استمر الحصار مدة طويلة قاربت شهرًا فتأثر جيش المشركين. وخارت معنوياته وأصيب بالألم من الوضع الذي وجد فيه نفسه.. فهو لم يفعل شيئًا طوال هذه المدة. ولم يحقق نتيجة تذكر وهو يعيش في جو شديد البرودة. ومؤنة بدأت في النفاد واستمرارية هذا الوضع لا تتفق مع استعداداته وخبرته. لأنه جاء للقتال يومًا أو بعض يوم. وليس من خبرته التعامل من وراء الخندق والبقاء ساكنًا في مكان واحد مدة طويلة.. وهو لم ير من اليهود شيئًا يساعد علي تغيير هذا الوضع. بعدما أمل منهم مهاجمة النساء والأطفال لينصرف المسلمون أو بعضهم للدفاع عن ذراريهم. فتتخلخل الجبهة ويتمكن القرشيون من اقتحام الخندق. ومهاجمة المدينة..
وبدأت علائف خيل وإبل القرشيين تنفد فاستعانوا باليهود فأعانوهم بما طلبوا. غير أن الله جعلها للمسلمين. ثم أرسل الله عليهم جندًا من الريح. فجعلت تقوض خيامهم. ولا تدع لهم قدرًا إلا كفأتها. ولا طنبًا إلا قلعته. كما أرسل الله سبحانه وتعالي جندًا من الملائكة يزلزلونهم. ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف. فلم يقر لهم قرار. وشعروا بالهزيمة. وبدءوا في الرحيل إلي مكة.
أصبح رسول الله- صلي الله عليه وسلم- وقد رد الله عدوه بغيظهم. لم ينالوا خيرًا وكفاه الله قتالهم. فصدق وعده. وأعز جنده. ونصر عبده. وهزم الأحزاب وحده.. ولما رحل المشركون رجع رسول الله- صلي الله عليه وسلم- إلي المدينة. وكان رجوعه- صلي الله عليه وسلم- والمسلمون معه من الخندق في يوم الأربعاء السابع من ذي القعدة من العام الخامس الهجري. وسر المسلمون برجعوهم منتصرين. وأسرعوا إلي المدينة هربًا من القر والجوع. وكره رسول الله- صلي الله عليه وسلم- هذه السرعة حتي لا يظن المنافقون والأحزاب بهم ضعفًا.
وقد استشهد من المسلمين ستة شهداء وقتل من المشركين ثلاثة ولم يشترك المنافقون في قتال» لأنهم كانوا بادين في الأعراب خارج المدينة.
إن معركة الأحزاب كانت هجمة شرسة من كافة مشركي الجزيرة العربية. وعلي رأسهم القرشيون الذين جاءوا إلي المدينة. ومعهم خبرة الغزوات السابقة. فكثروا العدد. وقصدوا اقتحام المدينة. والقضاء علي أهلها. وإعادة اليهود إليها مرة أخري.. لكن الله تعالي وفق المسلمين بحفر الخندق. ووضع النساء والأطفال في أماكن حصينة وسط المدينة فانقلب الأمر. ولم يحقق المشركون شيئًا من أهدافهم بل إنهم شعروا بضعفهم وتأكدوا من أن رسول الله- صلي الله عليه وسلم- والمسلمين معه في رعاية الله تعالي. بعدما عجزوا بهذا الجمع الذي لن يتمكنوا من جمعه مرة أخري. وقد رأوا كيف أيد الله سبحانه وتعالي رسول الله- صلي الله عليه وسلم- بما لم يتوقعوه من ريح عاتية. وأعاصير مدمرة. وجدت حول الخندق فقط. وملائكة رأوا أثارهم.
ولذلك قال النبي- صلي الله عليه وسلم- بعد انصراف الأحزاب: الآن نغزوهم. ولا يغزوننا. نحن نسير إليهم.
وقد كتب أبو سفيان كتابًا أرسله إلي رسول الله- صلي الله عليه وسلم- جاء فيه: باسمك الله. فإني أحلف باللات والعزي. لقد سرت إليك في جمعنا. وإنا نريد ألا نعود أبدًا حتي نستأصلكم. فرأيتك قد كرهت لقاءنا. وجعلت مضايق وخنادق. فليت شعري من علمك هذا؟ فإن نرجع عنكم فلكم منا يوم كيوم أحد.
فلما قرأها أبي بن كعب علي رسول الله- صلي الله عليه وسلم- في قبته. كتب إليه رسول الله- صلي الله عليه وسلم-: من محمد رسول الله إلي أبي سفيان بن حرب. أما بعد. فقديمًا غرك بالله الغرور. أما ما ذكرت أنك سرت إلينا في جمعكم. وأنك لا تريد أن تعود حتي تستأصلنا. فذلك أمر يحول الله بينك وبينه. ويجعل لنا العاقبة حتي لا تذكر اللات والعزي.پوأما قولك: من علمك الذي صنعنا من الخندق؟ فإن الله ألهمني ذلك لما أراد من غيظك وغيظ أصحابك. وليأتين عليك يوم تدافعني بالراح. وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزي. وإساف. ونائلة. وهبل. حتي أذكرك ذلك.
اترك تعليق