عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" هذا الحديث جوهرة نفيسة من جواهر السنة النبوية، حديثٌ جليل القدر، عظيم النفع، يشع بنوره على جوانب حياتنا كلها، ويرسم لنا معالم الطريق إلى الله تعالى.
هذا الحديث ليس مجرد كلمات تُتلى، بل هو منهج حياة، وميزان دقيق تُوزن به أعمالنا، وسرٌّ عظيم من أسرار القبول عند الله تعالى وسنبحر سويًا في رحاب هذا الحديث العظيم، نستخرج كنوزه، ونستلهم منه العبر والدروس، ونطبقه في حياتنا اليومية، ليكون لنا نبراسًا يُضيء لنا الطريق إلى الفلاح في الدنيا والآخرة.
وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قال الإمام أحمد والشافعي -رحمهما الله-: يدخل في حديث "الأعمال بالنيات" ثلث العلم، وسبب ذلك أن كسب العبد يكون بقلبه ولسانه وجوارحه والنية أحد الأقسام الثلاثة، وروى عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: يدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من الفقه.
واستحب العلماء أن تستفتح المصنفات بهذا الحديث، وممن ابتدأ به في أول كتابه: الإمام أبو عبد الله البخاري، وقال عبد الرحمن ابن مهدي: ينبغي لكل من صنف كتابًا أن يبتدئ فيه بهذا الحديث تنبيهًا للطالب على تصحيح النية، وأثنى الإمام البخاري بهذا الحديث.
واستفتح به كتابه في بدء الوحي، والعلاقة بينهما أن بدء الوحي بدأ برسالة، وبدأ الرسالة لا يكون إلا بنية، فالإمام البخاري بين أن بدء الحديث يدل على بدء الوحي عند النبي صلى الله عليه وسلم كان بنية، ويعلمنا أن أول بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بنية فأعمالنا وأقوالنا وكل حركة وسكنة في حياتنا لابد أن لا تخلو من نية.
ولفظة: "إنما" أداة حصر: أي لا يوجد عمل بلا نية. فما يصدر عن البشر لا يخلو من نية، إما أن نتكلم وإما أن نفعل وإما أن نسكت ولا بد في كل عمل منهم من نية. قاعدة: الأصل في الإسلام أن جعل العادات إلى عبادات، كالأكل والشرب والعمل وكل حركة في حياتنا اليومية إلى عبادة إذا صاحبتها النية."
اترك تعليق