منذ الستينيات وحتى الٱن وبعيدا عن انتظار الوظيفة الميرى وفى صورة فريدة من صور تحدى البطالة برع أهالى قرية شما مركز أشمون والتى يبلغ عدد سكانها حوالى ٤٠ ألف نسمة، في تحويل منازلهم إلى ورش لصناعة السيرما واللوحات المطرزة خاصة الخطوط القرآنية التي تحاك على التابلوهات والمفارش، لذا حظيت بشهرة عالمية فى التصدير للخارج لدرجة أنه يتم الاحتفاظ بمعظم منتجاتها في القصور والفنادق والمتاحف بالعديد من الدول العربية والإسلامية والأوروبية.
والملاحظ أنه لا يكاد يخلو منزل بالقرية من وجود نول للعمل فى هذه المهنة كمشروع صغير و حرفة يدوية وتراثية تفرد بها الأهالى باعتبارها فنا من الفنون التقليدية التي اشتهرت قديماً في كثير من بلدان العالم الإسلامي بأناقتها وتنوع استخداماتها وأصالتها، وظلت محتفظة ببقائها لارتباطها بكسوة الكعبة المشرفة، بل زينت قصور الأمراء وبيوت المسئولين وصارت جزءا من الديكور الحديث الذى يدل على الفخامة والثراء والذوق والأناقة ،وكلما مرت عليها السنون تزداد بريقا وقيمة.
يقول أحمد خليل "أحد أصحاب الورش" إن هذه الصناعة اليدوية تألّقت فى العصر العثماني بمصر وإسطنبول، ودخلت إلى القرية أواخر الثمانينيات عن طريق التعلم بورش الحاج سعيد عطية ابن القرية، وذلك بمنطقة الكيت كات وحى خان الخليلى بالقاهرة وكانت مقتصرة فى بادىء الأمر على تصنيع مستلزمات الجيش فى مصر والسودان والإمارات وتشمل الرتب والنياشين والكتافات والكابات إلى أن وقعت أحداث الأمن المركزى فى مصر وتم منع تلك الورش من تصنيع المهمات العسكرية فبدأوا فى كتابة الآيات القرآنية ؛ ومنها سورة الفاتحة، لافتا إلى أن الخشخان يتم استيراده من الهند بالكيلو ويشبه السوستة تقطع إلى أجزاء ويتم تنفيذ اللوحة سواء كتابة أو رسومات " مناظر طبيعية، أو طيور كالطاووس، أو ورد، أو فازة، بينما بكر "القصب" فكان يتم استيراده من اليابان، وحاليا من الصين، وكان البرواز يباع لتعليقه على حوائط المنزل والتبرك بآيات القرآن المكتوبة به، ومنذ عام 1990 وحتى 2005 وفد سوريون إلى القرية طلبا لتصميم تقليد لكسوة الكعبة العثمانى التى تبلغ مساحتها حوالى 18 مترا مربعا ؛ بواقع 4 قطع كل قطعة تقارب 5 أمتار مربعة يعمل فى تنفيذها 6 أفراد ويستغرقون فى تصنيعها نحو 15 يوما وأخذوها للبيع كأنتيكات قديمة بسعر المتر 10 و 12 ألف جنيه وقتئذ، وطالب بتخصيص معرض دائم لأصحاب الحرف اليدوية والتراثية فى مكان بالمجان لعرض وتسويق منتجاتهم ويفضل أن يكون قريبا من المطار حتى يسهل على السياح الأجانب والعرب بمجرد أن تطأ أقدامهم أرض الكنانة أو عند مغادرتها التسوق والشراء من تلك المشغولات وخلق فرص تسويقية لبيع المنتج لمواجهة الكساد الذى يعانى منه الصناع وأصحاب الورش.
أضاف محمد خليل " صاحب ورشة " قائلا : إنه من الصعب على من تعلم تلك الحرفة تركها،وبسبب جائحة كورونا و حظر التجمعات فى عام ٢٠١٩ تم إغلاق الورش وأصبح العامل يعمل بمنزله ثلث الوقت وبعائد بسيط، واعتمدنا على وسائل التواصل الاجتماعى "فيس بوك " و "واتس آب" و "الماسينجر" فى عرض وتسويق بعض الإنتاج ذاتيا بدلا من حالة الركود التى أصابت المهنة، وهجرها معظم الصناع وأصحاب الحرف المساعدة واتجهوا إلى العمل بالمصانع فى مدينة السادات والقاهرة وقيادة التكاتك أو العمل فى المطاعم أو بالزراعة أو على سيارات الأجرة فى حين ينتظر الأقلية المتبقية دون عمل طاقة أمل لعودة الحياة إلى المهنة وفتح باب التصدير مرة أخرى، لدرجة أننا كنا نتمنى وقتها بيع الإنتاج بتكلفته دون ربح من أجل الحفاظ على "الصنايعى" وأشار إلى أنه يتم التواصل مع العديد من الأشخاص والتجار داخل مصر وخارجها، مطالبا بمساندة الدولة لهم كأصحاب مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر فى إطار مبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسى "حياة كريمة" ومنحهم قروضا ميسرة بفوائد بسيطة و بأقساط مناسبة مقابل أى ضمانات أو التوقيع على شيكات بعيدا عن الإجراءات الروتينية إنقاذا لتلك الحرفة ولهؤلاء الصناع، ودعم المواد الخام التى تضاعفت أسعارها، خاصة بعد تعويم الجنيه والمساعدة على تسويق المنتج من خلال المعارض دون دفع قيمة إيجارية مرتفعة نظير المكان للشعور بالأمان الأسرى والمعيشى.
أضاف عبد الله فرج سلام "أحد أبناء القرية ، صاحب ورشة لتصنيع السيرما " : أعمل بهذه المهنة منذ حوالى "25 عاما" أى من الجيل الثانى بعد أن تعلمتها بأشهر الورش فى خان الخليلى بحى الحسين بالقاهرة ومنها العقاد والطيب، حيث كان يعمل بتلك الورش المرحوم سعيد عطية ثم شقيقه صبحى من أبناء القرية والذى ساعد الكثير من شباب القرية كبار سن ،ومدرسين وغيرهم من الجيل الأول ووفر لهم فرص تدريب وعمل بتلك الصنعة فى نفس الورش، ثم تركوا القاهرة وعادوا للقرية بسبب تكاليف السكن والإقامة هناك أو مشقة وتكلفة السفر يوميا وافتتحوا العديد من الورش بالقرية فى فترة الثمانينيات، لافتا إلى أن أكثر من 1000 شخص صاروا يتقنونها داخل الورش والمنازل لدرجة أن صيت القرية فى تلك الحرفة ذاع داخل مصر وفى عدد من الدول العربية والإسلامية كالسعودية وماليزيا وأندونيسيا وإيران ولبنان ،وسوريا والإمارات بالإضافة إلى الجاليات والمراكز الإسلامية فى بعض الدول الأوروبية ومنها لندن وأمريكا والتى يتم التصدير إليها،يتم التصدير إليها، وأن 90 % من إنتاج الخشخان "معدن لامع من النحاس المسحوب" سواء اللوحات والتابلوهات والستائر المكتوب فيها آيات القرآن الكريم المعروضة بخان الخليلى من صناعة شما، والـ 10 % المتبقية فى ورش الحسين بالقاهرة ،ويتم استيراد هذا الخام من الهند، لافتا إلى أن السعوديين كانوا يطلبون هذه المنتجات فى مواسم العمرة والحج بأسعار زهيدة مقابل بيعه لجميع فنادق وأبراج مكة والمدينة بأسعار مرتفعة لتزيين الجدران بنماذج مختلفة من الخط العربي والآيات القرآنية الكريمة، كما كانوا يأخذون كسوة الكعبة من مصر، والتى يقومون بتصنيعها حاليا بمصنع خاص بها بأياد سعودية 100 % على مدار العام بدءا من موسم الحج وحتى الموسم التالى، فى حين لو تم تصنيعها فى مصر فإنها لا تستغرق أكثر من شهر وبجودة أعلى.
أضاف "سلام" أنه يمكنهم المشاركة بمنتجاتهم فى تجميل مكاتب المصالح الحكومية والمستشفيات فى إطار المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" التى تجرى أعمالها بالقرية حاليا، وتنفيذ الهدايا التذكارية للمسئولين ومفارش العرائس ولوحات تزيين المنازل ، وذلك بسعر التكلفة.
أوضح أحمد غنيم، وسمير عطية، وعيد الصباغ "من أقدم العاملين بالحرفة" أن تلك المهنة تعلم الصبر وقوة التحمل والإتقان فى العمل، والدقة وكذا الإبداع فى اختيار الألوان والذوق والشعور بالجمال وتملأ الروح بطاقة إيجابية وجمالية وإحساسا بقدرة الفن على الحفاظ على بريقه رغم مرور الزمن، وقد انتقلت من القرية إلى عدد من القرى المجاورة بمركز أشمون؛ منها "طهواى، وكفر الطراينة، والأنجب ورملة الأنجب، ودلهمو" وأن أسرع الأهالى تعلما وإتقانا لتلك الحرفة التراثية هم الصبية وغير المتعلمين وأن الفتيات والسيدات خاصة الأرامل والمطلقات إلى جانب طلاب المدارس والجامعات الذين يحرصون على العمل بهذه الحرفة فى الإجازة الصيفية لتوفير مصاريف الدراسة ،مشيرين إلى أن العمل فى الورش يكون بعدد الساعات اليومية ويحتاج أشخاصا متفرغين فى حدود 6 أفراد مثلا ومن خلال منسج "نول خشبى" يشد عليه قماش "دمور قطن من المحلة الكبرى" من الناحيتين ثم تثبت عليه الستارة أو القماش "الشمواه" مثلا والمراد تنفيذ الكتابة أو الرسم عليه بعجين الدقيق مثل النشا، بعد طبع الرسم أو الكتابة المطلوبة على كلك من قبل الخطاط ومن أشهرهم بالقرية عبد المنعم أبو يوسف ثم يتم تخريم أو تخبيش الكلك بالإبرة وباستخدام الزنك والجاز يتم طباعة "الإستامبا" على القماش وعلى كرتون مقوى بنفس الشكل ويتم تفريغه ثم تركيبه على القماش إذا كان الرسم أو الكتابة المطلوبة بارزة فيتم ذلك باستخدام حشو بخيط "السدى" والعكس يكون باستخدام الكرتون إذا لم يكون المطلوب بارزا، ثم بالخشخان أو القصب أو السلك ويد تحيك بالخيط لأسفل والأخرى لأعلى، عكس العمل بالمنازل فيكون بعدد ومساحة القطع.
أضاف أنور محمود غنيم ،وجميل عمارة "من العاملين بالمهنة" أنه يفضل العمل ليلا وأن الشغل يدوى تقليدى معظمه بالسلك المذهب أو الفضة على عكس كسوة الكعبة فهو ذهب خالص عيار 24 على حرير طبيعى أسود اللون،ويباع بالمتر خامات ومصنعية معا، رغم أنه فى السابق كان يتم توفير الخامات ويقتصر الإنتاج على المصنعية فقط مقابل البيع بواقع 4 آلاف جنيه تقريبا للمتر، وأضاف أنه فى عام 2008 حدثت قفزة كبيرة فى تلك الصناعة وبدلا من مشغولات السيرما ظهر السلك "نحاس أو فضة أو ذهب" وهو نفس شغل الفتيلة كما تصنع كسوة الكعبة حاليا إلا أن الفرق فى نوعية السلك أنه من الذهب فقط ،وأن السوريين كانوا يشترون منتجات السيرما من خان الخليلى بأسعار مرتفعة لبيعها للملوك والأمراء وتعليقها فى القصور وبعض الدول ومنها إيران ولبنان على أنها أنتيكات ولوحات قديمة لدرجة أنه تردد أنهم باعوا إحدى اللوحات فى إيران التى يكثر بها المقامات على أنها تراثية بنحو مليون دولار وقتئذ ، لكنه فور علمهم بأن معظم المشغولات من قرية شما اتجهوا إلى القرية واشتروا المنتج منهم مباشرة بأسعار أقل ، بل افتتحوا ورشا فيها واستقطبوا العمال المهرة من أبناء القرية للعمل فيها بأجور أكثر مما أدى إلى إصابة الورش الأخرى بالقرية بشبه توقف عن العمل إلى أن قامت ثورة يناير 2011 وكانت الضربة القاصمة لهذه الحرفة بمصر وقتئذ ، كما انتقلت ثورات الربيع العربى إلى سوريا ولبنان وتم فرض حظر التجوال ومنع السفر للخارج فتوقف الحال وشهدت مصر حالة من الركود التام ،وضربت تلك الصناعة فى مقتل ولحقت الخسائر الفادحة بالجميع، لدرجة أن أصحاب الورش قاموا بفك المنتجات وبيع المادة الخام، لكن مع قيام ثورة 30 يونيه ونزول الجميع إلى ميدان التحرير شعروا بالأمل وعودة الحياة مرة أخرى رغم العمليات الإرهابية التى كانت تتم من قبل الخونة والتى أثرت على الدولة.
أوضح حلمى سلام، وسامى خليفة، وناصر أبو يوسف "عمال" و مصطفى رمزى وعلاء الحنفى "موظف بالقرية" أن السيرما منها الخشخانة والقصبة "طالع نازل"، وأيضا الفتيلة، وأنه يتم تصنيع الخشخان بتقطيع السلك الذى يشبه السوستة بالمقص وتلتقطها إبرة تنزل لأسفل على الطبعة أو الرسم لإظهار الرسم أو الكتابة فى صورتها النهائية، بينما القصبة عبارة عن بكر كان يتم استيراده من اليابان قديما، وحاليا تقليدى من الصين والهند ،ويلف على 8 بكرات يؤخذ منها 8 أطراف ملفوفين على كرتونة، وذلك فى إبرة طالع نازل على الرسم أو الكتابة، فى حين أن الفتيلة يؤخذ 32 طرفا بالإبرة بدلا من 16 طرفا، ويلفوا على عصاة ويكون سمك الرسومات من 3 إلى 10 سم ويوضع أسفلها سدى وكرتون مقوى، لافتين إلى أن أحد الرسامين بالقرية ينفذ الرسومات، فيما يقوم الخطاط بالكتابة على الكلك وتخرم "تبخش" ويطبع الرسم أو الكتابة وأغلبها تكون آية الكرسى، أو أسماء الله الحسنى، أو باب الكعبة قبل البدء فى التطريز، وأن هذه الحرفة كانت تقتصر على الرجال فى بداية انتشارها بالقرية ثم تعلمتها السيدات؛ خاصة الأرامل والمطلقات بهدف الإنفاق على أبنائهن وأسرهن أو تحسين دخلهن، وكذا طالبات المدارس والجامعات لتوفير مصاريفهم الدراسية بشطارتهم ودون بهدلة، لدرجة أنه يوجد بالقرية أطباء ومهندسون ومدرسون سبق عملهم بتلك الحرفة.
من جانبه
التقى اللواء إبراهيم أبو ليمون محافظ المنوفية، عدداً من أصحاب الصناعات الحرفية واليدوية لمناقشة سبل الارتقاء بالصناعات الحرفية بالمحافظة وتوفير كافة الإمكانيات للصناع من خلال دراسة إنشاء كيان للصناعات التراثية والحرفية ومركز تدريب يهدف إلي تقديم الدعم الفني والمعلومات للحرفيين بالإضافة إلي التأهيل والتطوير وتحسين قدراتهم للحد من اندثار الصناعات التراثية وعودة الحرف اليدوية إلي سابق عهدها للمنافسة في الأسواق العالمية، وكذا إقامة معرض دائم لعرض المنتجات الحرفية واليدوية التي تشتهر بها المحافظة وتميزها عن غيرها من المحافظات، مؤكدا أن المحافظة تولي اهتماماً كبيراً بالصناعات الحرفية والتراثية وإزالة المعوقات التي تواجهها باعتبار أن المنوفية بمثابة قلعة برعت في هذه الصناعات منذ سنوات طويلة ،وتعد من أهم المهن التي تتوارثها الأجيال بالإضافة إلي دورها في توفير فرص عمل للشباب، كما تمثل جزءاً من الهوية الوطنية الثقافية التي تعكس أصالة وتاريخ المحافظة، ووجه بضرورة استغلال الموارد المتاحة وتنميتها والتنسيق الكامل بين كافة الجات المعنية بهدف تذليل كافة العقبات التي تواجه صغار الصناع وأصحاب الحرف.
اترك تعليق