بقلم سحر الحسيني
استيقظتُ على صوت المنبه الذي لا ألجأ إليه إلا للضرورة وللمواعيد شديدة الخصوصية.. لمَ لا؛ فموعد اليوم هو حُلم طالما راودني تحقيقه.
ماذا أرتدي؟ هل تلك البدلة الكلاسيك التي تعطي للقاء أهميته، أم ذلك الفستان الأنيق الذي يمنحه حميمية وودًّا أكثر؟
لا لا لا، هل جننتُ! أنا بعد قليل سألتقي بسارقة القلوب والنُّهى، لا بد أن أرتدي أجمل ما عندي بما يليق بجمالها وأنوثتها.
فلتكن تلك التنُّورة القصيرة وذلك الجاكيت الجلد الأنيق.
ارتديت ملابسي وانتهيت من تصفيف شعري والاطمئنان أن كل تفاصيلي كما خططتُ لها.
ركبت سيارتي، وسبقت بقلبي عَجلاتها لكي أصل. نعم هو العنوان، 16 شارع أبو السباع بالطابق الثالث.
يبدو المكان متواضعًا، لا بأس.. ربما كان مختلفًا من الداخل.
صعدتُ للطابق الثالث وطرقت الباب، فتحتْ لي فتاة في العِقد الثاني، أخبرتُها عن نفسي، فأذِنتْ لي بالدخول.
البيت متواضع، تكوينه وأثاثه قديم نوعًا ما، كنت متخيلة أنني سألمح ظلال ثراء وفخامة.
- أهلًا وسهلًا!
استدرت حيث الصوت وشرعت بالوقوف:
- أهلًا بكِ.
- أنا مي زيادة...
للحظاتِ صمتٍ فاحت فيها رائحة الدهشة من مسامي:
- مي زيادة.. محطِّمة القلوب؟
كنت أعتقد أن صور الأبيض والأسود تُظلمها، وظللت أتخيل أثناء قدومي كيف ستكون تفاصيل أيقونة السِّحر التي تَغَنى بها الأدباء والشعراء.
- تَفضلي بالجلوس.
انتبهتُ، فلا تزال يدها في يدي، شكرتها وجلسنا.
- أرى في عينيكِ دهشة ممزوجة بتساؤل.
- آآآه، لقد بدأنا استخدام ذكاء الأدباء وقرون استشعار الفنانين!
ابتسمت في خجل، وشعرتُ كأنها قرأت ما أخفيه في نفسي.
- كان سقف توقعاتكِ لجمالي أعلى، ههههههههه.
- لا طبعًا، أنتِ جميلة.
- لا عليكِ، اعتدتُ على ذلك، فلربما كانت لأعين النساء تقديرٌ آخَر لجمالي ممزوج بمشاعر أخرى.
ماذا تَعني؟ هل تقصد غيرة مثلًا؟ يا لها من مغرورة، حسنًا.
بجملة قصيرة حادة وأنا أوجِّه جسمي كله، وعيني تخترق عينيها.
- ما أجمل أن تجعلني الحروف ملكة، وتمنحني صكَّ الجَمال.
نظرتْ مي نحوي وكأنها تخبرني أن اللقاء لن يكون كما هو مخطط له.
- مشروب حضرتك المفضل يا فندم؟
أتى صوت مديرة المنزل من خلفي ليُلَطف قليلًا من حدة الحديث.
التفتُّ إليها مبتسمة:
- قهوة مضبوط، بُن محوِّج فاتح.
انصرفتُ مبتسمة لأعود بكلِّي إلى مي زيادة.
يا ألله! من الواضح أنني حقًّا أمام أسطورة ولغز ليس بالسهل فكُّ شفراته.
أدارت ظهرها متجهة نحو نافذة مفتوحة تدخل منها أشعة الشمس الذهبية، تَتْبعها نظراتي المترقبة.. عادية الجَمال، وهي ابنةٌ لأبٍ لبناني وأُم فلسطينية؟
- أستاذة مي.
- ناديني "ماري".
قالتها دون أن تستدير أو تنظر نحوي، وأُسقِط في يدي.. منذ متى وهي تحب أن يناديها أحد بماري؟ أعلم أنها اختارت لنفسها اسم "مي زيادة" ليليق بقدرها الأدبي.
استدارت لتنظر نحوي مُتمتِمة:
- مي زيادة، النجمة اللامعة التي حسدَتْها نساء الكون على اللاشيء الذي امتلكته.
- اسمعيني جيدًا، أنا هنا مَن أدير الحوار.
بإمعانٍ خُضت في تفاصيلها، كان لا بد أن تمتلك تلك الشخصية الاستحقاقية؛ فكل من حولها ساعدها على هذا التكوين.
- كيف كانت علاقة ماري زيادة بالسيدة نزهة خليل والسيد إلياس زيادة؟
جلست مي على مقعد وثير بالقرب من مدفأة صغيرة من الحجر، بجانبها منضدة تحمل كتابًا مفتوحًا وبعض الأوراق والأقلام. يبدو أنه مكانها المفضل.
بنظرات لا تَلوي على شيء:
- عذَّباني كثيرًا أبي وأمي!
- ولكننا نعلم أنكِ كنتِ الابنة المدلَّلة، وأيضًا الوحيدة بعد رحيل أخوكِ الوحيد.
- فعلًا كنتُ الوحيدة والمدلَّلة والمفضَّلة لديهما، لا تزال جملة أمي تصكُّ أذنيَّ: "إن مَن يُنجب ميًّا، لا يُنجب غيرها". آاآآآه، رحمكِ الله يا أمي، اكتفيتِ بمي عن الكون وكفيتِها كل الكون.
- عذرًا أستاذة مي...
- نبهتُ عليكِ أن تناديني ماري.
- عفوًا، ماري. كيف بكل هذا الحب تشعرين بظُلمهما؟!
أطالت النظر لوجهي قليلًا بعينيها الواهنتين، ثم نادت على مديرة المنزل لتُحضر لها كوبًا من النعناع الأخضر المغلي.
خجلتُ من نفسي فور انتهائي من طرح سؤال شديد الخصوصية مثل هذا.. قطع الصمتَ استدارة مي لتُواجهني تمامًا:
- تعتقدين لو لم تكن أمي نزهة معمر وأبي إلياس زيادة، بكل الثقافة والاهتمامات الأدبية، ولم أنشأ في ذلك المنزل الذي يشبه المكتبة، هل؟ هل كنتُ سأحظى يومًا بكوني مي زيادة أسطورة الأدب وصاحبة الألسن (كانت مي قد أتقنت تسع لغات، هي: العربية، والفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، والإيطالية، والإسبانية، واللاتينية، واليونانية، والسريانية). هل تعتقدين لو لم أكن أنثى، كنتُ سأصبح مي زيادة؟ زهرة وسط الشوك، ستبدو بالتأكيد جميلة حتى ولو لم تمتلك رائحة!
ثم، ثم إنهما بالفعل ظلماني، في صباح قديم مثل هذا كانا معي نتحدث ونلهو، يغدقان عليَّ من فيض حنانهما وعطفهما، وفجأة رحلَا... رحلَا دون أن يخبراني، كيف لي أن أسرق من غيمات ذِكراهما غيمةً أسافر بها للنسيان؟! رحلَا دون أن يخبراني كيف أنجو من وجعِ أن أصحو كل يوم خاليةً منهما.. أليس هذا ظلمًا؟
انتفض قلبي مع صرختها المبلَّلة بأدمُع الوجع والألم.. تمنيتُ لو لملمتُ ضعفها بين كتفي، حالَ بيني وبين رغبتي نظرتها الصارمة وهي تنادي على مديرة المنزل بعنف لتُحضر لها فنجانًا آخَر من القهوة، وأعتذر أنا عن تناوُل المزيد.
شعرتُ بتوترها الشديد ينعكس على المكان كله وليس أنا فقط، فاستأذنت بالانصراف على وعدٍ بأن نُكمل حديثنا في الصباح الباكر.
لم تردَّ سوى بكلمة واحدة دون أن تنظر باتجاهي:
- ليكن.
- والحب أين ظلاله في حياتكِ حتى ذلك الحين؟ وانتقالكِ من موطنكِ لمصر، ودراستكِ وأفكاركِ، وكونكِ أديبةً وكاتبة.. لماذا لم يَرَكِ أحد طيلة هذه الفترة كحبيبة؟
من الواضح أنني أصبتُ بسهم تساؤلي جرحًا ما! وقفت مي بحدة، ونظرت نحوي، ثم استدارت سريعًا نحو النافذة ليُخيم الصمت لدقائق. كان وجهها يمتعض وكأنها تَجترُّ أسوأ ذكريات.
- مَن أخبركِ بذلك؟ لقد كنتُ محل إعجاب للكثيرين، ربما كانت رؤيتهم بأني الأفضل هي ما تمنعهم بالمبادرة خشيةَ الرفض؟
خرجت الجُمل مهتَزة بائسة مفتقِرة إلى الصدق.
- ثم إني لم أكن أمتلك الوقت الكافي للحب وتَبِعاته!
- وامتلكتِه حين أردتِ "جبران"؟
سقط فنجان القهوة من يدَيْ مي.. وبانفعالٍ شديد وحروف واضحة أجابت:
- مَن أراد مَن؟ هو مَن أرادني أيتها المختلة.
رفعتُ عيني إليها بدهشة مستنكرةً وصفها لي، وشعرتْ هي بذلك فأشاحت بوجهها مناديةً مديرة المنزل لإصلاح ما أفسده فنجان القهوة.
مرت دقائق ثقيلة وكأنها مساحة لالتقاط الأنفاس واسترداد المواقع.
- هل كان من المعتاد أن ترسلي نقدكِ أو آراءكِ لكاتبٍ في مؤلَّف له أثار انتباهكِ؟.. إذن أنتِ مُصرة؟.. الأجنحة المتكسرة كانت رائعة، ثم إن جبران كان قريبًا من تكاويني بشكلٍ ما.. الديانة، الأصل، حتى الدور الذي لعبته والدته في حياته وتعزيز ثقافته وإدراكه، هو ذاته ما فعلته معي أمي...
- ولكن، ألا تلاحظين أن الأجنحة المتكسرة تحديدًا روت ما حدث بينكما وكأنها سيناريو مسبق لعلاقتكِ بجبران؟
- قصة عشق عفيف لم يُكتب لها النجاح في الحياة، وفي هذا الكتاب يُقدس جبران الروح، ويرى أنها تتحرر من الجسد بالموت.
- هل أعجبتكِ لدرجة أنكِ تمنيتِ ذلك الحب الأفلاطوني مع جبران؟
- اتهام رخيص بمخطط لا يَصْدر إلا من عقول مريضة.. لقد كانت رسالة إعجاب بمؤلف أدبي وفقط.
- نعم، بدليل تعريفكِ بنفسك وباسمك الحقيقي ونشاطاتك.. هل لم تسمع ماري عن كونه جان و... ودنجوان أيضًا، وأن له علاقات متعددة؟ أم أنها الرغبة الخفية في الفوز بمن تتهافت عليه النساء؟
- أيُّ فوزٍ الذي تتحدثين عنه؟ لقد ظللنا أصدقاء قرابة اثني عشر عامًا، نتحدث عن الأدب والثقافة.. حتى شعرنا بمشاعر الاقتراب والحب.
- ألا تتفقين معي أنه كان من الغريب على رجل رومانسي ورقيق المشاعر كجبران أن يكتفي بكونكما أصدقاء، ولا يحاول أن يقترب؟ وانتظر حتى إعلانك الصريح لحبك؟
- ولماذا تحكمين من منطقكِ أنت؟ جبران كان يخشى مصارحتي حتى لا يصاب بفقدي، آثَر الكتمان كي يظل بقربي!
- أو لربما كان يشعر باستقرارٍ ما لعلاقة تثير بداخله عصف المشاعر لتدفع شلال حَرفه، فما أجمل ما قبل الاعتراف من ترقُّب وانتظار ولهفة ووووو.. حتى أتيتِ أنت بعدما أتممتِ الثلاثين بسنوات وصرَّحتِ؟
بضحكة ذات رائحة لم تكن محبَّبة إليَّ نظرت مي بعينيها الذابلتين، محتضنة بكف يدها الأيمن طرفَي شال قديم نوعًا ما باهت الألوان، والكف الآخَر يحمل سيجارة أوشكت على أن تلسع أناملها؛ فقد انتهت دون أن تلتفت إليها.
- تلميح سخيف عن سني! تلك العانس متوسطة الجمال التي فاتها القطار وخشيت أن يمضي العمر قبل أن تتزوج، فأعلنتْ فجأة عن حبها لجبران! تصوُّر سخيف ويفتقر إلى الصحة.. هل تعلمين أيتها البلهاء كم عدد مَن أحبني وتمنَّوا أن أبادلهم الحب؟
- لربما أحبوا كتاباتكِ لجبران، أو أحبوا حالة جبران نفسه وتمنَّوا دوره؟ وربما كنتِ تستمتعين بشكلٍ أو بآخَر بهذا الشعور.
اترك تعليق