مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

وصف النبي عليه السلام بـ "الأمية" دليل على معجزة ربانية

انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً ادعاء يفيد بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن أميًا، وهو ما يتناقض مع الثابت في النصوص الإسلامية. ففي القرآن الكريم، ما يدل على أنه كان أميًا وفق المفهوم اللغوي والديني، بمعنى أنه لم يكن يقرأ أو يكتب، وهو من معجزات نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما معنى وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأمي؟ وكيف يكون ذلك معجزة في حق مقامه الشريف؟


 

أوضح الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية السابق أن الأميةُ وصفٌ خَصَّ الله به سيدَنا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم دون سائر الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله جميعًا، فثبت ذلك في حقه الشريف دون غيره؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]، وقال سبحانه: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: 2].

وقال سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "هُوَ مِنْكُمْ، كَانَ أُمِّيًّا لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ وَلَا يُحَاسِبُ"، كما قال الإمام أبو إسحاق الثَّعْلَبِي في "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" (4/ 291، ط. دار إحياء التراث العربي).

وهذا الوصف في حقِّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدحٌ وكمالٌ، وفي حقِّ غيره مذمةٌ ونقصانٌ، إذْ هو صلى الله عليه وآله وسلم مُنَزَّهٌ عن كلِّ منقصة، ومُتَرَفِّعٌ عن علوم البَشَر العادية؛ لأنَّ عِلمه صلى الله عليه وآله وسلم عِلمٌ لَدُنِّيٌّ رَبَّانِيٌّ، لا يضاهيه فيه أحدٌ، ولا يَرقى لمثله مَلَكٌ ولا بَشَر، وأَنَّى لغيره أن يبلُغ مِن عِلمه إلى ما بَلَغ، أو يُحَصِّل مِن العلوم ما حَصَّل، وكيف يُقارن به وقد أُوتِيَ صلى الله عليه وآله وسلم مِن العلوم ما لَم يؤتَ أحدٌ، فإن كانت أميةُ الإنسان تُمْحَى بما يَكْتَسِبُهُ مِن علوم الآلة بواسطة البشر، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أُوتِيَ عِلمه مِن رب البشر.

ومِن ثَمَّ فالأميَّة في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تَعني الجهل وقلة المعرفة؛ لأنَّ القراءة والكتابة ليست لها قيمة ذاتية في نَفْسها، وإنما هي وسيلةٌ مُعينةٌ على اكتساب العلوم وتحصيلها، وهذا حاصلٌ في حقه صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي الإلهي والعِلم الرَّبَّانِيِّ، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113].

وقال تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه: 99]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: 6]، حتى جعله سبحانه وتعالى ملازِمًا له في شأنه صلى الله عليه وآله وسلم ومَقاله، فقال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4]، وقال جَلَّ شأنُه: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ [يونس: 61].

هذا، وقد نص العلماء على أنَّ مِن جملة معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان أُمِّيًّا؛ لأنَّه لو كان ممن يَكتب ويَقرأ لصار مُتَّهَمًا بأنه ربما طالَعَ كُتُبَ الأَوَّلين فَحَصَّلَ هذه العلوم بتلك المطالعة، لكنه صلى الله عليه وآله وسلم لَمَّا جاء بهذا القرآن العظيم المشتمل على علوم الأَوَّلين والآخِرين مِن غير قراءةٍ ولا مطالعةٍ كان ذلك مِن جُمْلَةِ معجزاته الباهرة.

وهذا المعنى هو ما أخبَرَ به الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48].

قال الإمام الطَّبَرِي في "جامع البيان" (20/ 50): [يقول تعالى ذِكرُه: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿تَتْلُو﴾ يعني: تقرأ ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني: من قبل هذا الكتاب الذي أنزلته إليك ﴿مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ يقول: ولم تكن تكتب بيمينك، ولكنك كنت أمِّيًّا ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ يقول: ولو كنت من قبل أن يُوحَى إليك تقرأ الكتاب، أو تخطه بيمينك، ﴿إِذًا لَارْتَابَ﴾ يقول: إذًا لَشَكَّ بسبب ذلك في أمرك، وما جئتهم به من عند ربك من هذا الكتاب الذي تتلوه عليهم ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ القائلون إنه سَجْعٌ وكَهَانَةٌ، وإنه أساطير الأَوَّلين] اهـ.

بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن الأمي في كلام العرب هو الذي لا يَقرأ ولا يَكتب، والقراءة والكتابة إنما هي وسيلةٌ مُعينةٌ على اكتساب العلوم، وهو حاصلٌ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي الإلهي والعِلم الرَّبَّانِيِّ الذي لا يضاهيه فيه أحدٌ، ولا يَرْقَى لمثله مَلَكٌ ولا بَشَر، فكانت الحكمةُ مِن وصفه بـ"الأُمِّيِّ" هي إظهار كمالاته الذاتية التي لا واسطة فيها للأسباب المتعارَف عليها بين البشر، ولتكون الأميةُ في حقه صلى الله عليه وآله وسلم آيةً على ما حصل له مِن علومٍ إلهية وفيوضاتٍ ربَّانيةٍ.

والله سبحانه وتعالى أعلم.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق