يجعله مركز جذب للباحثين والطلاب والمؤسسات الثقافية الدولية.
ثالثاً، استخدام التكنولوجيا الحديثة – مثل الشاشات التفاعلية، والواقع الافتراضي، والعروض الرقمية – يساعد في جذب فئات جديدة من السياح، خصوصاً الشباب، ويقدّم تجربة تعليمية مشوّقة.
وأخيراً، المتحف المصري الكبير يمثل واجهة معاصرة لهوية مصر الحضارية، ويُعيد تقديم الحضارة المصرية للعالم بلغة بصرية حديثة، مما يعزز مكانة مصر كمركز رئيسي للسياحة الثقافية في العالم.
بمعنى آخر، المتحف ليس مجرد صرح أثري، بل هو مشروع وطني لصناعة صورة ثقافية جديدة لمصر في الوعي العالمي.
وعند الحديث عن الجسر الذي يربط بين المتحف المصري الكبير والمتحف المصري في التحرير، فهو فرق بين جيلين من المتاحف. فالمتحف المصري بالتحرير يُعد أقدم متحف أثري في الشرق الأوسط، افتُتح عام 1902 ليضم آلاف القطع التي تمثل جميع مراحل الحضارة المصرية القديمة، وهو شاهد على تاريخ علم المصريات نفسه، لأنه كان أول مكان تُعرض فيه الاكتشافات الكبرى بعد نقلها من مواقع الحفائر إلى قلب العاصمة.
أما المتحف المصري الكبير، فهو مشروع القرن الحادي والعشرين، يقع عند أقدام أهرامات الجيزة، وصُمم ليكون أكبر متحف أثري في العالم مخصصاً لحضارة واحدة. الفكرة فيه ليست مجرد عرض آثار، بل تقديم تجربة متكاملة تجمع بين العلم والتكنولوجيا والعرض المتحفي الحديث. ويضم أكثر من مئة ألف قطعة أثرية تمثل عظمة مصر عبر العصور.

   ولادة عصر جديد   

يقولد. حسين عبد البصير، أستاذ الآثار المصرية: حين يفتح المتحف المصري الكبير أبوابه أمام العالم، لن يكون ذلك مجرد افتتاح لمؤسسة ثقافية جديدة، بل ولادة عصر جديد من وعي المصريين بتاريخهم، وتجسيد حيّ لفكرة أن الحضارة ليست ماضيًا يُحكى، بل مشروعًا مستمرًّا يُبنى كل يوم.
فهذا المتحف، الذي يقف شامخًا على مشارف هضبة الجيزة، ليس امتدادًا للمتحف المصري القديم في التحرير فحسب، بل هو تحوّل فكري وحضاري في مفهوم العرض المتحفي ذاته.
بين المتحف القديم والجديد: حكاية زمنين
المتحف المصري بالتحرير، الذي تأسس في القرن التاسع عشر، كان شاهدًا على اكتشافات علم المصريات الأولى، وعلى بدايات الوعي العالمي بعظمة الحضارة الفرعونية. جدرانه تحمل عبق التاريخ العلمي نفسه، وواجهته تحكي قصة جيل من الرواد الأوائل الذين جمعوا آثار مصر وصانوها من الضياع.
أما المتحف المصري الكبير، فهو ثمرة فكر متطور ورؤية معمارية وإنسانية جديدة؛ إذ لا يكتفي بعرض الآثار، بل يقدم سردًا بصريًا وتفاعليًا لتاريخ الإنسان المصري منذ فجر الحضارة حتى العصر اليوناني الروماني.
إنه متحف يتحدث بلغة القرن الحادي والعشرين، يستخدم أحدث تقنيات العرض والإضاءة والواقع الافتراضي، ليجعل الزائر يعيش التاريخ لا يشاهده فقط.
ويكفي أن نعلم أنه المتحف الوحيد في العالم الذي يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، وعددها 5537 قطعة، تُعرض لأول مرة في قاعات مخصصة وفق تسلسل درامي يروي حياة الملك الصغير من المهد إلى اللحد.
بوابة السياحة الثقافية المصرية إلى العالم
يمثل المتحف المصري الكبير قاعدة استراتيجية جديدة لترويج السياحة الثقافية المصرية على المستوى الدولي.
فموقعه الفريد أمام الأهرامات يجعله محورًا متكاملًا بين الماضي والمستقبل، حيث يمكن للزائر أن يشاهد بعينيه التحفة المعمارية الحديثة في خلفية الأثر الخالد.
المتحف لا يقدم مجرد زيارة، بل تجربة متكاملة: عروض ضوئية ليلية، ومسرح أثري، ومركز مؤتمرات دولي، وساحات خضراء، ومناطق ترفيهية ومطاعم بإطلالة على الأهرامات.
كل ذلك يجعل منه مدينة ثقافية عالمية تجذب ملايين الزوار سنويًا، وتعيد لمصر مكانتها كوجهة أولى للسياحة الثقافية في العالم.
كما أنه سيكون مركزًا عالميًا للبحث الأثري والترميم، إذ يضم أكبر معامل حفظ وصيانة في الشرق الأوسط، بما يعزز دور مصر في حماية التراث الإنساني عالميًا.
المتحف والمدرسة الكبرى لتعليم الأجيال
يُعد المتحف المصري الكبير أيضًا منبرًا للتعليم والثقافة. فقد أُنشئت فيه قاعات مخصصة للأطفال، ومناطق تعليمية وتفاعلية، ومراكز تدريب للشباب، تتيح لهم التعرف على أسرار الحضارة المصرية بوسائل حديثة تجمع بين العلم والمتعة.

   التكامل مع مشروعات مصر الكبرى   

افتتاح المتحف المصري الكبير لا ينفصل عن رؤية مصر 2030، التي تضع الثقافة في قلب مشروع التنمية الشاملة.
فالمتحف مرتبط بشبكة حديثة من البنية التحتية، تشمل تطوير منطقة الهرم، والطرق الجديدة، والقطار الكهربائي السريع، ومشروعات الطاقة والنقل الذكي، ليصبح الوصول إليه تجربة حضارية في حد ذاتها.
إنه نموذج حيّ لكيفية دمج الثقافة في الاقتصاد الوطني، وجعلها قوة ناعمة تساهم في التنمية المستدامة، وتعيد صياغة صورة مصر الحديثة في عيون العالم.
بهذا المعنى، لا يمثل المتحف نهاية رحلة جمع الآثار، بل بداية رحلة بعث جديد للحضارة المصرية بروح العصر، حيث تتجاور التكنولوجيا مع التاريخ، والعلم مع الجمال، والهوية مع المستقبل.
المتحف المصري الكبير هو رسالة تقول إن مصر ما زالت تصنع التاريخ كما صنعته منذ آلاف السنين.
إنه ليس متحفًا فقط، بل وعدٌ بأن هذه الأرض، التي علمت العالم معنى الحضارة، لا تزال قادرة على الإبداع، والعطاء، والتنوير

 





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق